مخطوطات القرآن الكريم جزء اخر!

بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 
الحمد لله على كل حال 
الله يحفظك جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم امين يارب 

👇
باذن الله تعالى انا اكتب جواب في هذه شبهة ملحدين 
ملحد يقول 🩸
تاريخ تأليف وقَوْنَنة القرآنالرواية التقليديّةالرواية التقليديّة لتاريخ القرآن، كما يُعاد تركيبها بشكل عام انطلاقا من البخاري ومن بعض المؤلّفات الأخرى(22)، تَمزِج بين أخبار عديدة يُفتَرض أنّها تعود، في مُعظمِها، إلى ابن شهاب الزّهري (تـ 742 م). ويمكننا أن نلخِّصها كالتّالي.كان الكثير من الصحابة قد حفظوا، في زمن محمّد، أجزاءَ هامّة من الوحي؛ وتمكّن بعضهم حتّى من كتابة قطع منه على موادّ مختلفة (من الرّقاع، والعُسب، والأضلاع...). واستجابة لمخاوف عمر بن الخطّاب (حكم في 634-644) أن يذهب الوحي مع ذهاب هؤلاء الحُفّاظ، كلّف الخليفة أبو بكر (حكم في 632-634) واحدا ممَّن كانوا يكتبون الوحي لمحمّد، في شخص زيد بن ثابت، أنّ يتتبّع القرآن ليجمعه ويكتبه في الصّحف ثمّ سُلِّمت للخليفة، وبعد ذلك انتقلت إلى عمر، ثمّ بعد وفات هذا الأخير صارت بحوزة ابنته حفصة إحدى أرامل النّبي. وفي فترة لاحقة، قرّر الخليفة عثمان (حكم في 644-654)، في النّصف الثاني من فترة خلافته، تفاديًا لاشتداد اختلافات قراءات القرآن بين المسلمين في الأمصار، أن يفرِض نصًّا واحدا على أساس صُحُف حفصة. فأنشأ لجنة من الكَتَبة، دائما تحت إشراف زيد بن ثابت، لكي تكتب مُصحفًا حقيقيًّا. ولمّا تمّ ذلك أرسل عثمان نُسخا من المصحف، الذي لم يكن منقوطا ولا مشكولا، إلى عديد المدن، ثمّ أمر بإتلاف ما عداها من المصاحف والصّحف.مثل هذه الرواية تفترض، قبل تدوين مصحف زيد بن ثابت في المدينة، وجود مصاحف قرآنيّة قبله كانت متداولة وبالخصوص منها تلك التي كانت تُنْسب لابن مسعود (تـ 653) في الكوفة، وأُبَيّ بن كعْب (توفّي بين 640 و653) في دمشق وفي أغلب مناطق الشّام، وأبو موسى الأشعري (توفّي عام 640 أو 672) في البصرة. وتذكر المصادر أيضا وجود مصاحف أخرى من بينها مصحف عليّ (تـ سنة 661) ومصحف عائشة (تـ سنة 678). لم يصلنا ايّ مصحف من هذه المصاحف بالرّغم من أنّ المصادر الإسلاميّة تُخبِرنا بما يُحْتَمَل أنّها كانت تحتوي عليه(23). والأمر لا يتعلّق فقط بمجرّد تنوُّعات في إملاء الألفاظ ولكن بنصوص، حتّى ولو كانت مرتبطة بالمصحف المتعارف عليه، إلاّ أنّها تختلف عنه في بعض الأحيان اختلافات بسيطة(24): توجد فيها اختلافات في الرّسم؛ وسقطت منها بعض السّور الموجودة في مصحف عثمان، في حين أنّنا نجد فيها سُورا لا نجدها في المصحف العثماني، كذلك نجد ترتيب السّور فيها مختلفا بشكل ملحوظ. يُقال إذن أنّ عثمان أمر بإتلاف هذه المصاحف، ولكن يُقال أيضا أنّ نفس هذا القرار كان قد اتّخذه لاحقا الحجّاج بن يوسف (تـ سنة 714)، والي العراق في خلافة عبد الملك بن مروان (حكم بين 685 و705). ويبدو جيّدًا أنّ المُصحفيْن المنسوبيْن لابن مسعود وأُبيّ بن كعب ظلاّ متداولين لفترة طويلة، إذ أنّ ابن شنابُذ (تـ 939) حُكِم عليه بالجلد سنة 935 م، بإيعاز من غريمه ابن مُجاهد (تـ 936)، لأنّه قرأ في صلاة الجماعة بقراءة ابن مسعود عوضا عن القراءة حسب المصحف العثماني الرّسمي. إنّ موضوع اتلاف المصاحِف أو الصُّحُف يتكرّر باستمرار في المصادر الإسلاميّة. فقد رُوِي أنّ مروان، من أقارب عثمان، لمّا كان أميرَ المدينة، تحت خلافة معاوية (حكم بين 661 و680)، كان قد أمر بتشقيق وحرق صُحُف حَفْصة(25).هناك نصوص أخرى تحكي عن مشروع ثاني لجمع القرآن قد يكون الحجّاج بن يوسف هو من وقف وراءه، وذلك، بطبيعة الحال، بموافقة الخليفة عبد الملك. فالمصادر الإسلاميّة، تتحدّث بالخصوص، وبالتباس شديد، عن تطوير وقع على مستوى الرّسم والإملاء(26)، غير أنّ هذه النّقطة لا تتأكّد حقيقة عند تحليل تطّور الخطوط التي كُتبت بها المصاحف عبر العصور. ولذلك فتحوير النصوص هذا يمكن أنّه شَمَل شيئا آخر غير ذلك.وهذه المصادر تَنْسِب أيضا للخليفة المهدي (حكم بين 775 و785) ارسال مصحف قرآني إلى المدينة، والذي يُقال أنّه عوّض مصحف الحجّاج(27). غير أنّ هذه العمليّة لا يمكن أبدا مقارنتها لعمليّة الجمع التي قام بها كلّ من عثمان والحجّاج. لقد اتّسمت المرحلة الأخيرة لنقل القرآن بإقرار سبع قراءات معترف بها: ولم يتمّ ذلك إلاّ في القرن العاشر ميلادي بدَفْع من ابن مجاهد، مسنودا في ذلك بالخليفة العبّاسي (في البداية وقع إقرار ثلاث قراءات ثمّ أُضيفَت لها أربع فيما بعد).حسب الرّواية "الأرثوذكسيّة"، التي لخّصها جيّدا شفالي (Schawally)، فإنّ نشأة القرآن تختلف اختلافا تامّا عن نشأة وتكوّن النصوص البيبليّة للعهد الجديد: القرآن ليس عملا جماعيّا ولكنّه عمل رجل واحد (محمّد)؛ وبناء على ذلك فإنّ نشأة القرآن وتطوّره لم يدوما أكثر من عمر حياة بشريّة؛ فجمع عثمان للقرآن لم يكن إلاّ نَسْخًا لصحُف حفصة التي يعود تدوينها إلى خلافة أبي بكر أو على أقصى تقدير إلى خلافة عُمر؛ والعمل التحريري اقتصر أغلب الظنّ على تركيب السّور وترتيبها؛ وبخصوص الآيات الأوليّة، فإنّنا على يقين بأنّ القرآن كان وفيًّا لإرث النبيّ(28). وبطبيعة الحال فإنّ القرآن كما نعرفه اليوم يتبع رسم المصحف العثماني.
ولمزيد من الوضوح، لا بدّ أن نفرّق هنا بين إشكاليْن. الأوّل يتعلّق بمعرفة ما إذا كان القرآن لا يتألّف إلاّ من مجموع الآيات أو السّور التي كانت قد دُوِّنت زمنَ محمّد (وتحت إشرافه) فقط، أي، بعبارة أخرى، ما إذا كان القرآن إلاّ مجموعة أقوال النبيّ وما قام به الكَتَبة (الجمع والتدوين) لم يكن سوى إعادة وضع "قطع البازل" «pièces du puzzle»، بحريّة نوعا مّا، حسب الترتيب الذي نعرفه حاليّا. يبدو لي أنّ هذه الفكرة يُفنِّدها تفنيدا جليّا التحليل الدقيق لمحتوى النّص القرآني، ولتركيبته ومصادره(29). فهناك بالفعل أسباب متينة تدفعنا لكي نَنْسب للكَتَبة نشاطا ودورا يتجاوز مجرّد الجمع ليتعدّاه إلى التحرير والتّأليف، الشيء الذي يجعل من القرآن عملا جماعيًّا وليس عمل مُؤلِّف واحد(30).الإشكال الثاني(31)، الذي سأركِّز عليه الآن، يتعلّق بظهور المصحف – متى، لماذا، وكيف جاء إلى الوجود؟تأريخ الشواهد المادّية القديمةهذه الأسئلة الثلاثة حول أصل المصحف هي أسئلة مترابطة فيما بينها. ومن ثمّة، فإنّ الجواب على السؤال (لماذا) يفترض أنّ السؤال (متى) كان قد حُّلَّ. يجب بالفعل أن نعرف الأشخاص الفاعلين والسّياق الذي تدخَّلوا فيه حتّى نفهم التأثيرات التي قاموا بها. هذا في حين أنّ مسألة تاريخ ظهور المصحف هي محلّ نقاش حادّ. هناك صنفان يتصارعان. الأولّ يؤكّد على أنّ جَمْع النّص تمّ تحت سلطة عثمان، في حين أنّ الصنف الثاني يعتبر أنّ الاشتغال على النّص القرآني امتدّ طيلة القرن السّابع ميلادي ولم يجد رسم المصحف صيغته شبه النّهائية إلاّ أثناء خلافة عبد الملك (ولكنّ هذا لا يعني أنّ شيئا لم يحدث في فترة حكم عثمان).كيف نختار بين الصنفين؟ منذ فترة وجيزة، اقترح نيكولاي سيناي (Nicolai Sinai) مُدافعة عن الرّواية التقليديّة، وقدّم عدّة حُجج ضدّ الصنف الثاني(32). ولكنّ برهنته تحتوي، في نظري، على عدّة عناصر قابلة للجدل، بالرّغم من أنّها تمثِّل مُحصِّلة مُفيدة لمجمل النّقاشات. ولذلك فإنّني سأسعى هنا لتبديد الأفكار المضطربة القابلة أكثر للطّعن. وهذا سيسمح بعد ذلك بتقديم فرضيّات جديدة.إشكاليات التأريخ بالكَرْبون 14يمكننا أن نأمل في أن يقدّم لنا التأريخ بالكربون 14 حلاّ نهائيّا للآثار الماديّة للنّص القرآني – حتّى وإن كان الأمر يتعلّق فقط بقطع طويلة نوعا مّا. وفي هذا الصدد قام بهنام صادقي بتأريخ، بالكربون 14، ِرقٍّ مبروش (palimpseste) من مصاحف صنعاء (مشهور غالبا باسم (DAM 01-27.1)، ولكن صادقي يُطلِق عليه، دون أيّ تفسير، اسم "صنعاء 1"). وحسب نتائج هذا التحليل، هناك نسبة 68% أن يكون أصل هذا الرّق عائدا إلى الفترة ما بين 614 و656، و95% بالنّسبة للفترة بين 578 و669؛ ومن ناحية أخرى، حظوظ أن يكون هذا الرّق سابقا لسنة 671 تصل إلى 99%، وهي بحدود 91,8 %بالنّسبة لسنة 655؛ وهي تبلغ 71,1% لسنة 645، وكذلك 56,2% لسنة 635 (وهذا الاحتمال يصبح أقلّ من 50% حوالي سنة 632)(33).

إنّ النّص السفلي في الرّق المبروش لا يُمثِّل نصّ المصحف العثماني (خلافا للنّص العلوي): فهناك بعض الاختلافات في استعمال الضّمائر النحويّة، وبعض اللّواحق، وبعض التّعابير، وكذلك في ترتيب السّور. إلاّ أنّ هذا النّص يُقدِّم نسخة يمكن التعرّف عليها للنّص القرآني كما نقرأه اليوم. فإذا كانت الأرقام التي قدّمناها أعلاه موثوقة فإنّ ذلك من شأنه أن يُعزِّز الرّواية التقليديّة، إذ يصبح لدينا الدّليل على أنّ جزءًا هامّا من الرّسم كان قد بلغ شكلا يقترب من القرآني الحالي على أقصى تقدير في سنوات 660. هناك تأريخات أخرى بالكربون 14 يبدو أنّها تدعم هذا الطّرح(34).

قد يتبادر إلى الذّهن أنّ القضيّة حُسِمت وأصبحت مفروغا منها، غير أنّ الأشياء في الحقيقة هي أكثر تعقيدا. وبالفعل، فإذا كان التأريخ بالراديو كربون يمثّل أداة ثمينة (الأمر لا يتعلّق إطلاقا بنبذ المناهج العلميّة التي هي مفيدة جدّا)، إلاّ أنّه يواجه في الوقت الرّاهن مشاكل عويصة عندما يتعلّق الموضوع بتأريخ المخطوطات القرآنيّة. ولذلك فإنّ إعطاء ثقة كبيرة جدّا للتّأريخ بالكربون 14 يبدو إذن قليل الصّواب(35).

مثالان فقط يكفيان للبرهنة على ذلك(36). الأوّل يخصّ "مُصحف الحاضِنة"**. نحن نعلم أنّ هذا المخطوط نُسِخ عام 1020 للميلاد وهو محفوظ في جامع القيروان. بيد أنّ التّحليل بالكربون 14 يُعطي تاريخا يتراوح، وذلك باحتمال بنسبته 95%، بين سنتي 871 و986، والتواريخ الأكثر احتمالا، بالتّرتيب التنازلي، هي 937، 895 و785 (كذا). فالفرق بين أعلى تاريخ (986) وسنة النَّسْخ المعروفة هو 34 سنة فقط، وهذا يبدو مُشجِّعا، ولكنّ مثل هذه المسافة، لو تعلّق الأمر بتحديد ما إذا كان مخطوط مّا يعود إلى فترة حكم بنو سفيان أم حكم بنو مروان، تُصبِح عقبة كأداء. أمّا بخصوص التاريخ الأكثر احتمالا (937)، فهو يسبق تاريخ نسخ المخطوط بـثلاثة وثمانين عاما.

مثال آخر: الورقتان الأخريان للمخطوط الذي درسه صادقي وقع تأريخهما بين عامي 543 و643 للورق الأولى، وبين 433 و599 للورقة الثّانية، وهذا يُسبِّب إشكالا(37). سوف لن أبحث عن تفسير هذه الاختلالات (هل كانت نتيجة مشاكل في المعايير، أم فساد قديم لحق بالمخطوط مثلا من جرّاء استخدامِ حبْرٍ مركّب أساسا من الكربون؟)، ولكنّ هذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أنّ تأريخ المصاحف القرآنيّة بالكربون 14 يجب أن يقع التعامل معه بحذر، حتّى وإن أعطى نتائج لا تشذّ عمّا يمكن أن يقبله العقل. وهكذا فمن المحتمَل جدّا أن يكون النّص السُّفلي لمخطوط (DAM 01-27.1) يعود تاريخ نسخه إلى عهد بنو مروان(38).

الباليوغرافيا
هناك طريقة أخرى لتأريخ المخطوطات ترتكز على المعطيات الباليوغرافيّة. فرانسوا ديروش هو بالتّأكيد أكثر المدافعين عنها اقتناعا، بالرّغم من أنّه يُبدي تُجاهها حَذَرًا كبيرًا(39). ومع ذلك يليق بنا أن نعترف بفائدة هذه المقاربة وفي نفس الوقت محدوديّتها. وهكذا بالنّسبة لتأريخ مخطوط مصحف باريس-سان بيترسبورغ (codex Parisino-petropolitanus): فإنّ ديروش يُموضِعه في الرّبع الأخير من القرن السّابع ميلادي(40)، مُضيفا أنّه نُسخة عن "أنموذج مكتوب" [وليس تحت الإملاء] -الذي هو بطبيعة الحال سابق لها (ولكن بكم سنة؟) -، غير أنّ الحُجج التي يرتكز عليها ديروش تبدو واهية جدًّا(41). ولذلك فإنّ تأريخ هذا المخطوط في حدود الرّبع الأوّل من القرن الثامن ميلادي يبدو بالفعل وجيها بنفس الدّرجة أو حتّى أكثر من الاحتمال الذي قدّمه ديروش.

هناك عُنصران يخدمان في هذا الاتّجاه. من جهة، البرهان الذي يٌقدِّمه ديروش، والذي مفاده أنّ مخطوط مصحف باريس لم يتأثّر بالتغييرات التي أُدْخِلت على المصاحف خلال مبادرة الإصلاح التي قام بها الحجّاج، والتّي يحدِّدونها (عن صواب أو خطأ) في سنتي 703-704، هو برهان غير مُقنِع بالمّرة، وذلك ليس فقط للأسباب التي ذكرناها في الهامش السّابق، ولكن أيضا لأنّ المحتوى الدقيق لهذا الإصلاح يبقى غامضا (وأكثر أهمّية) ممّا يقوله لنا التقليد السنّي(42). ومن جهة أخرى، فإنّ شكل المخطوط يبدو أنّه يشير بأنّ الأمر يتعلّق بمصحف كبير مرصود للاستعمال في المساجد، كما أنّ سياقا لاحقا للإصلاح الذي أصدره عبد الملك والحجّاج يكون أكثر ملاءمة لظهور هذا المخطوط باعتبار أنّ إحدى تجديدات الحجّاج تمثّلت في إدخال قراءة القرآن في المساجد، قراءة مباشرة من المصحف(43). وهذا التجديد لاقى بعضا من المعارضة.

ولهذا، يمكننا إذن أن نتساءل: هل لدينا، من بين القِطع الأكثر قِدَما والمنسوخة بالخطّ الحجازي، شواهد مباشرة عن القرآن تعود إلى مصاحف سابقة للمصاحف الحَجَّاجيّة. بعض العلماء، مثل يان فان رييث (Jan van Reeth)، يرون أنّ الجواب بالنّفي يظلّ هو القاعدة، إلى أن يأتي دليل قاطع يُخالف ذلك(44). شخصيًّا، يستهويني القول بأنّ وجود شواهد مخطوطة ما قبل عبد الملك بن مروان لا يمكن استبعاده (تأريخ بعض القِطَع يبقى ترجيحي جدّا(45))، وهو على أيّة حال ليس ثابتا اليوم على الإطلاق، بعكس ما يقع تأكيده غالبا. ففي أحسن الحالات، قد لا نحصل إلاّ على عدد ضئيل جدّا من القطع القرآنيّة ما قبل مروانيّة.

ومع ذلك، إنّ حقيقة أن تكون أقدم الشواهد المادّية للنّص يعود تاريخها بالتّأكيد إلى الفترة المَرْوانيّة لا تعني أنّ النّص التي تُمثِّله لم تقع كتابته إلاّ في تلك الفترة (وعلى غرار ذلك، أقدم مخطوطات الأناجيل هي بطبيعة الحال متأخِّرة على التاريخ الذي كُتِبت فيه النّصوص). وليس في هذا ما يثير الدّهشة، إذ أنّ المصحف وقع تجميعه انطلاقا من نصوص كانت موجودة قبل ذلك (مهما كانت التحويرات التي استطاعت أن تتعرّض لها خلال هذا النشاط التدويني). ولكنّ كلّ الاختلاف مع قضيّة الأناجيل هو أنّنا لسنا في سياق يمكنه أن يسمح لنا، بمجرّد استخدام النقد النّصي فقط، أن نُعيد بناء هذا "القرآن ما قبل القرآن". فنحن إذن أمام خيار وحيد: إمّا القبول بوجود تطابق شبه تامّ بين شواهدنا المادّية وبين حالة النّص في أواسط القرن السّابع ميلادي (الشيء الذي يفترض أن نصدِّق تصديقا أعمى روايات التقليد الإسلامي)، وإمّا اعتبار أن هذا التّطابق شبه التّام هذا لا يجب أن يكون مُسلَّمًا به سلفا، عندها يمكن إذن لمقاربة تاريخو-نقديّة (بطريقة جزئيّة، نظرا للوثائق التي بين يدينا) أن تَكْتُب تاريخ القرآن بما فيها فترة عبد الملك. ولكن، الحصول على تاريخ جُزئي مَبنيّ على مُعطَيات ومناهج متينة أفضَل من تاريخ شبه مُكتمِل وشامل شُيِّد على أسُس هزيلة، أو بمجرّد حُكم العادة، الشيء الذي من المحتمل أن يُفضي بنا إلى مسالك خاطئة.

_____________________
🔻تفضل 
باذن الله تعالى 



الرد على شبهة "قوننة القرآن وتعدد المصاحف"

هذه الشبهة تعتمد على محاولة الإيحاء بأن القرآن لم يكن موحّدًا في زمن الصحابة وأن عملية "قوننة" (توحيد) المصحف في عهد عثمان بن عفان كانت نوعًا من التغيير أو الفرض السياسي، لكن الحقائق التاريخية تثبت عكس ذلك. سنفند هذه الادعاءات بالنقاط التالية:


1. جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه

  • بعد وفاة النبي ﷺ، استشهد عدد كبير من الحفاظ في معركة اليمامة، فاقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق جمع القرآن خشية ضياعه، فقام زيد بن ثابت بجمعه مستعينًا بالحفاظ الذين حفظوه في صدورهم، والرقاع التي كُتب عليها في زمن النبي.
  • هذه النسخة لم تكن مصحفًا للتداول، بل كانت محفوظة عند حفصة بنت عمر، وتم استخدامها لاحقًا كأساس لجمع عثمان رضي الله عنه.

2. توحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه

  • الإسلام انتشر في الأمصار، وبدأت تظهر اختلافات في نطق بعض الكلمات القرآنية بسبب اللهجات المختلفة، مما أدى إلى ضرورة توحيد القراءة وفق لهجة قريش التي نزل بها الوحي.
  • عثمان بن عفان كلف لجنة برئاسة زيد بن ثابت بنسخ عدة نسخ من المصحف وفق الرسم الذي جمعه أبو بكر، وأرسلها إلى الأمصار مع قارئ يعلّم الناس التلاوة الصحيحة.
  • لم يكن هناك اختلاف في النص نفسه، بل كانت القضية تتعلق بتعدد اللهجات وطريقة النطق، ولذلك أُبقي على الرسم العثماني الذي يحتمل جميع القراءات المشهورة.

3. مصاحف الصحابة: هل كانت مختلفة عن المصحف العثماني؟

  • بعض الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب كانت لديهم مصاحف شخصية مكتوبة قبل الجمع العثماني، ولكنها لم تكن مصاحف رسمية، بل كانت تدوينات شخصية اعتمدوا فيها على حفظهم.
  • مصحف ابن مسعود لم يكن يتضمن الفاتحة والمُعوّذتين ليس لأنه ينكرها، ولكن لأنه لم يكن يرى ضرورة كتابتها في المصحف لأنه يحفظها شفهيًا ويعلم أنها من القرآن.
  • لم تكن هذه المصاحف متداولة على نطاق واسع، ولما أُمر الناس بالالتزام بالمصحف العثماني، وافق جمهور الصحابة، ولم يُنقل أي اعتراض على نصه، بل كان الخلاف حول ضرورة إلزام الناس بترك مصاحفهم الخاصة.

4. قضية "إحراق المصاحف"

  • عثمان لم يحرق المصاحف لأن فيها "نصوصًا مختلفة"، بل أمر بحرقها كي لا تُحدث بلبلة بين المسلمين بسبب اختلاف طرق الكتابة واللهجات.
  • الصحابة لم يعترضوا على ذلك لأن المصحف العثماني لم يكن "نسخة جديدة"، بل كان مطابقًا لما كان عندهم، لكنه موحد في رسمه وفق لهجة قريش.
  • الحجّاج بن يوسف لم يغير في المصحف، بل كان عمله يتعلق بتحسين الرسم وإضافة النقاط والشكل ليسهل على المسلمين القراءة.

5. بقاء القرآن محفوظًا عبر العصور

  • المخطوطات القرآنية القديمة، مثل مخطوطات صنعاء والمخطوطة الطوبقابي، تُظهر تطابقًا تامًا مع النص العثماني.
  • القراءات العشر المتواترة تثبت أن الاختلافات لم تكن في النص، بل في كيفية نطق الكلمات (مثل اختلاف القراء بين "مالك يوم الدين" و"ملك يوم الدين").
  • العلماء المسلمون كانوا على دراية كاملة بكل الروايات والقراءات، ولم يكن هناك "إخفاء" أو "تحريف"، بل كل هذه التفاصيل مدونة في كتب القراءات.

الخلاصة

  1. القرآن جُمع في عهد النبي ﷺ كتابةً، لكنه لم يُجمع في مصحف واحد لأن الوحي كان ما زال ينزل.
  2. في عهد أبي بكر، جُمع القرآن للحفاظ عليه، لكنه لم يكن مصحفًا للتداول.
  3. في عهد عثمان، تم توحيد الرسم القرآني منعًا لاختلاف القراءات، ولم يكن هناك تغيير في النص.
  4. المصاحف الشخصية لبعض الصحابة لم تكن رسمية، ولم يعترض الصحابة على توحيد المصحف العثماني.
  5. القرآن اليوم مطابق لما قرأه النبي ﷺ وأقرّه الصحابة، ولم يطرأ عليه أي تغيير.

الرد على شبهة "إتلاف المصاحف ومصحف الحجّاج بن يوسف"


هذه الشبهة تكرر الادعاءات السابقة مع إضافة عنصر جديد وهو دور الحجّاج بن يوسف والخلفاء العباسيين في التأثير على النص القرآني. سنوضح بطلان هذه الادعاءات من خلال تفنيدها بالأدلة التاريخية واللغوية.



---


1. هل حرق مروان بن الحكم مصحف حفصة؟


الرواية تقول إن مروان بن الحكم، عندما كان واليًا للمدينة، طلب مصحف حفصة وبعد وفاتها قام بإتلافه.


السبب المنطقي لهذا الإتلاف هو أنه كان نسخة شخصية، وليس لأنها مختلفة عن المصحف العثماني، بل لأنها لم تعد ذات فائدة بعد توحيد المصاحف، وخُشي أن يحدث بلبلة بين الناس إذا احتفظ بها أحد.


لو كان هناك اختلاف، لكان الصحابة الذين عاشوا في ذلك الزمن قد اعترضوا، لكن لا يوجد أي سجل تاريخي يُظهر أن الصحابة رأوا أن المصاحف العثمانية تختلف عن النص القرآني الذي حفظوه وسمعوه من النبي ﷺ.




---


2. هل قام الحجّاج بن يوسف بتحريف القرآن؟


هذه الشبهة تعتمد على خلط بين "تحريف النص" و"تحسين الرسم".


المعروف تاريخيًا أن الحجّاج بن يوسف لم يغير أي حرف في القرآن، بل أمر بإضافة النقاط والتشكيل لتحسين القراءة ومنع اللبس، خاصة بعدما بدأ الناس يواجهون صعوبة في قراءة النص غير المنقوط بسبب انتشار الأعاجم في الإسلام.


أقدم المخطوطات القرآنية مثل "مخطوطة صنعاء" و"مصحف طوبقابي" تطابق النص القرآني الحالي، مما يدل على أنه لم يحدث أي تغيير في المحتوى.


لم يسجل أي عالم موثوق أن للحجاج مصحفًا خاصًا يختلف عن المصحف العثماني، وإنما كانت جميع المصاحف التي نُسخت تتبع الرسم العثماني مع تحسين في الشكل والكتابة فقط.




---


3. هل هناك علاقة بين ابن مجاهد وإقرار القراءات السبع؟


ابن مجاهد (توفي 324 هـ) لم "يخترع" القراءات السبع، بل قام بتدوين القراءات المتواترة التي كانت معروفة منذ زمن النبي ﷺ والصحابة.


القراءات ليست "نصوصًا مختلفة"، بل هي تنوع في النطق ضمن حدود الرسم العثماني، وهي مأخوذة بالتواتر عن النبي ﷺ.


القول بأن القرآن لم يستقر إلا في القرن العاشر الميلادي هو ادعاء باطل، لأن كل القراءات المتواترة موجودة في المخطوطات المبكرة وتتفق مع الرسم العثماني.




---


4. الفرق بين جمع القرآن وجمع العهد الجديد


الادعاء بأن "القرآن يختلف عن العهد الجديد لأنه ليس عملًا جماعيًا" هو في الواقع نقطة قوة لصالح القرآن، وليس ضده.


القرآن جمع في عهد النبي ﷺ حفظًا وكتابة، ثم جُمع رسميًا في عهد أبي بكر، وثُبّت رسميًا في عهد عثمان دون تغيير أي حرف.


على عكس العهد الجديد الذي كُتب بعد المسيح بسنوات طويلة بواسطة عدة مؤلفين، مما أدى إلى ظهور نسخ مختلفة ومتباينة في النصوص، فإن القرآن ظل موحدًا ومحفوظًا عبر القرون.

5. لماذا لم يُعثر على المصاحف المخالفة؟


السبب بسيط: لم يكن هناك مصاحف "مخالفة"، بل مصاحف شخصية لبعض الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب، لكنها لم تكن متداولة رسميًا، ولم يعترض الصحابة على توحيد المصحف العثماني.

لم يُذكر أن أحدًا من الصحابة أو التابعين قد ادعى أن مصحفه يحتوي على شيء زائد أو ناقص مقارنة بالمصحف العثماني


1. لم يكن هناك اختلاف بين مصحف حفصة والمصحف العثماني، وإتلافه كان لمنع الخلافات وليس بسبب وجود نص مختلف.

2. الحجّاج لم يغير القرآن، بل حسّن رسمه بإضافة النقط والتشكيل فقط

3. القراءات السبع ليست تغييرات نصية، بل تنوعات نطقية ضمن النص القرآني نفسه.

4. القرآن لم يمر بمراحل تحريف أو تدوين متأخر كما حصل مع العهد الجديد، بل جُمع منذ عهد النبي ﷺ ووُثق مبكرًا.

5. جميع المخطوطات القرآنية القديمة تتطابق مع النص الحالي، مما يثبت استقرار القرآن عبر العصور.


الرد على شبهة "التحرير والتأليف في جمع القرآن، وتاريخ ظهور المصحف"


هذه الشبهة تتضمن ادعاءات رئيسية تحتاج إلى تفنيد دقيق:


1. هل القرآن هو فقط ما كان مكتوبًا زمن النبي ﷺ، أم أن الكتّاب أضافوا إليه شيئًا أو حرّروه

2. متى تم جمع القرآن؟ وهل كان المصحف العثماني هو الصيغة النهائية؟


3. ماذا تخبرنا نتائج التأريخ بالكربون 14 عن المخطوطات القرآنية؟


أولًا: هل للكتّاب دور في "تحرير" القرآن؟


هذا الادعاء يفتقر لأي دليل تاريخي أو منطقي، وإليك التفنيد:


1. جمع القرآن في عهد النبي ﷺ كان مضبوطًا بحفظ الصحابة


القرآن لم يكن مجرد نص مكتوب بل كان محفوظًا في صدور الصحابة، وأي محاولة "تحرير" أو "تعديل" كانت ستُكتشف فورًا.


النبي ﷺ كان يُراجع القرآن مع جبريل عليه السلام سنويًا، وفي العام الأخير من حياته راجعه مرتين.


2. شهادة الصحابة والتابعين


بعد وفاة النبي ﷺ، لم يعترض أي صحابي على جمع أبي بكر للقرآن أو على المصحف العثماني، بل أجمعت الأمة عليهما.


لو كان هناك أي تحريف أو تأليف، لظهر في اعتراضات الصحابة الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب.



3. استحالة "التأليف الجماعي" في ظل التواتر


القرآن انتقل بالتواتر اللفظي، وليس مجرد نص مكتوب يُحرر بحرية.


القراءات القرآنية نفسها تدل على أن هناك ضبطًا دقيقًا، وليس عملية "تأليف جماعي" كما يحصل في الكتب البشرية.


إذن، الادعاء بأن هناك "تحريرًا وتأليفًا" لا يستند لأي دليل علمي أو تاريخي، بل هو مجرد فرضية غير مدعومة بأي مصدر موثوق.

ثانيًا: متى جُمع القرآن؟ هل تأخر الجمع حتى عهد عبد الملك؟


1. الأدلة التاريخية على جمع القرآن في عهد عثمان


جميع الروايات الإسلامية تؤكد أن عثمان بن عفان جمع القرآن في مصحف موحد وأرسل نسخًا منه للأمصار عام 30 هـ (حوالي 650 م).


لا يوجد أي مصدر موثوق يشير إلى أن عبد الملك بن مروان (حكم بين 685-705 م) كان له دور في "إنتاج المصحف"، بل كل ما قام به كان دعمًا لانتشار النص القرآني لا تعديله.



2. أدلة المخطوطات القديمة


أقدم المخطوطات، مثل مخطوطة صنعاء ومصحف طوبقابي، تتطابق مع النص العثماني.


لا توجد أي مخطوطة قرآنية تحمل نصًا "مختلفًا" يشير إلى أن هناك تطورًا تدريجيًا للنص كما في الكتب البشرية.



3. ماذا عن ادعاء استمرار "العمل على النص" حتى القرن السابع؟


هذا الادعاء غير دقيق؛ لأن التعديلات التي حصلت لم تكن على النص ذاته، بل على الرسم الإملائي والتشكيل والنقط، لضمان سهولة القراءة وليس لتغيير المحتوى.


ثالثًا: التأريخ بالكربون 14 لمخطوطات القرآن


1. ماذا تثبت نتائج تحليل مخطوطة صنعاء؟


نتائج الكربون 14 لمخطوطة صنعاء تشير إلى أن الرق المستخدم يعود إلى فترة ما بين 578-669 م، أي أنه كان موجودًا في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين.


هذا لا يعني أن "النص" قد كتب قبل 614 م أو بعد 669 م، بل فقط أن عمر الرق الجلدي المستخدم في الكتابة يقع ضمن هذه الفترة.

أقدم احتمال للتاريخ (578 م) ليس دليلًا على أن المخطوطة نفسها كُتبت آنذاك، لأن الرق يمكن أن يُعاد استخدامه بعد سنوات من تجهيزه.


2. هل هناك تناقض بين التأريخ بالكربون والرواية الإسلامية؟


على العكس، نتائج الكربون 14 تدعم الرواية الإسلامية، حيث أن نسبة 91.8% تشير إلى أن المخطوطة تعود إلى سنة 655 م، وهو نفس وقت المصحف العثماني تقريبًا.


الأرقام لا تشير إلى تأخير جمع المصحف حتى عهد عبد الملك، بل تؤكد أنه جُمع في عهد عثمان وانتشر منذ ذلك الوقت.


1. جمع القرآن لم يكن عملًا "تحريريًا" بل عملية ضبط للنص الموجود منذ حياة النبي ﷺ، ولم يضف إليه الكتّاب شيئًا.

2. المصحف العثماني لم يتطور في عهد عبد الملك، بل كان موحدًا منذ خلافة عثمان، وأي تطورات لاحقة كانت في الرسم والتشكيل وليس في المحتوى.

3. التأريخ بالكربون 14 يدعم الرواية الإسلامية، ويثبت أن المصحف العثماني وُجد منذ القرن السابع الميلادي دون أي تحريف أو تبديل.



الرد على شبهة الملحد حول تدوين القرآن وتأريخه بالكربون 14


1. ادعاء أن القرآن لم يكن عملًا فرديًا للنبي ﷺ


الملحد يدّعي أن القرآن لم يكن مجرد أقوال النبي ﷺ، بل كان هناك دور نشط للكتبة في "تحريره وتعديله"، مما يجعله "عملًا جماعيًا". هذا الطرح يناقض الروايات التاريخية المتواترة التي تثبت أن الوحي كان يُنقل مباشرة عن النبي ﷺ، وكان الصحابة يدوّنونه فور نزوله بحروفه وكلماته. دور الكتبة لم يكن سوى التدوين، وليس التأليف أو التعديل.


أدلة دحض الادعاء:

تواتر القرآن: القرآن وصل إلينا بطريق التواتر، وهو أقوى أشكال نقل الأخبار، مما يستحيل معه التحريف أو الإضافة الجماعية.


التاريخ الإسلامي يؤكد الإشراف النبوي: النبي ﷺ كان يتابع كتابة الوحي بنفسه، وكان يملي على الكتبة ترتيب الآيات داخل السور.


غياب أي اختلاف جوهري بين النسخ القديمة والحديثة: أقدم المخطوطات تتطابق في المضمون مع النص المتداول اليوم، مما يُفند فكرة "التحرير الجماعي".



2. متى جُمع القرآن؟ هل تم في عهد عثمان أم استمر حتى عبد الملك بن مروان؟


الملحد يحاول التشكيك في الرواية الإسلامية القائلة بأن المصحف العثماني جُمع رسميًا في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه (حوالي 650 م)، ويزعم أن النص استمر في التطور حتى عهد عبد الملك بن مروان (685-705 م).


الرد العلمي:

تاريخيًا، جمع عثمان كان توحيدًا للقراءات وليس تأليفًا جديدًا: الروايات الإسلامية تؤكد أن القرآن كان مكتوبًا ومُجمعًا في عهد النبي ﷺ، لكن المصاحف كانت مكتوبة بعدة لهجات قرشية، وعندما انتشرت الفتوحات الإسلامية، خشي عثمان رضي الله عنه من وقوع الاختلاف بين المسلمين في قراءة القرآن، فأمر بنسخ مصاحف موحدة وإرسالها إلى الأمصار، مع إحراق أي مصاحف غير متوافقة مع النطق الرسمي.


الشواهد المادية تدعم الترتيب العثماني: أقدم المخطوطات القرآنية الموجودة اليوم (مثل مخطوطات صنعاء ومخطوطات طشقند) تتطابق مع النص العثماني، مما يؤكد صحة الرواية الإسلامية.


غياب أي نسخة بديلة: لو كان هناك "تحرير" لاحق للقرآن كما يدّعي الملحد، لوجدنا مخطوطات بنصوص مختلفة، لكن جميع المخطوطات تتبع نفس النسق العثماني.



3. هل نتائج التأريخ بالكربون 14 تثير الشكوك حول تاريخ القرآن؟


الملحد يشير إلى أن بعض المخطوطات التي تم تحليلها بالكربون 14 تعود إلى فترات متباينة، مما يثير تساؤلات حول تاريخ ظهور المصحف الحالي.


تفنيد الشبهة:

التأريخ بالكربون 14 يحدد عمر المادة العضوية، لا وقت الكتابة: الطريقة تعتمد على قياس تحلل الكربون المشع في المادة العضوية (مثل الرق أو الورق المستخدم)، لكنها لا تحدد متى تمت الكتابة عليه. قد يكون الرق قديمًا، لكن النص المكتوب عليه حديث.


اختلاف التواريخ ليس دليلاً على التلاعب بالنص: اختلاف التواريخ بين الأوراق أمر شائع بسبب إعادة استخدام الرقوق القديمة (كما هو الحال في بعض مصاحف صنعاء التي كُتبت فوق نصوص أقدم).


عدم وجود اختلاف جوهري في النصوص السفلى والعليا: حتى لو كان هناك اختلافات بسيطة في الضمائر أو ترتيب بعض السور في المخطوطات القديمة، فإن ذلك لا يؤثر على وحدة النص القرآني.


4. ماذا عن ترتيب السور واختلاف بعض الضمائر؟


الملحد يحاول استغلال بعض الاختلافات في ترتيب السور والضمائر بين النص السفلي والعلوي في بعض المخطوطات لإثبات أن القرآن لم يكن ثابتًا في بدايته.


التوضيح:

الاختلافات طفيفة ولا تمس الجوهر: التغييرات التي أشار إليها الباحثون تتعلق بصيغ نحوية طفيفة أو ترتيب غير رسمي للسور، وهي اختلافات لا تمس المحتوى الفعلي للقرآن.


وجود قراءات متعددة لا يعني تحريفًا: القرآن نزل على سبعة أحرف، وكان الصحابة يقرؤونه بلهجاتهم المختلفة، فكان هناك مرونة في بعض القراءات، لكن هذا لا يعني أن النص الأساسي كان يتغير.


🩸

لا يوجد دليل مادي أو تاريخي يُثبت أن القرآن قد تعرض للتحرير أو التعديل بعد عهد عثمان رضي الله عنه. الأدلة المخطوطية، والتواتر الشفوي، والنقل التاريخي، كلها تؤكد أن القرآن الذي نقرؤه اليوم هو نفسه الذي نُقل عن النبي ﷺ دون أي تحريف.




هذه الشبهة تندرج ضمن محاولات التشكيك في توثيق النص القرآني وزعزعة الرواية الإسلامية التقليدية حول جمعه، بناءً على منهجيات التأريخ بالكربون المشع والباليوغرافيا. سأرد على الشبهة من عدة زوايا علمية ومنهجية:


1. عدم دقة التأريخ بالكربون 14 للمخطوطات القرآنية


التأريخ بالكربون المشع (C14) يُستخدم لتحديد عمر المادة العضوية (مثل الورق أو الرق)، لكنه لا يُحدد بالضبط متى كُتب النص على هذه المادة.


النتائج المستخرجة من هذه التقنية تُعطي نطاقًا زمنيًا وليس تاريخًا دقيقًا، وقد يسبق تاريخ إنتاج الرق تاريخ الكتابة عليه بفترة طويلة.


كما أشير في المقال نفسه، هناك تناقضات في نتائج تأريخ بعض المخطوطات مثل "مصحف الحاضنة"، حيث يُعرف تاريخ نسخه (1020م)، لكن تأريخ الكربون 14 أظهر احتمالات أقدم. هذا يوضح أن هذه التقنية لا يمكن الاعتماد عليها بشكل قطعي عند التعامل مع نصوص مكتوبة.



2. الباليوغرافيا منهج غير قطعي في التأريخ


يعتمد علم الباليوغرافيا (دراسة الخطوط) على تحليل أشكال الخطوط لتحديد الفترات الزمنية، لكنه يظل تقريبيًا.


فرانسوا ديروش نفسه (أحد أبرز الباحثين في المجال) يعترف بحذر أن نتائج الباليوغرافيا لا يمكنها تحديد التواريخ بدقة كبيرة.


بعض الباحثين الغربيين، مثل يان فان رييث، لديهم فرضيات مشككة تستند إلى غياب مخطوطات مؤكدة ما قبل العصر المرواني، لكن عدم العثور على مخطوطات أقدم لا يعني عدم وجودها، بل قد يكون بسبب طبيعة المواد المستخدمة أو فقدانها بمرور الزمن.


3. الرواية الإسلامية والواقع التاريخي


الرواية الإسلامية حول جمع القرآن وتدوينه موثقة في مصادر متعددة، مثل صحيح البخاري، وتشير إلى أن الجمع بدأ في عهد أبي بكر ثم عُرض على الصحابة وتمت مراجعته لاحقًا في عهد عثمان.


أقدم المخطوطات المكتشفة، مثل مخطوطة صنعاء، تدعم بشكل عام تطابق النص القرآني مع المصاحف الحالية، مع وجود اختلافات طفيفة في بعض الكتابات الإملائية، وهو أمر طبيعي في أي نص مخطوط يدويًا.


الشبهة تفترض أن جميع المخطوطات قبل العهد المرواني مفقودة، لكن هذا ليس دليلاً على أن النص لم يكن موجودًا، بل هو مجرد نقص في الأدلة المادية المتاحة حاليًا.


4. هل حدثت تغييرات على النص القرآني في العصر المرواني؟


الحجّاج بن يوسف قام بإصلاحات كتابية على المصاحف الرسمية، لكنها لم تمسّ النص ذاته، وإنما تضمنت تحسينات في علامات التنقيط والتشكيل لضمان قراءة أوضح.

لو كانت هناك تغييرات جوهرية في النص، لظهرت مخطوطات بقراءات مختلفة بشكل كبير، ولكن جميع المخطوطات القديمة المعروفة اليوم تتطابق مع النص الحالي، مما يدل على ثباته.


الشبهة تطرح احتمال "إعادة كتابة" القرآن في العصر المرواني، لكن هذا مجرد فرضية غير مدعومة بأدلة قوية، ولا يوجد دليل تاريخي موثوق يؤيد حدوث تحريف أو تعديل شامل.

التأريخ بالكربون 14 غير دقيق عند التعامل مع المخطوطات المكتوبة.

الباليوغرافيا ليست أداة حاسمة لتحديد تاريخ النصوص، بل تقديرية فقط.

الرواية الإسلامية لجمع القرآن مدعومة بأدلة نصية ومخطوطات قديمة تتطابق مع النص الحالي

لم تحدث تغييرات جوهرية على النص القرآني في العصر المرواني، بل مجرد تحسينات في الخط والتشكيل.


السلام عليكم ورحمه الله وبركاته 



Comments

Popular posts from this blog

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

لم يكن القرآن أكثر من تجميع لما يلي:1- الأساطير اليهودية و العربية

عقيدة التطهير اليهودية VS عذاب القبر والشفاعة في الإسلام