السماء او السماوات او اخر.....
تقرير مفصل حول شبهة استخدام "السماء" و"السماوات" في القرآن الكريم
مقدمة
يطرح بعض المشككين شبهة حول استخدام كلمتي "السماء" و**"السماوات"** في القرآن الكريم، مدعين أن هناك خلطًا بين المفرد والجمع، مما يدل - بزعمهم - على عدم الدقة. يستندون في ذلك إلى آيات مثل:
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: 29].
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾... ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 11-12].
- ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133].
- ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21].
ويزعمون أن هذا الاستخدام غير متناسق، مما يدل على عشوائية في التعبير. في هذا التقرير، سنقوم بتحليل هذه الشبهة علميًا ولغويًا ومنهجيًا، لنبيّن أن القرآن استخدم المفرد والجمع بدقة متناهية.
أولًا: الفهم الصحيح لمعنى "السماء" و"السماوات" في اللغة والقرآن
1. "السماء" في اللغة
في اللغة العربية، "السماء" تعني كل ما علاك فأظلك، ولذلك يطلق على السقف "سماء"، وعلى الغلاف الجوي "سماء"، وعلى السحب "سماء". قال الله تعالى:
- ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: 18] → أي من السحب.
- ﴿يَكَادُ بَرْقُهُ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43] → والبرق من السحاب، والسحاب جزء من السماء.
2. "السماوات" في القرآن
أما "السماوات"، فهي تشير إلى سبع طبقات خلقها الله فوق بعضها البعض، كما قال تعالى:
- ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3].
- ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12].
إذن، عندما يذكر القرآن "السماء" بالمفرد، فهو يشير إلى الطبقة الأقرب إلينا أو إلى أي شيء مرتفع، وعندما يذكر "السماوات"، فهو يتحدث عن نظام كامل من سبع سماوات متمايزة.
ثانيًا: لماذا قال الله "السماء" ثم "سَبْعَ سَمَاوَاتٍ"؟
يشير القرآن إلى أن السماء في البداية كانت مادة غير مهيكلة (دخان)، ثم رُتبت إلى سبع سماوات مميزة، وهذا واضح في الآيات التالية:
-
البداية:
- ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11].
- هنا "السماء" بالمفرد لأنها كانت مادة غير متميزة.
-
النتيجة:
- ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: 12].
- عندما تم ترتيبها، أصبحت سبع سماوات، لذلك جاء الجمع.
إذن، لا يوجد تناقض، بل دقة لغوية في وصف التحول من حالة أولية إلى بنية متعددة الطبقات.
ثالثًا: الفرق بين وصف عرض الجنة في سورتي آل عمران والحديد
1. في سورة آل عمران:
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133].
- هنا وصف الجنة بأنها واسعة جدًا بحجم السماوات والأرض مجتمعة.
2. في سورة الحديد:
﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21].
- هنا يشير إلى أن كل جنة فردية تمتد عرضًا كما تمتد السماء والأرض.
لا يوجد أي تناقض، بل اختلاف في الأسلوب لتوضيح حجم الجنة العظيم.
رابعًا: دقة التعبير القرآني في وصف يوم القيامة
1. تغيّر نظام الكون يوم القيامة
القرآن يؤكد أن يوم القيامة سيكون هناك تبدّل كامل في نظام الكون:
- ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48].
وهذا يعني أن نظام السماوات والأرض الذي نعرفه اليوم سيتغير إلى نظام آخر.
2. مدّ الأرض يوم القيامة
- ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: 3].
- لا نعلم كيف سيتم ذلك بالضبط، لكنه يشير إلى تغيير في طبيعة الأرض كما نعرفها.
وهذا يوضح أن وصف الجنة بالسماوات والأرض يشير إلى هذا النظام الجديد بعد تبدّل الكون.
خامسًا: استحالة وجود خلط لغوي في القرآن
القرآن نزل بلغة العرب، والعرب كانوا يفهمون هذه الفروقات بين المفرد والجمع، ولم يُنقل عن أي عربي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أنه استشكل هذا الأمر. ولو كان هناك "خلط" كما يزعم المشككون، لكان أول من يعترض عليه هم أهل الفصاحة والبلاغة في زمن النزول.
خاتمة
النتائج النهائية للرد على الشبهة:
- "السماء" تعني كل ما علا، و"السماوات" تشير إلى سبع طبقات محددة، ولا يوجد خلط بينهما.
- الآيات التي ذكرت خلق السماوات توضح أن السماء كانت شيئًا واحدًا (دخان)، ثم أصبحت سبع سماوات، وهذا يعكس دقة التعبير.
- وصف عرض الجنة بالسماوات والأرض في آل عمران، و"كالسماء والأرض" في الحديد، لا تناقض فيه، بل هو تنويع في الأسلوب لتوضيح عظمة الجنة.
- تبدّل الأرض والسماوات يوم القيامة يفسر سبب استخدام هذه المصطلحات عند وصف الجنة، إذ سيكون هناك نظام جديد للكون.
وبهذا يتبين أن هذه الشبهة قائمة على سوء فهم للنص القرآني وعدم إدراك لمعاني اللغة العربية وأسلوبها البلاغي.
Comments
Post a Comment