إجابة أخي مسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
إجابة اخي مسلم
أطوار خلق الإنسان
بقلم الدكتور عبد الجواد الصاوي
الباحث في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
شاع فهم بين كثير من علماء المسلمين السابقين والمعاصرين على أن زمن أطوار الجنين الأولى : النطفة والعلقة، والمضغ، مدته مائة وعشرون يوما ؛ بناء على فهم منطوق حديث جمع الخلق الذي رواه الإمام البخاري وغيره ؛ عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهو الصادق المصدوق ) قال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا يؤمر بأربع كلمات ويقال له : اكتب عمله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ( 1 ) وبما أن الحديث قد أشار إلى أن نفخ الروح في الجنين يحدث بعد انتهاء زمن طور المضغة الذي ينتهي بنهاية الأربعين الثالثة حسب هذا الفهم، فعليه أفتى بعض علمائنا الأجلاء بجواز إجهاض الجنين وإسقاطه خلال الشهور الأربعة الأولى من عمره، بلا ضرورة ملجئة، لأن حياته في هذه الفترة حسب فهمهم حياة نباتية، لم تنفخ فيها الروح الإنسانية بعد، وقد ترسخ هذا الفهم عند البعض حتى أصبح كأنه حقيقة شرعية مسلمة. لكن هذا المفهوم لزمن أطوار الجنين الأولى وأنها تقع في ثلاثة أربعينات ؛ قد ثبت يقينا اليوم أنه يتعارض مع الحقائق العليمة المعتمدة في علم الأجنة الحديث مما جعل غير الراسخين في العلم من المسلمين يرددون مثل هذه الأحاديث ويشككون في صحتها، كما توهم بعض المحاربين للإسلام أن هذا الموضوع يعد خنجرا بأيديهم يمكن أن يطعنوا به سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
ولذلك أعد هذا البحث لبيان الحقيقة في هذه القضية، واعتمد في منهجه على ثلاثة أسس :
1- الدراسة الموضوعية لجميع نصوص القرآن والسنة الواردة في هذا الموضوع .
2- وصف أطوار الجنين من خلال فهم الدلالات اللغوية وأقوال المفسرين للألفاظ والآيات القرآنية، ثم للحقائق العلمية في علم الأجنة البشرية .
3- نفخ الروح في الأجنة يجب أن يخضع فهمه أساسا للنصوص الشرعية حيث تمثل الدليل القطعي فيها، أما الجوانب العلمية المتعلقة بها – إن وجدت – فهي أمر ثانوي ودليل ظني لا تقوم به حجة قاطعة في هذه القضية .
وقد أثبت البحث أن الوصف القرآني لأطوار الجنين الأولى وشرح المفسرين لهذه الأطوار، والتحديد الزمني الدقيق لها في السنة النبوية، تتوافق والحقائق العلمية في علم الأجنة الحديث . وأن أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، تقع كلها في أربعين يوما واحدة فقط . كما أجاب البحث على سؤال : متى تنفخ الروح في الجنين ؟ أبعد أربعين واحدة أم بعد ثلاثة أربعينات ؟.
ولذلك تمت معالجة البحث ضمن النقاط التالية :
أولا : الوصف الدقيق لأطوار الجنين المطابق للواقع في القرآن الكريم :
وصف القرآن الكريم أطوار الجنين، وصفا دقيقا من خلال إطلاق مسمى على كل طور له بداية ونهاية محددة، حيث يصف المظهر الخارجي للجنين، ويعكس عمليات التخلق الداخلية له في فترات زمنية متعاقبة.
قال الله تعالى :” وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ” ( المؤمنون : 12، 14 ).
وسأذكر ملخصا للدلالات اللغوية وأقوال بعض المفسرين في كل طور ومطابقة ذلك للحقائق المستقرة في علم الأجنة الحديث .
طور النطفة :
صورتان تبينان بداية انقسام البيضة الملقحة
أ) رواه مسلم : قال الألوسي: والحق أن النطفة كما يعبر بها عن مني الرجل يعبر بها عن المني مطلقا.( 2 )
وقال ابن كثير : ثم صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة .(3) كما أطلقها الشارع أيضا على امتزاج نطفتي الرجل والمرأة وسماها النطفة الأمشاج في قوله تعالى :” إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ” ( الإنسان : 2 ). وقد عرف المفسرون النطفة الأمشاج بأنها : النطفة المختلطة التي اختلط وامتزج فيها ماء الرجل بماء المرأة .(4) وهذه هي البيضة الملقحة بتطوراتها العديدة والتي لا تزال تأخذ شكل قطرة الماء ولها خاصية الحركة الانسيابية كقطرات الماء تماما . وينتهي هذا الطور بتعلق الكيسة الأريمية ببطانة الرحم في نهاية الأسبوع الأول من التلقيح ؛ وهي الصورة الأخيرة للنطفة الأمشاج والتي ما زالت تحافظ على شكل قطرة الماء بالرغم من تضاعف خلاياها أضعافا مضاعفة . وحينما يفقد هذا الطور حركته الانسيابية ويتعلق ببطانة الرحم يتحول إلى طور جديد هو طور العلقة .
الشكل يبين مراحل تطور البيضة الملقحة إلى أن تصل إلى أن تعلق بالرحم عند ذلك تسمى بالعلقة
ب- طور العلقة :
لهذا الطور عدة أشكال من بدئه وحتى نهايته . وكلمة علقة كما يقول المفسرون : مشتقة من علق وهو الالتصاق والتعلق بشيء ما(5). وهذا يتوافق مع تعلق الجنين ببطانة الرحم خلال الأسبوع الثاني. كما يطلق العلق على الدم عامة وعلى شديد الحمرة وعلى الدم الجامد ( 4).
مرحلة الإنغراس أو العلقة
وهذا يتوافق مع شكل الجنين في هذا الطور حينما تتكون لديه الأوعية الدموية المقفلة والممتلئة بالدماء خلال الأسبوع الثالث (شكل: 3) حيث يظهر نطفة دم حمراء جامدة .
والعلقة : دودة في الماء تمتص الدم، وتعيش في البرك، وتتغذى على دماء الحيوانات التي تلتصق بها والجمع علق. وقد وصف ابن كثير هذا الطور فقال : أي صيرنا النطفة علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة . (3/251)
فالجنين في نهاية هذا الطور كما يقول المفسرون : يكون على شكل علقة مستطيلة لونها شديد الحمرة لما فيها من دم متجمد . وهذا يتوافق مع الشكل الأخير لهذا الطور حيث يأخذ الجنين شكل الدودة التي تمتص الدماء
وتعيش في الماء ويشترك الجنين معها في قوة تعلقه بعائله والحصول على غذائه من امتصاص دمائه، والمدة الزمنية لهذا الطور هي من بداية الأسبوع الثاني وحتى نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح .
الجنين في على علقة مستطيلة تعتمد في غذائها على مص الدم من غشاء الرحم
مرحلة المضغة
جـ . طور المضغة :
جنين عمره 35يوماً
وفي بداية الأسبوع الرابع وبالتحديد في اليوم الثاني والعشرين يبدأ القلب في النبض وينتقل الجنين إلى طور جديد هو طور المضغة . وقد وصف المفسرون هذا الطور وصفا دقيقاً: فقال ابن كثير: مضغة : قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط قدر ما يمضغ الماضغ
تتكون العلقة (3/251). وقال الألوسي : قطعة لحم بقدر ما يمضغ لا استبانة ولا تمايز فيها (10/21). وهذا ما يتوافق مع الجنين في أول هذا الطور حيث يتراوح حجمه من حبة القمح إلى حجم حبة الفول ( 5.3 مم ) وهو القدر الذي يمكن مضغه، ويبدو سطحه من الخارج وقد ظهرت عليه النتوءات أو الكتل البدنية والرأس والصدر والبطن كما تتكون معظم براعم أعضائه الداخلية، ومع احتفاظه
جنين عمره من 38ـ 40يوماً
بالشكل الخارجي المشابه لمادة ممضوغة يصدق عليه أنه مخلق وغير مخلق. وها هو الوصف القرآني يقرر هذه الحقيقة قال تعالى :” ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ” (الحج : 5) . قال ابن كثير : مضغة قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء . ولهذا قال تعالى :” ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ “ أي كما تشاهدونها .(3/216) وقال الألوسي : والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت
جنين عمره 13 أسبوع وتظهر عليه عضلات الفخذ والساق بوضوح
بعد ذلك شيئا فشيئا (10/173). لذلك فالوصفان (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) لا بد أن يكونا لازمين للمضغة. قال ابن عاشور : قوله تعالى :” مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ” صفة ” مُّضْغَةٍ ” وأن هذا تطور من
تطورات المضغة، وإذ قد جعلت المضغة من مباديء الخلق تعني أن كلا الوصفين لازم للمضغة (6). ويؤكد ذلك الرازي بقوله : يجب أن تحمل “ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ “ على من سيصير إنسانا لقوله تعالى في أول الآية ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم ) (7). وفي هذا النص دلالة على أن التخليق يبدأ في هذا الطور وهو ما أكدته حقائق علم الأجنة في أن التخليق يبدأ من أول الأسبوع الرابع . وينتهي هذا الطور قبيل نهاية الأسبوع السادس حيث يبدأ الطور التالي في التخليق .
طور العظام :
الهيكل العظمى الغضروفى لجنين عمره ثمانية أسابيع
وذلك بتشكيل الجنين في هذا الطور على هيئة مخصوصة وإزالة صورة المضغة عنه واكتسابه صورة جديدة ؛ حيث يتخلق الهيكل العظمي الغضروفي، وتظهر أولى مراكز التعظم في الهيكل الغضروفي في بداية الأسبوع السابع، فيتصلب البدن وتتميز الرأس من الجذع وتظهر الأطراف.
قال ابن كثير في قوله تعالى ” فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ” : يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها (3/251). وقال الشوكاني : أي جعلها الله سبحانه وتعالى متصلبة لتكون عمودا للبدن على أشكال مخصوصة (3/483). وقال الألوسي : وذلك التصيير بالتصليب بما يراد جعله عظاما من المضغة وهذا تصيير بحسب الوصف ؛ وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة أخرى عليها (10/21) ثم يبدأ الجنين الطور الأخير من التخليق وهو كساء العظم باللحم وفي هذا الطور يزداد تشكل الجنين على هيئة أخص . قال ابن كثير في قوله تعالى : ” فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا “ : أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه . وقال الشوكاني : أي أنبت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه وكذا قال غيرهم(8).
مراحل تطور شكل الجنين
وهذا يتوافق مع ما ثبت في علم الأجنة من أن العظام تخلق أولا ثم تكسى بالعضلات في نهاية الأسبوع السابع وخلال الأسبوع الثامن من تلقيح البيضة وبهذا تنتهي مرحلة التخليق والتي يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الجنينية . هذا وقد أكد علم الفحص بأجهزة الموجات فوق الصوتية أن جميع التركيبات الخارجية والداخلية الموجودة في الشخص البالغ تتخلق من الأسبوع الرابع وحتى الأسبوع الثامن من عمر الجنين، كما يمكن أن ترى جميع أعضاء الجنين بهذه الأجهزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى .
ثم يبدأ الجنين بعد الأسبوع الثامن مرحلة أخرى مختلفة يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الحميلية، ويسميها القرآن الكريم : مرحلة النشأة خلقا آخر . ولذلك يعتبر طور كساء العظام باللحم الحد الفاصل بين المرحلة الجنينية والحميلية .
هـ . مرحلة النشأة خلقا آخر :
تبدأ مرحلة النشأة في الأسبوع التاسع حيث ينمو الجنين ببطء إلى الأسبوع الثاني عشر ثم ينمو بعد ذلك بسرعة كبيرة . وتستمر هذه المرحلة حتى نهاية الحمل.
خصائص مرحلة النشأة:
تختص هذه المرحلة بعدة خصائص أهمها : تطور ونمو أعضاء وأجهزة الجنين وذلك بتهيئتها للقيام بوظائفها . كما تختص بنفخ الروح فيها عند جمهور المفسرين . قال ابن كثير: ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب (3/251). وقال الألوسي : أي مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعل حيوانا ناطقا سميعا بصيراً ( 10/22). كما تحدث أثناء هذه المرحلة التغيرات في مقاييس الجسم ويكتسب الجنين صورته الشخصية. وهو ما أشارت إليه الآيات :” الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ “ الانفطار 8.7 وكلمة ” سَوَّاكَ ” تعني جعل الشيء مستويا ومستقيما ومهيأ لأداء شيء محدد . والتعديل في اللغة تعني التقويم وتعني كلمة ” فَعَدَلَكَ ” تغير الشكل والهيئة لتكوين شيء محدد . وكلمة صورة تعني هيئة أو ( شكل:9) وما ذكره القرآن الكريم هو ما قررته حقائق علم الأجنة ؛ فالتسوية تبدأ عقب عملية الخلق في المرحلة الحميلية أي بعد الأسبوع الثامن، حيث يستقيم الجنين وتتهيأ الأعضاء لأداء وظائفها، ويتخذ الجنين المقاييس الطبيعية ( التعديل ) . كما تتغير مقاييس الجسم وتتخذ ملامح الوجه المقاييس البشرية المألوفة، ويكتسب الجنين الصورة الشخصية له ” التصوير” (10).
تتغير مقاييس الجسم وتتخذ ملامح الوجه المقاييس البشرية المألوفة، ويكتسب الجنين الصورة الشخصية له ” التصوير
ثانيا : نصوص السنة تحدد زمن أطوار الجنين الأولى :
1. روى الإمام مسلم بسنده عن عبد الله ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح . ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ). رواه مسلم
2. روى الإمام مسلم بسنده عن أبي حذيفة بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا، فصورها وخلق لها سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ). رواه مسلم
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول أن الجنين يجمع خلقه في أربعين يوما، فما هو هذا الجمع للخلق ؟ تعني كلمة ( جمع ) في اللغة جمع الشيء عن تفرقة (11)، قال ابن حجر : والمراد بالجمع ضم بعض الشيء إلى بعض بعد الانتشار(12) . فما هو الشيء المنتشر المفرق الذي يضم بعضه إلى بعض لتحقيق تكون الخلق ؟
كما يمكن أن تكون الحركات الإرادية دليلا على وجود الروح . وقد أشار لذلك بن القيم في وصفه الجنين قبل وبعد نفخ الروح فقال : كانت فيه حركة النمو والاغتذاء كالنباتات، ولم تكن حركة نموه واغتذاءه بالإرادة، فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه (15).
وقد أثبتت الأجهزة الحديثة رؤية حركات جسم الجنين في وقت مبكر ؛ حيث يمكن أن تصور عند الأسبوع الثامن عندما يبلغ كيس الحمل 3 سم أو يبلغ طول الجنين حوالي 15 مم . كما يمكن أن ترى الحركات الجنينية التي تعبر عن حيوية الجنين مثل حركات التنفس وحركات الأطراف العليا وضربات القلب وحركات عدسة العين والبلع وحركات الأمعاء الدودية . كما رصدت الحركات التي تعبر عن نشاط الجنين مثل البلع وحركة اليد إلى الفم والمضغ وحركات اللسان وحركة اليد إلى الوجه ومص الأصابع ؛ والتي يمكن أن ترى عند الأسبوع السادس عشر ؛ أي قبل مائة وعشرين يوما فتأمل ! .
وتعتبر هذه الحركات انعكاسا غير مباشر لحالة الجهاز العصبي المركزي ؛ فكلما كانت هذه الحركات موجودة ومتوازنة، كلما كانت حالة الجهاز العصبي نشطة وسليمة .
وهكذا أثبت علماء الأجنة بهذه الأجهزة الدقيقة هذه الحقائق التي تؤكد في مجملها أن أطوار الجنين الأولى من النطفة والعلقة والمضغة، تحدث كلها خلال الأربعين يوما الأولى، ويجمع في كل منها خلق أعضاء الجنين وأجهزته في صورته الابتدائية خلال الأربعين يوما الأولى من عمره، وأن حركات الجنين الإرادية وبدء عمل وظائف الجنين الرئيسية تحدث في الأربعين يوما الثانية من عمره .
وعليه القول بأن مدة الأطوار الأولى للجنين من النطفة والعلقة والمضغة مائة وعشرون يوما ؛ فقول غير صحيح مناقض للحقائق العلمية بكل وضوح .
وبناء على كل ما سبق يمكننا القول بأن الجزم بعدم نفخ الروح إلا بعد أربعة أشهر قول ليس عليه دليل قطعي من النصوص الشرعية، بل مبني على فهم لحديث ظني الدلالة هو : رواية الإمام البخاري لحديث ابن مسعود ثم جاءت حقائق علم الأجنة الحديث معارضة لمفهوم هذه الرواية ومؤيدة لرواية أخرى لنفس الحديث ونفس الراوي رواها الإمام مسلم بزيادة بسيطة في المتن بينت القضية بوضوح لا لبس فيها وهذا يبطل الاحتجاج برواية البخاري في تحديد زمن أطوار الجنين الأولى .
فصلت 53،54 .
المصدر : نص المحاضرة بحث أعده الدكتور عبد الجواد الصاوي وألقاه في مؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في الكويت عام 2006.
Comments
Post a Comment