الحج في إجابة الي المستشرقون...

بسم الله الرحمن الرحيم 
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 

____________
إجابة الي المستشرقون...


من المحال قياس طبيعة وشدة التغير الذي أحدثته "الصدمة الاستعمارية" في اقتصاد الحج إلى مكة دون التركيز مسبقًا ولو باقتضاب على الفترة التي سبقتها. فقد كانت الإمبراطوريات الإسلامية الأصل في نشأة مؤسسات وممارسات لا بد من فهمها على المدى الطويل مع تسليط الضوء في الوقت ذاته على مصادر الإلهام التي مثلته بالنسبة إلى الأوروبيين لاحقًا. سوف نتعرض في البدء لشعائر الحج من وجهة نظر أنثروبولوجية قبل أن نهتم، من خلال رسم لوحة عامة للوضع، بعملية إدارة الإمبراطوريات الإسلامية للحج في فترة القرون الوسطى والعصر الحديث. سوف نحاول لاحقًا فهم الظروف التاريخية لعملية التقاء الإمبرياليات الأوروبية مع الحج إلى مكة في ظل أجواء تنافسية فرنسية انجليزية في البحر الأحمر.
الحج: معالم أنثروبولوجية وتاريخية الحج، مؤسسة إسلامية الحج والعمرة: شعيرتان مختلفتان الحج إلى مكة ليس ابتكارًا جاء به الإسلام.لو أردنا فهم مدلول الحج في الحقبة المعاصرة فلا بد من التركيز، كما أوصت بذلك جاكلين شابي Jacqueline Chebbi، على الظروف التاريخية لظهور الحج ووضعها في سياق الجزيرة العربية القبلية إبان القرن الثاني عشر.فمنذ فترة الجاهلية، يبدو أن الجزيرة العربية كانت تعبد الأوثان، وهي عبارة عن أحجار مدببة تحتوي طاقات مقدسة ويصاحب محرابها عدة محظورات. قليلة هي المعطيات التي وصلتنا عن وظيفة هذه الأصنام باستثناء أنها كانت ترسيمًا للتحالفات بين القبائل.كانت مدينة مكة تشكل ملتقى تجاريًا ودينيًا هامًا، ولحرمها وثنه الخاص، الحجر الأسود المثبت في الركن الشرقي للكعبة، البناء المكعبي، الذي يؤوي بداخله الآلهة الوثنية التي نجهل هويتها ووظيفتها. في الحقيقة، منذ القرن الثالث الميلادي، تزامنت عبادة الأوثان مع عبادة الأصنام، وكان الحج إلى هذه الأصنام يشكل مناسبة لانعقاد منتديات تجارية كبيرة تجتمع فيها كبريات القبائل التجارية. ونظرا لموقع مكة التجاري المركزي، في ملتقى الطرق الواصلة بين بلاد الرافدين والحبشة، وكذا اليمن مع سوريا، فلم تتأخر في فرض ذاتها كحاضرة دينية لسائر أنحاء الجزيرة العربية وسرعان ما حلت آلهتها محل آلهة المدن الأخرى. كان الحجاج يقومون بالطواف، بمناسبة الحج إلى الأصنام، المسمى عمرة، حول الكعبة، ولا تزال هذه الشعيرة تخضع لكثير من التأويلات: هل تمثل طقسًا تطهيريًا أم ممارسة توحيدية مع الآلهة، بحيث تستمد منها قوتها؟ فمن الكعبة، "الحرم المقدس" تشع طاقة حسنة – البركة – شريطة أن يؤدي الطائف الشعائر كما ينبغي، ومن الشعائر الكبرى التضحية في المروة، وهي اسم لتلة تقع على مقربة من الكعبة – وهو بمثابة إيذان بانتهاء مناسك الحج وفي الوقت ذاته يعد عملًا انتدابيًا بصفته تجارة بين الآلهة والناس.تختلف هذه العمرة تماما عن الحج الخاص بالبدو والذي يقع مسرحه خارج مكة، فقد كان يمثل احتفالاً مطريًا شمسيًا مخصصًا للتسريع بهطول الأمطار على هذا الإقليم الصحراوي. وهكذا ففي اليوم الثامن من ذي الحجة المسمى تقليديًا بيوم التروية، في إشارة إلى تقاليد البدو الخاصة بسقي دوابهم قبل الوصول إلى سهل عرفات وفي عرفات يتوسلون للشمس وعند انتهاء الحفل يفيضون مع رواحلهم "كالسيل الجارف" (الإفاضة) باتجاه منى. ويحدد هشام جعيط Hichem Djaït ثلاثة وظائف محتملة لهذا "السعي الرمزي": إظهار العرفان مقدمًا لهطل الأمطار القادمة، وهذا طقس رمزي – فجري الحجاج استبشار بالسيل المنتظر – يهدف إلى التسريع بهبوب العواصف الماطرة وأخيرًا الصلاة للعزى، إله الرعد والمطر. أما الأضاحي في منى فتتمثل في نحر الجمال كنوع من العرفان بينما "إراقة دماء الذبيحة يمثل استبشارًا بالماء المنتظر".
هذان الحجان يقصيان بعضهما بعض حسبما يبدوا: فقبل ترسيخهما تماما على يد محمد، كانت العمرة في الأصل نوع من الحج المدني حيث يتوافد التجار لحضور المعارض المقدسة، بينما كان الحج يشكل طقسا رعويا تهيمن عليه قبائل البدو التي تذهب سنويا إلى المكان الشمسي في عرفات دون المرور بمكة.تختلف هذه العمرة تماما عن الحج الخاص بالبدو والذي يقع مسرحه خارج مكة، فقد كان يمثل احتفالاً مطريًا شمسيًا مخصصًا للتسريع بهطول الأمطار على هذا الإقليم الصحراوي. وهكذا ففي اليوم الثامن من ذي الحجة المسمى تقليديًا بيوم التروية، في إشارة إلى تقاليد البدو الخاصة بسقي دوابهم قبل الوصول إلى سهل عرفات وفي عرفات يتوسلون للشمس وعند انتهاء الحفل يفيضون مع رواحلهم "كالسيل الجارف" (الإفاضة) باتجاه منى. ويحدد هشام جعيط Hichem Djaït ثلاثة وظائف محتملة لهذا "السعي الرمزي": إظهار العرفان مقدمًا لهطل الأمطار القادمة، وهذا طقس رمزي – فجري الحجاج استبشار بالسيل المنتظر – يهدف إلى التسريع بهبوب العواصف الماطرة وأخيرًا الصلاة للعزى، إله الرعد والمطر. أما الأضاحي في منى فتتمثل في نحر الجمال كنوع من العرفان بينما "إراقة دماء الذبيحة يمثل استبشارًا بالماء المنتظر". 7هذان الحجان يقصيان بعضهما بعض حسبما يبدوا: فقبل ترسيخهما تماما على يد محمد، كانت العمرة في الأصل نوع من الحج المدني حيث يتوافد التجار لحضور المعارض المقدسة، بينما كان الحج يشكل طقسا رعويا تهيمن عليه قبائل البدو التي تذهب سنويا إلى المكان الشمسي في عرفات دون المرور بمكة.الوظيفة التكاملية للحج الإسلامي تتمثل عبقرية محمد تحديدًا في توحيد الشعيرتين ليجعل من الحج إلى مكة تتويجًا للوحي الإلهي وفي الوقت ذاته إظهارًا لعالميته.وهكذا تتابعت عدة أحداث، ابتداء من "تطهير الحج من الوثنية"، وفق التعبير الذي استخدمه ماكسيم رودنسون Maxime Rodinson، ففي ربيع عام 631، أي قبل عام حجة الوداع، أرسل محمد أبو بكر ليخلفه في شعائر الحج المكي، ورافقه علي، حامل الوحي الجديد:"ففي يوم النحر، تحدث علي للناس وقال لهم:
"أيها الناس، لن يدخل كافر النار، ولن يحج مشرك بعد عامنا هذا، ولن يطوف حول البيت، ومن كان له عهد مع رسول الله فسوف نفي بالعهد حتى ينقضي أجله فقط. وأمهل على الناس أربعة أشهر ليعودوا ديارهم وحذرهم بأنه بعد انقضاء هذا الأجل فلن يكون للمشركين أية حرمة. ولم يحج أي مشرك بعد ذلك العام ولم يطف حول البيت أحد منهم".
وابتداءًا من هذا الحج ينبغي تحديد تاريخ المنع المفروض على غير المسلمين دخول حرم مكة والمناطق المجاورة المختلفة المتصلة بالحج، والمحددة بالمواقيت، لكن الحج لم يصبح فريضة شرعية إلا في العام التالي، فصار أحد أركان الإسلام الخمسة.في مارس 632، أثناء حجة الوداع أقرن الرسول الحجة بالعمرة، وإن كانت الشعائر الأساسية للحح تتم خارج مكة، إلا أن الحج اتخذ نقطة البدء له من الطواف حول الكعبة. وقد ذكر الرسول في حديث له التفاوت في المرتبة بين الحج والعمرة: 12فتأسيس فكرة الهدي تشكل إذًا المعيار الفاصل والتراتبي بين الحج "الأصغر" (العمرة) والحج "الأكبر" (الحج البدوي)، بيد أن هذا التفاوت في المرتبة لم يكن ممكنا إلا بعد إدماج الشعائر المكية في الطقوس البدوية، ابتداءًا من النحر في المروة الذي انتقل إلى وادي منى. فمن خلال هذا الانتقال، أفرغت العادات البدوية المتضرعة للشمس من مضمونها، وكذلك الحال للمحاريب البدائية المحددة فيما مضى للقرابين البدوية التي تم احتوائها من خلال توسعة مساحة الهدي لشمل وادي منى بأكمله. وعلى المنوال ذاته، تم الفصل بين الانتقال إلى مزدلفة ومنى – بعد غروب الشمس فيما يخص مزدلفة وقبل الفجر بالنسبة إلى منى – بحيث لا تتوافق مع الطقوس الشمسية. ونجح محمد، بعد غزوة حنين، في تملك الحج البدوي القديم وفرض نفسه، وهو القرشي، كـ"سيد للقبائل"، وفق تعبير جاكلين شابي Jacqueline Chabbi. إن توحيد الحجين، الذي يعكس التضاربات التقليدية بين المدن والأرياف، يمثل أول خطوة نحو تشكيل المجتمع العام، فمن خلال توحيد المناسك – وخاصة شعائر الهدي – أصبح للحج وظيفة إدماجية للمجتمع الإسلامي ككل. 13لم يتبق سوى إدخال الحج الجديد في إطار زمني خاص به، وهذا هو مضمون خطبة الوداع التي ألقاها الرسول في عرفات، فقد ذكر ابن هشام: "واصل الرسول حجه ووضح للمسلمين مناسكه ومواقفه وشعائره كلها، ثم خطب في المسلمين المجتمعين قائلا: "أيها الناس اسمعوا قولي (...) أن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم فاحذروه على دينكم، إن النسيء زيادة في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم". 14يمثل اعتماد التقويم القمري ابتداء من الهجرة النبوية التأطير الزمني الجديد للحج، كما أن النص القرآني يسير على شاكلة السيرة التوراتية، فالحج هنا ليس استثناء من ذلك. ففي القرآن، الكعبة هي البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل لله الواحد الأحد، والسعي بين الصفا والمروة يمثل إشارة مباشرة إلى سعي هاجر التي تركت لوحدها في الصحراء وكانت تبحث عن منبع ماء لتنقذ ابنها إسماعيل. أما الأضحية في منى فتذكرنا بفداء إبراهيم لابنه، وبالتالي فإن الحج أصبح الآلية الجوهرية لنقل الذاكرة الجمعية من خلال الشعائر والتي بإتباعها تتشكل الجماعة الدينية في إطار أمة.

أمة.
فريضة قرآنية، مناسك مقننة
15بعد تشريع محمد للحج في سنة وفاته أصبح الحج منذئذ أحد أركان الإسلام الخمسة وفريضة شرعية تماما كالشهادتين والصلاة المكتوبة خمس مرات في اليوم والزكاة وصوم رمضان. ويقترن هذا الإلزام ببعض الشروط المبينة في الشريعة، فوفقًا للغزالي، ثمة خمسة شروط تجعل الحج إجباريًا وهي البلوغ والإسلام والعقل والحرية والمقدرة المادية على أدائه، وهذا الشرط الأخير مستوحى من الآية المعروفة: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [سورة آل عمران: 96‑97] 16ويمكن فهم مبدأ "الاستطاعة" من عدة أوجه، فهناك المقدرة البدنية المرتبطة بالعمر والصحة والمنع الرسمي من السفر أو حتى صعوبات الطريق، وهناك الاستحالة المتعلقة بالوضع المالي للحاج الذي ينبغي عليه أولا قضاء ديونه للناس وألا يترك أهله في الفاقة وأن يمتلك مؤونه السفر اللازمة. كما أن الأموال التي ينفق منها على الحج لا بد أن تكون من مصدر شرعي حلال، وفي حالة تعذر أداء الحج لسبب من ذلك فيمكن للحاج أن ينيب عنه شخصًا آخر، بما في ذلك الحج عن شخص متوف، وحول هذه النقطة الأخيرة قريبة الشبه بالحج النصراني ذكر البخار الحديث التالي: "ابن عباس قال: جاءت امرأة من خثعم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن فريضة الحج على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: نعم" 17أما مناسك الحج (الجدول رقم 1) فتخضع لضوابط محدد، 
1: مناسك الحج. اليوم المكان النسك الشعائر المفروضة                                  مكة                الإحرام مناسك الإحرام:النية: عقد النية مشفوعة بالغسل وتقصير الشعر، ثم يلبس الحاج الإحرام وهو عبارة عن ملبس خاص بالحج ثم يدخل الحرم ويصلي ركعتين ثم يتبعها بالتلبية. 7 ذي الحجة مكة الطواف سبعة أشواط حول الكعبة من اليسار إلى اليمين انطلاقا من الركن الجنوبي‑الشرقي. الأشواط الثلاثة الأولى تكون بالترمل والأربعة المتبقية بمشية عادية، وبعد انتهاء الطواف يصلي الحاج ثلاث ركعات. 7 ذي الحجة مكة السعي سبعة أشواط بين التلتين الصفا والمروة، أربعة منها في اتجاه والثلاثة الأخرى في الاتجاه الآخر 8 ذي الحجة (يوم التروية) مكة ‑ منى يتجه الحجاج إلى عرفات ويقضون الليلة في وادي منى. 9 ذي الحجة عرفات الوقوف يقوم قاضي مكة بإلقاء خطبة الحج ويذكر فيها الحجاج بواجباتهم وبمناسك الحج. يظل الحجاج واقفين للابتهال من الظهر حتى غروب الشمس. 9 ذي الحجة عرفات ‑ مزدلفة الإفاضة بعد غروب الشمس يفيض الناس إلى مزدلفة ويصلون فيها المغرب والعشاء. ليلة التاسع إلى العاشر من ذي الحجة مزدلفة الجمع وقبل طلوع الشمس يجمع الحجاج 49 حصى لرمي الجمرات. 10 ذي الحجة منى جمرة العقبة رمي الجمرات 10 ذي الحجة منى الأضحى الأضاحي 10 ذي الحجة مكة طواف الإفاضة طواف التحلل حول الكعبة 11 ذي الحجة منى رمي الجمرات الثلاث 12 ذي الحجة منى رمي آخر 12 أو 13 ذي الحجة مكة طواف الوداع
وقد أوردنا في ملحقات هذا الكتاب عدة صور لمناسك الحج (الصور رقم 7، 9، 11). 18أما العمرة فتظل محصورة في الحرم المكي وفي شعائر الطواف والسعي ويمكن أداؤها في أي وقت من العام. وهناك ثلاثة أنواع من الحج يمكن استنتاجها من توحيد شعائر الحج والعمرة، إذ ينبغي على كل حاج أن ينوي من البدء أيا منها يعتزم القيام به، وعلى غرار الكثير من الحجاج، يمكن اختيار الإقران بحج وعمرة معًا، كما يمكنه اختيار أداء مناسك الحج فقط، ويسمى هذا عندئذ الإفراد. وأخيرا يمكن للحج التمتع من خلال القيام بالحج الأصغر والأكبر بطريقة منفصلة شريطة أن يتحلل بين العمليتين.

الحج بصفته تجربة أنثروبولوجية

الغربة ومشقة السفر: عندما يصبح الحاج غريبًا

19يصف ألفونس دوبرون Alphonse Dupront أن أية رحلة حج تعد اغترابًا، أولًا عن البيئية اليومية، إذ تمثل المغادرة لحظة مهيبة يغيب فيها الحاج، ربما لعدة سنوات، عن أهله وأشغاله اليومية، فتكتسب طابع العزاء بالنسبة إلى محيطه وذويه. وقد سرد الحاج الهندي أمير أحمد علوي Amir Ahmad Alawi هذه اللحظة بنوع من الرثاء في الوقت الذي كان يتهيأ لترك دياره مغادرا إلى مكة للحج، وذلك في تاريخ 31 يناير 1929: "تركت الدار يوم الخميس الساعة الثامنة صباحا، وقد امتلأ حائط النساء بحوالي عشرين امرأة من أفراد أسرتي، وكلهن سواء من الأقرباء أو غيرهن كانت تظهر عليهن علامات الحزن وقد منعتهن أمي من البكاء أمامي، ولذا ساد صمت وهدوء رهيب، وكنت أشعر بالكآبة ولكني مع ذلك تمالكت نفسي فقد كنت أحاول الحديث عن أشياء أخرى غير أنه لا أحد كان ينظر إلي في عيني مباشرة أو يكلمني. (...) ولكي أنهي هذا المشهد المؤلم، وقفت وتوضأت وصليت ركعتين ثم استأذنتهم للرحيل وسلمت في البدء على أمي ثم الأقارب، وكانت أصغر بناتي واقفة عند الباب فتعلقت بي وأجهشت بالبكاء، فشجعت البقية على البكاء مثلها وكل أطلق العنان لدمعه. حاولت مواساتها قدر استطاعتي وأن أتمالك دموعي وخرجنا باتجاه حائط الرجال حيث تجمع الأصدقاء والأقارب والجيران. واستودعتهم جميعا الله واقتربت من السيارة، وكان يقف أمامها ابني الأصغر نواب Nawab، وقد كان يشبهني كثيرا من حيث الشكل والأحب إلي من بقية إخوانه، وعندما رآني ابتعد وأشرت إليه أن اقترب فجاء من فوره متحاشيًا النظر إلي ولم أنس هذا التصرف منه أبدا، وحافظت على هدوئي مثله وركبت السيارة".
فالحج ليس مجرد اغتراب مؤقت عن الأقارب بل يشبه انقطاعًا جذريًا عن جماعته التي ينتمي إليها والتي يظهر من المقطع السابق أنها أيضا لم تعد ترى الحاج كأنه أحد أفرادها. وقد ذكر بيير مارافال Pierre Maraval في معرض سرده لقصص الحجاج المشرقيين الأوائل، قبل الفتوحات الإسلامية، أن الكلمة اللاتينية "المرتحل peregrinus" تعني في الأصل "الغريب" ويقابلها كلمة "الحضر civis"، أي المقيم وصاحب الحق في البقاء في مدينة. فأيا كانت وسيلة النقل في السفر، فالحج يعد في الأساس مرتحلًا، عابر سبيل يقطع الحقول (per ager) ويعبر الحدود (per eger). وكما يذكرنا أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة "حج" بالعربية والتي تعني وفق وصف علماء المفردات "قصد مكانًا" – فالطريق مركب أساسي للحج، ومن هنا تأتي الأهمية الخاصة التي تكتسبها وسائل النقل، بدءًا من السير على الأقدام التي صارت ملتصقة بالشخصية التقليدية للحاج. وإن كانت بعض الأحاديث قد أشادت بفضل الحج سيرًا على الأقدام، إلا أن النص القرآني لم يعط الأفضلية لوسيلة معينة. وبالتالي يمكن السفر على راحلة، شريطة أن يكون الحاج مالكها. أما عن السفر بحرا، فغالبا ما يتحرج الحجاج في استخدام هذه الوسيلة، فالبحر بما يتضمنه من وعيد بالهلاك القريب يعد ضرب من العقوبة على غرار "الغرق الكبير" أو الطوفان كما في السير التوراتية. لكن المحيط قد يشكل أيضا، حسب وصف ألان كوربان Alain Corbin، جانب التوبة الذي يغمر عالم الحج وبالتالي فله فضل كبير:

"المحيط يتخاطب مع الأنفس التقية، فهديره وزمجرته وغضباته المفاجئة يمكن تصورها على أنها تذكير بخطيئة البشرية الأولى وقومها الذين تم ابتلاعهم، وضجيجه لوحده يعد نداءًا دائمًا للتوبة ودعوة إلى إتباع الصراط المستقيم".

وهكذا ركب "الهندي من الداخل" علوي البحر، على تخوف، قاصدًا الحج من ميناء بومباي، علاوة على أن الحاج المسافر ليس في مأمن من عاصفة تودي به، وهذه حوادث مألوفة في قصص الحج منذ سير ابن جبير وحتى نهاية القرن الثاني عشر، أو من أي حوادث مأساوية أخرى كتلك التي لا تزال تحصل حتى اليوم. فكما هو الحال في مجمل الحياة الإنسانية، نجد طريق الحج محفوف بالمخاطر المادية والمعنوية، خاصة عندما يضطر الحاج المسافر ابتغاء إنقاذ روحه من الضلال إلى مرافقة الكفار، فبمجرد مغادرته لموطنه الأصلي يجد الحاج نفسه في مواجهة "مصاعب الطريق". فمن رحلات الاغتراب والتشرد تصبح قصص الحج حكايا مغامرات تتنازعه مضايقات حرس الحدود أو الناقلين وهجمات قطاع الطرق، فمخاطر الطريق – التي يغامر بسببها الحاج بحياته – تبث في الحاج رغبة قوية في الحماية، وعليه فقط أقرت النصرانية في القرون الوسطى "صفة الحاج" بما يضمن تسهيل سفره وإيوائه في الفنادق وحماية ممتلكاته وأهله أثناء غيابه. والأمر سيان للحاج المسلم: قد يفضل السفر في القوافل الجماعية المسلحة غالبًا ويجد مأوى له في الرباط (المرابطون) و"التقية" (تيكيه) أو الزوايا للمشيخات الصوفية وقد يمنح امتيازات ضريبية تبعًا للإقليم الذي يمر به.هذه الحاجة – الفطرية تقريبا – إلى الحماية تتوافق مع رغبة في إضفاء الحرمة على فضاء الحج، فكما كتب أيضا ألفونس دوبرون "تبدأ عملية إضفاء الحرمة التي تشمل حركات الحجيج" منذ لحظة اتخاذ قرار السفر إلى الحج، وهكذا نجد أن مسيرة الحاج يتخللها الذكر وتلاوة آيات من القران والأدعية المأثورة وبقية الصدقات. ويذكر الغزالي أنه لا تخلو أي محطة لسفر الحجيج من الصلاة والذكر، فعند المغادرة يصلي الحاج ركعتين يتبعهما بتلاوة سورة الفاتحة، وفي هذا رمزية على كون الحج سفر في داخل النص المقدس، ثم يقرأ السورة رقم 109 (الكافرون) التي تضح حدًا رمزيًا بين دار الإسلام ودار الكفر أو دار الحرب، وهكذا تتوارد الأدعية المأثورة عند الخروج من عتبة البيت وامتطاء الراحلة وكذلك الحال عند بلوغ مرحلة معينة أو تجاوز هضبة.

"فأثناء السفر يؤدي الحاج صلوات أكثر من المعتاد"، كما ذكر ذلك أنتوان جالون Antoine Galland، وفقًا

وتتجلى القداسية أيضا أثناء الاستراحات في طريق الحج: ففي زوايا المشيخات الصوفية حيث يتم إيواء الحجاج بجوار أضرحة الأولياء في الإسلام، في الحواضر الكبرى مثل القاهرة حيث يقضي الحجاج أحيانا فترات تمتد لعدة سنوات ليتفقهوا في الدين، فكما أن الحج اختبار جسدي على الصبر ففيه أيضا اختبار معنوي وهو تحقيق الحج الأكبر أي جهاد النفس ضد الشر.فالحاج، الذي أضحى شخصية مألوفة كما التاجر مثلا، إلا أنه لا يزال ذلك الغريب من حيث الجوهر، فلئن كان نزوله عند مضيفه سببًا في حلول البركة والسلام إلا أنه لا يزال يشكل تهديدا محتملًا على غرار الشريد أو المتسكع الذي يشبههما في كونه متنقلًا بطبعه، وأحيانًا يتهم الحاج بالسرقة أو نقل الأمراض كما لو أنه أصابته بدوره عدوى مخاطر الطريق. أما بالنسبة إلى المجتمعات التي يمر بها، فتنقله بحد ذاته يشكل تهديدًا لاستقرار النظام المفروض هناك ويمثل عامل فقدان – وفق تعبير جورج بالوندييه Georges Balandier. ومن وجهة النظر الأنثروبولوجية فهذا الخطر المتمثل في شخص الحاج يستدعي عملية تطهيرية.

الإحرام: الحج إيذانًا بوفاة الذات الماضية وشعائر التطهر
وعند اقتراب الحاج من الحرم يتخلى مؤقتًا عن هويته الاجتماعية والثقافية فيلبس ثوب الإحرام المكون من قطعتين من القماش الأبيض، الردع، الذي يوضع على الكتف والإزار الذي يغطي الجزء السفلي من الجسد. ولهذا الإحرام رمزية متعلقة بيوم القيامة لأنه يرمز إلى كفن الميت الذي سيظهر فيه كل إنسان في اليوم الآخر.
الصورة 1: حجاج جزائريون في ثياب الإحرام في عام 1905.
موت الذات هذا والفقدان المقصود للهوية يجعل من الحاج "مستهلًا"، مجرد عابر سبيل في برزخ بين عالمين يشبه الموت الصغير، وفي حالة الإحرام، يمتنع الحاج من أي تهور بدني – علاقات جنسية، أعمال عنف – رفث – جدال، مما قد تعيق حرية التعبير للشعور المنطلق من روح الحج الذي يمثل الاندفاعة واللقاء بالخالق. هذه الحالة من "الحظر الذاتي" تتجسد في نسك حلاقة الشعر وقص الأظافر عند لبس الإحرام وبالتلبية التي يرددها الحاج عند دخوله ساحة المسجد الحرام. وعلى شاكلة فيكتور تورنر Victor Turner شبه علماء الانثروبولجيا هذه الفروض بطقوس انتقالية يتحلل فيها الحاج من أي صفة خاصة به لينتقل إلى "الأمة المشتتة"، هذه "الأمة غير المهيكلة أو المهيكلة بطريقة بدائية وبلا فروقات تقريبا". ولئن كانت هذه الأمة المشتتة تعد "بنية غير منظمة" على خلاف "البنية التنظيمية" التي تمثلها المجتمعات المنظمة، إلا انه من الخطأ أن نرى في ذلك نوعًا من المجتمع الديني المحظور عليه العمل السياسي، وذلك لأن الأمة المشتتة هي بالتحديد ما يجعل البنية التنظيمية ممكنة. بمعنى لآخر، التجربة الجماعية للحج هي ما تؤسس الإسلام بصفته مجتمعًا سياسيا ودينيا.الاقتراب من الكعبة يمثل مرحلة جديدة للتطهير من خلال منسك الطواف حولها. فالكعبة تشكل مركز الإسلام وجعلت من مكة المكرمة وهي "أم القرى"، "مركز الثقل للعالم" الذي توصل إليه عدة طرق سعى كثير من الجغرافيين المسلمين في وصفها منذ تأليف "كتاب الطرق والأنبار"لابن قردابه في القرن التاسع الميلادي. كما أنها تمثل وجهة المسلمين وقت الصلاة، فهي القبلة التي حاول علم الفلك الحسابي تحديدها من خلال تطبيق النظريات الهندسية في الوقت الذي كان علم الفلك الشعبي تفضل الملاحظة التجريبية من خلال حساب اصطفاف مسارات الكواكب واتجاه الرياح. فالكعبة تفرض قطبية على أمة المؤمنين التي يمكن قياسها من حيث الامتداد والشدة. فبالنسبة إلى الحج تعد الكعبة الهدف الأسمى الذي يفرض توترًا مستمرًا على مسيرته. أما للمتصوف فالكعبة تمثل المرحلة الأولى من الحلول مع الإله وهكذا ينبغي فهم تعريف الحج الذي طرحه لوي ماسينيون Louis Massignon على أنه "حركة كوجهة لا يمكن حرفها عن مسارها كأنها أمنية للمكان الذي يرغب في تجاوزه". هذا الارتحال يكون نفسيًا وروحيًا إذن كما يكون بالمثل جسديًا، وأما الطريق فتنتقل من كونها مجرد سبيل يعبرها إلى صفة الطريق الداخلي التي بقوده إلى الحقيقة. وبالتالي، فإن "الفضاء ليس ذلك الذي يمكن قياسه وإنما فضاء حجي"، كما يصفه كريستيان جومبيه Christian Jambet، أي فضاء نوعي، ومكان تتقارع فيه الأرض مع السماء وقطب فلكي. وعليه فان منسك الطواف يمثل الحركة الدائرية لحركة الملائكة حول البيت المعمور أو حركة الفضاءات حول الأرض. ففي التصور الشعبي العامي، يمثل نسك الطواف أيضا وسيلة لاحتواء قوة الجذب التي تفرضها هذه القطبية، أي الطاقة السامية والمباركة التي تشع من الحجر الأسود، فهذه البركة تمثل توضيح للطبيعة الانتقالية للمقدس التي تفرض رسم حدود منيعة مع العالم العادي غير المقدس. وعند الاقتراب من الكعبة، لا بد من فهم الحج من باب القوة الفياضة؛ ففي كتاب "الوحي المكي"، يقابل ابن عربي بين الحج بصفته حركة أفقية للحجيج نحو مكة بالحج القاضي بالوقوف في عرفة الذي يجسد فكرة الحركة العمودية والارتقاء إلى السماء . ويذكر الحاج المصري البتنوني هذه القوة بقولة:
"ولم لو نشهد بأنفسنا اضطراب الأجساد وارتفاع الأيادي بالتضرع إلى الله بالدعاء والخشوع ولم نسمع نبضات القلوب في هذا المقام المهيب لظننا أننا صرنا في عالم آخر، وحقًا لقد كنا في تلك الساعة في عالم آخر، في بيت الله وفي حضرة الرب المجيد"الحج كشعائر للمشاركة والاندماج من جديدبعد إتمام الشعائر المكية، تُظهر طقوس الحج الفعلية "الأمة المشتتة" في كامل صورتها بهيئة سلسلة من "شعائر المشاركة"، فالوقوف بعرفات مثلًا يقضي بأن يجتمع الحجاج قرب جبل الرحمة لطلب المغفرة من الله، فمكان التجمع هذا الذي يتوافد إليه آلاف المؤمنين من أقطار دار الإسلام يمثل التظاهر الأبرز على عالمية الأمة، وإذا وافق هذا الوقوف يوم جمعة فيسمى الحج عندها الحج الأكبر، وتتنزل رحمات خاصة على الحجاج والإسلام عمومًا. فهذا مكان العرفان، غذ أن كلمة عرفات تعني من حيث الاشتقاق اللغوي التعرف إلى، حيث تعارف آدم وحواء بعد طردهما من الجنة الأرضية، فعرفات ترمز بالتالي إلى العودة إلى الحالة الأصلية، بعد التشتت، وهي الحالة التي يعترف بها المسلمون جميعها بكونهم إخوة. فعرفات العودة إلى الأصل والرمز لنهاية العالم يمثل مكان "العودة المختصرة". ففي هذا المشهد الدرامي للمقدس، نجد كذلك البعد الأخروي للحج، فمع الزوال يلقي قاضي مكة خطبتي الحج عن واجبات الحاج ومناسك الحج، تذكيرًا بخطبة الرسول التي ألقاها عند حجة الوداع. كما انه يعد استباقًا لمشهد اليوم الآخر إذ ينبغي على الحجاج أن يظلوا واقفين مبتهلين في الحر القائظ حتى غروب الشمس.وكما الحال بالنسبة إلى الشعائر الإبراهيمية، فان التقرب بالطاعة يعد فرصة لكل مسلم، وتعني حرفيا المستسلم لله، ليوثق إيمانه بالله الواحد وانتمائه إلى أمة المؤمنين الموحدين، فهذه الأمة تظهر من خلال شعيرة الأضاحي بصفتها "أمة متخيلة" تولد الشعور بالانتماء الجمعي والهوية الجمعية أيضا.وفي المرحلة الأخيرة، تمثل الأضاحي في منى شعيرة التحلل والعودة إلى العالم الطبيعي، وتعد استهلالًا للعودة إلى الحياة الاجتماعية والاندماج مجددا في "البنية" وإظهار بعض الاختلافات في الأوضاع من خلال قيمة الأضاحي المقدمة، بينما الغالبية من الحجيج تضحي بالأغنام والشياه، في الوقت الذي جرت فيه العادة أن يضحي الوجهاء بعدة نوق وفقًا لمستواهم المادي. وبمناسبة عيد الأضحى تستقبل السلطات العامة والدينية المسلمين في خيامهم لتقديم التهاني والتبريكات التي يستحقونها. وبطريقة مشابهة تمامًا لعملية الإحرام يتم التحلل من خلال ممارسة شعيرة تحليق الشعر حيث يقوم كل حاج بتقصير شعره وأظافره قبل العودة إلى مكة لأداء الطواف، وعندها يمكن ارتداء ملابسه العادية، أما العلاقات الجنسية فلا تباح إلا من أداء طواف الوداع (طواف الإفاضة).بعد الانتهاء من تلك الفعاليات الحزينة لطقوس طلب المغفرة وتقديم الهدي، تتخلل الثلاث الأيام التالية للحج (أي الأيام 11، 12، 13 من ذي الحجة) أعيادٌ وابتهاجات في منى، وتُسمى بأيام التشريق في إشارة إلى لحوم الأضاحي المسخنة على الشمس لتنضيجها، وفي الواقف يتم توزيع اللحوم على الحجاج الفقراء، وتكرس أيام الأعياد هذه للراحة واستعادة القوى الحيوية. فهي عبارة عن مرحلة تطهيرية للعيد الديني الذي يحرر الجسد بعد فترة زهد الإحرام، كما أنها تقوي شعور الجماعة بوهم الوحدة الترانيمية. وقد يشبه منتقدي احتفالات منى بأنها كأعياد الحصاد الرومانية قديمًا، فهذه الأعياد مخصصة للبهجة والاستمتاع. وما أن ينتهي الاحتفال حتى تعود الأمور إلى الحياة الطبيعية وتتمثل في اكتساب اللقب التشريفي المرغوب وهو لقب "الحاج" الذي يمنح للحاج مكانة جديدة معنوية ودينية محترمة.وأخيرا يمكن إدراج هذا الحج المبشر بالآخرة في إطار أفق الولادة المتجددة، فانقضاء مناسك عرفة تعني العودة إلى حركة الحياة، المتجسدة في الإفاضة لجموع الحجيج إلى سهل منى حيث يتم أداء نسك النحر.وبين الشعيرتين الكبريين للوقوف والنحر نجد نسك الرجم الذي يذكر بالغواية الشيطانية لإبليس الذي يقال انه ظهر ثلاث مرات لإبراهيم ليصرفه عن أداء واجبه فرمي الجمرات الثلاث بالأحجار المفترض بها تمثيل إبليس يقوم مقام التنفيس للحاج الذي يتحرر من عنفه الداخلي بعد جهاد نفسه للمرة الأخيرة. غير انه خلافا للتوقعات، نجد أن نسك النحر يمثل ميراثًا فقيرًا للأدب الأنثروبولوجي في هذه المسالة، فكما هو الحال بالنسبة إلى بوبرتسون سميث Robertson Smith يرى موريس جودفروا ديمومبين Maurice Gaudefroy‑Demombynes في هذه الشعيرة طقسًا كلاسيكيًا لتقديم القرابين بينما يرى جون شيلهود Jean Chelhod أنه تمثيل للتحالف مع الرب، وبالتالي فدلالاته متعددة. وكامتداد للمشهد الأخروي لعرفات يأتي نسك النحر في منى كأنه مؤشر على الولادة المتجددة وقوة الحياة المتمثلة في دم الأضحية المنحورة، فهو ليس بمثابة طقس يوحي بالموت بقدر ما يشكل لحظة خصوبة وإنتاج تذكرنا "بالتعبئة المقدسة" حسب وصف ألفونس دوبرون. النحر في منى إضافة متأخرة للوحي القرآني تمثل كما رأينا التكامل مع الطقوس المكية في الحج البدوي، فقد توسع هذا الجانب الاندماجي ليجعل من الحج مناسك أممية بامتياز بحيث تتم شعائره في حالة من التواصل الفكري مع كافة الأمة الإسلامية التي تجتمع للاحتفال بالعيد الكبير. وعليه فان النحر الإسلامي يكتسب قيمة تأكيدية بصفته "تذكيرًا بقصة التأسيس الإبراهيمي للبيت"، و"تقليدا لهذه الفعال التأسيسية".وكما الحال بالنسبة إلى الشعائر الإبراهيمية، فان التقرب بالطاعة يعد فرصة لكل مسلم، وتعني حرفيا المستسلم لله، ليوثق إيمانه بالله الواحد وانتمائه إلى أمة المؤمنين الموحدين، فهذه الأمة تظهر من خلال شعيرة الأضاحي بصفتها "أمة متخيلة" تولد الشعور بالانتماء الجمعي والهوية الجمعية أيضا.

32وفي المرحلة الأخيرة، تمثل الأضاحي في منى شعيرة التحلل والعودة إلى العالم الطبيعي، وتعد استهلالًا للعودة إلى الحياة الاجتماعية والاندماج مجددا في "البنية" وإظهار بعض الاختلافات في الأوضاع من خلال قيمة الأضاحي المقدمة، بينما الغالبية من الحجيج تضحي بالأغنام والشياه، في الوقت الذي جرت فيه العادة أن يضحي الوجهاء بعدة نوق وفقًا لمستواهم المادي. وبمناسبة عيد الأضحى تستقبل السلطات العامة والدينية المسلمين في خيامهم لتقديم التهاني والتبريكات التي يستحقونها. وبطريقة مشابهة تمامًا لعملية الإحرام يتم التحلل من خلال ممارسة شعيرة تحليق الشعر حيث يقوم كل حاج بتقصير شعره وأظافره قبل العودة إلى مكة لأداء الطواف، وعندها يمكن ارتداء ملابسه العادية، أما العلاقات الجنسية فلا تباح إلا من أداء طواف الوداع (طواف الإفاضة). الانتهاء من تلك الفعاليات الحزينة لطقوس طلب المغفرة وتقديم الهدي، تتخلل الثلاث الأيام التالية للحج (أي الأيام 11، 12، 13 من ذي الحجة) أعيادٌ وابتهاجات في منى، وتُسمى بأيام التشريق في إشارة إلى لحوم الأضاحي المسخنة على الشمس لتنضيجها، وفي الواقف يتم توزيع اللحوم على الحجاج الفقراء، وتكرس أيام الأعياد هذه للراحة واستعادة القوى الحيوية. فهي عبارة عن مرحلة تطهيرية للعيد الديني الذي يحرر الجسد بعد فترة زهد الإحرام، كما أنها تقوي شعور الجماعة بوهم الوحدة الترانيمية. وقد يشبه منتقدي احتفالات منى بأنها كأعياد الحصاد الرومانية قديمًا، فهذه الأعياد مخصصة للبهجة والاستمتاع. وما أن ينتهي الاحتفال حتى تعود الأمور إلى الحياة الطبيعية وتتمثل في اكتساب اللقب التشريفي المرغوب وهو لقب "الحاج" الذي يمنح للحاج مكانة جديدة معنوية ودينية محترمة.يحق للحاج، قبل أداء فريضة الحج أو بعده، الذهاب إلى المدينة، ثاني المدن المقدسة في الإسلام، للصلاة فيها على قبر النبي المدفون فيها إلى جوار ابنته فاطمة والخليفتين الأولين اللذَيْن تبعوه، أبو بكر وعمر. هذا الانتقال ذو الطابع الديني إلى قبر النبي، قد يتقارب في الظاهر مع النموذج النصراني للحج، لكن التشريع الإسلامي لا يعتبره في الحقيقة حجًا بالمعنى الفعلي للكلمة، وإنما زيارة عادية، على غرار زيارة قبور الأولياء المحليين المنتشرين في أرجاء الرقعة الجغرافية الروحية للعالم الإسلامي. غير أن الحجاج، شيعة كانوا أم سنة، لا يشعرون نفسيًا بأن حجهم قد اكتمل إذا لم يزوروا المدينة المنورة. بالنسبة إلى الحجاج من أتباع المذهب المالكي ومعظمهم من المغاربيين، تكتسب زيارة المدينة أهمية عظيمة لأن قبر مالك بن أنس، مؤسس المذهب، يوجد في مدينة النبي ويلقى ضريحه إجلالًا كبيرًا. كما يمكن للحاج مواصلة رحلته إلى بيت المقدس، ثالث المدن المقدسة في الإسلام، أو يتوجه لزيارة قبر أحد الأولياء الصوفيين في سوريا أو بلاد الرافدين. بينما يستبق الحجاج الشيعة حجهم إلى مكة بزيارة كربلاء.لعودة إلى الدارق د يفضل بعض الحجاج البقاء في الديار المقدسة بعد إتمام الحج للتفقه في الدين لكن الغالبية منهم يرجعون إلى منازلهم حيث يستقبلون بحفاوة بالغة. وتعتبر عودة الحجاج إلى ديارهم تكريمًا لهم وترسيخًا لمرتبتهم الاجتماعية الجديدة، ومع ذلك فمن النادر العثور على قصص حجج تكرس لهذا الحدث الأهمية التي يستحقها، ولعل ذلك يرجع إلى أن عودة الحاج تذهل أساسًا في نطاق التجربة الحميمية الخاصة والانعتاق:"فيشعر الحاج وكأنه ولد من جديد ويتحرر من ذنوبه وعقده، فضلًا عن الضغوطات الاجتماعية التي تفرضها بعض الأنظمة السياسية الاقتصادية"يرى جودفروا دوموبين أن العودة، في إطارها التكاملي مع الحج بذاته، تشكل تقليدًا لسيرة النبي، فمن المعتاد أن يذهب الحاج أولًا إلى الجامع ليصلي ركعتين قبل أن يرجع إلى بيته. وعند قرأتنا لكتاب الحاج بن شريف، الذي لم يكرس سوى صفحتين صغيرتين لهذا الحدث من مجمل 250 صفحة لحكايته، فالعودة لا تشكل قيمة فعلية بحد ذاتها: فهي تعاش على طريق الاستشراف للمستقبل من خلال اليقين بحصول الأجر المستقبلي وفي الوقت ذاته تمثل إعادة تحديث لوقائع الماضي القريب المتأثر بالمراحل الكبرى للحج:وبالتالي تتسم العودة إلى الديار بطابع جوهري محلي كما يشير إلى ذلك أحد الموظفين في الشؤون الخارجية المغربية :"لقد جرت العادة أن أقارب الحجاج يذهبون لملاقاة الحجيج العائدين من مكة وتكتسي الاحتفالات المقامة بهذه المناسبة طابعًا أسريًا بحتًا".كانت عالمة الانثروبولجيا تيريز ريفيير Thérèse Rivière حاضرة في مقاطعة ليزوريس Les Aurès في أبريل من عام 1935 وسجلت بعناية في "مذكراتها الميدانية" عودة الحج زيلمت أحمد Zelmat Ahmed إلى داره في منا Menaa. تصف في ملاحظاتها بدقة مراحل عودة الحاج وقد غادرت أمامه ويرافقها حفيده الذي يساعدها بصفته مترجمًا. امتطى الحاج راحلة مزينة وبارك على جميع المارين ثم لحقه تباعًا عدد من الرجال والنساء للسلام عليه وتقبيل كتفه ابتغاء حصول البركة. وبدأ احتفال طويل منذ لحظة ترجل الحاج عن راحلته منتظرا وصول الطالب taleb:"وأخيرا وصل الطالب وسط حشد كبير من الرجال وبعد تبادل السلام والمصافحات التي لا تنتهي بدا الرجال يتلون آيات من القرآن بالتناوب بين المجموعات. وتحرك الموكب بأكمله نحو القرية عابرًا الواحة والشارع المرصوف بالحصى والمتعرج. وصلت القافلة أطراف الوادي واجتازته في البداية عبر الجسر ثم في الماء، ووصل الجمع إلى المسجد يتقدمهم الحاج مارًا بشوارع المدينة وأما النساء فقد اعتلين أسطح المنازل. يسلم الناس على الحاج عند مروره، سواء الرجال أو النساء، وحال وصول الحشد المسجد بدأ الطلاب ينشدون بالتناوب عند باب الجامع ثم عاد الحاج إلى بيته عن طريق الشارع الخارجي". وتبع ذلك وصف طويل للوجبة التي حضرها أهل بيت الحاج ترحيبا بعودته، وتتلى من وقت لآخر آيات من القرآن، وعند الفراغ من الطعام، يأتي وجهاء القرية لزيارة الحاج. وأمام هؤلاء الأعيان يبدأ الحاج في سرد قصة سفره المقدس، وكما يظهر من الصور التي التقطتها تيريز لمثل هذه المناسبة (الصورة 2) تتوسع الحلقة لتشكل الجنسين وكافة الفئات العمرية. الصورة 2: ذكر الحاج زيلمت أحمد حج إلى مكة."وقد عادوا إلى قبائلهم آمنين معززين موقرين وعلى رؤوسهم العمائم الصفراء المنقوش عليها لقب الحاج. ومع دهشتهم المستمرة وأحاسيسهم المتأججة بما شاهدوه في الديار المقدسة فقد نسوا وعثاء السفر الطويل والحرمان والنصب والعناء الطويل ونسوا حتى الموتى الذين وافتهم المنية في الدروب المقفرة إلى الحجاز ولم يعودوا يتذكرون سوى هيبة الكعبة والبخور والعطور واحتفالات الأرواح".وبالتالي تتسم العودة إلى الديار بطابع جوهري محلي كما يشير إلى ذلك أحد الموظفين في الشؤون الخارجية المغربية :"لقد جرت العادة أن أقارب الحجاج يذهبون لملاقاة الحجيج العائدين من مكة وتكتسي الاحتفالات المقامة بهذه المناسبة طابعًا أسريًا بحتًا". عالمة الانثروبولجيا تيريز ريفيير Thérèse Rivière حاضرة في مقاطعة ليزوريس Les Aurès في أبريل من عام 1935 وسجلت بعناية في "مذكراتها الميدانية" عودة الحج زيلمت أحمد Zelmat Ahmed إلى داره في منا Menaa. تصف في ملاحظاتها بدقة مراحل عودة الحاج وقد غادرت أمامه ويرافقها حفيده الذي يساعدها بصفته مترجمًا. امتطى الحاج راحلة مزينة وبارك على جميع المارين ثم لحقه تباعًا عدد من الرجال والنساء للسلام عليه وتقبيل كتفه ابتغاء حصول البركة. وبدأ احتفال طويل منذ لحظة ترجل الحاج عن راحلته منتظرا وصول الطالبtaleb:"وأخيرا وصل الطالب وسط حشد كبير من الرجال وبعد تبادل السلام والمصافحات التي لا تنتهي بدا الرجال يتلون آيات من القرآن بالتناوب بين المجموعات. وتحرك الموكب بأكمله نحو القرية عابرًا الواحة والشارع المرصوف بالحصى والمتعرج. وصلت القافلة أطراف الوادي واجتازته في البداية عبر الجسر ثم في الماء، ووصل الجمع إلى المسجد يتقدمهم الحاج مارًا بشوارع المدينة وأما النساء فقد اعتلين أسطح المنازل. يسلم الناس على الحاج عند مروره، سواء الرجال أو النساء، وحال وصول الحشد المسجد بدأ الطلاب ينشدون بالتناوب عند باب الجامع ثم عاد الحاج إلى بيته عن طريق الشارع الخارجيذلك وصف طويل للوجبة التي حضرها أهل بيت الحاج ترحيبا بعودته، وتتلى من وقت لآخر آيات من القرآن، وعند الفراغ من الطعام، يأتي وجهاء القرية لزيارة الحاج. وأمام هؤلاء الأعيان يبدأ الحاج في سرد قصة سفره المقدس، وكما يظهر من الصور التي التقطتها تيريز لمثل هذه المناسبة (الصورة 2) تتوسع الحلقة لتشكل الجنسين وكافة الفئات العمرية.الصورة 2: ذكر الحاج زيلمت أحمد حج إلى مكة.ومع أن الباحثة الانثربولوجية حرصت على ذكر أن الحاج زيلمت أحمد حكى "قصته الطويلة وذلك حتى وفاته" (85 عام)، إلا أن القصة المدونة في دفاتر ملاحظاتها والمؤرخة بتاريخ 16 ابريل 1935 لا تتعدى السطرين:"لقد تعرض للسرقة وقتل ناس بجواره، ولكنه رأي سعفة نخل من ذهب، وجدران مغطاة بالذهب و "الحجر" الملبس بقماش على هيئة حزام ذهبي. يمكنه الآن أن يموت وسيذهب مباشرة إلى الجنة".في الحقيقة، كيف يمكن لنا وصف الطبيعة الاستثنائية حقا للحج إلى مكة دون التوثيق الدقيق لتتابع المناسك والشعائر؟" فعن الحج، كتب عالم الاجتماع عمر ساجي Omar Saghi، لا يوجد الكثير لنذكره مما لم يشر إليه الدين، وبمعنى حرفي وبشكل أدق فالحج إما أنه محال الوصف أو يصعب حكايته. محال الوصف بسبب تلك المآسي الجسدية الصغيرة أو الأمزجة التي قلما نتكلم عنها، فضلا عن الأحداث الدقيقة جدًا التي تغطي عليها هيبة الشعائر. وأما صعب الحكاية فلأن له فيوض لا يقدر على مقاربتها إلا تلك اللغة المتصوفة".ويذكر لتدعيم رأيه كلام المفكر التونسي ابن خلدون في القرن السادس عشر الذي لم يورد في سيرته التاريخية المستفيضة إقامته في الديار المقدسة إلا بعبارة: "بعد أداء فريضتي".ومع ذلك فإن عمل المؤرخ الفعلي يندرج في هذه الثغرات من الصمت داخل النصوص، فظاهرة اجتماعية بحجم الحج تنخرط بالضرورة في المجال السياسي، وكل قصص الحج، مهما كانت مقتضبة، تعج بالتلميحات الخفية والحاضرة في النص إلى آليات السلطات، ولنرجع هنا إلى المثالين السابقين. في ديسمبر 1936، حصلت تيريز ريفيير على معلومات جديدة من الحاج زيلمت أحمد بشأن رحلته المقدسة، وبعد أن استفاض في وصف قيمة ثياب الحج، وصف الحاج وصول باخرته إلى ميناء جدة:"كان في رفقة الحجيج فارس من الدوار، وهو مسؤول إداري يقوم بالإشراف عليهم داخل السفينة".أما عن ابن خلدون، فقبل أن يذكر انه غادر القاهرة متجها إلى ميناء الطور، حرص على الإشارة إلى انه استأذن من "السلطان والأمراء" الذين أعانوه وزودوه بمئونة الطريق.في هاتين الحالتين، المتباعدين زمنيًا لأكثر من خمسة قرون، يأتي ذكر السلطة السياسية من خلال جملة عابرة: في الحالة الأولى، يذكر الحاج الحضور الدائم للإدارة الاستعمارية التي ترافق وتشرف على الحجيج أثناء عبور البحر، وفي الحالة الثانية، يتعلق الأمر بسلطة إسلامية فعلية وهو السلطان المملوكي في القاهرة، حامي الخلفاء العباسيين الذي يسهل سير الحجيج ويشجعهم على أداء مناسكهم.القافلة، والخليفة، والحاج: التذكير ببعض الأمور الخاصة بالحج في حقبة القرون الوسطى والعصر الحديثيكتسب الحج مكانة مركزية بالنسبة إلى الأمة الإسلامية إذ يظهر وحدتها الدينية والسياسية، وبهذا المعنى، فالحج وثيق الصلة بالخليفة الملتزم، بصفته أمير المؤمنين، وعلاوة على واجباته المدنيةـ بالدفاع عن الإسلام وبالتالي حماية الحجاج المسلمين. فباعتباره خليفة النبي، ينبغي عليه المحافظة على ركن الحج كما ورثه محمد لإتباعه عند حجه الأخير، وقد كتب ابن خلدون:"أعلم أن الملة لا بد لها من قائم عند غيبة النبي يحملهم على أحكامها و شرائعها و يكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف و النوع الإنساني أيضاً بما تقدم من ضرورة السياسة فيهم للاجتماع البشري لا بد لهم من شخص يحملهم على مصالحهم و يزعهم عن مفاسدهم بالقهر".وبصفته كذلك خادم الحرمين، يجب على الخليفة الحفاظ على المكانة المركزية الدينية لمكة مع أن مركز الخلافة يميل للابتعاد جغرافيا عنها، ومن هنا كان لزامًا على الخليفة الإبقاء على معالم حضوره بارزة في الأماكن المقدسة، رغم ابتعاده عنها، من خلال انتهاج سياسة الهبات السخية وصيانة المباني المقدسة وعلى وجه أخص الربط الدائم بين العاصمتين الدينية والسياسية للإسلام بواسطة طريق خاص يضمن حماية القوافل. وهكذا نجد أن التاريخ السياسي للحج منذ أيام "الخلفاء الراشدين" وحتى الإمبراطورية العثمانية هو أيضا تاريخ الطرقات والممرات.الحج عقب وفاة الرسولبعد موت الرسول، تولى الخلفاء الراشدون مسؤولية أمير الحج، وكانوا يتقدمون بأنفسهم المواكب الرسمية للحجيج من المدينة وكذا مناسك الحج. كان معظم الحجاج يسلكون عندئذ الطرق التجارية التقليدية في الجزيرة العربية انطلاقًا من جدة وصنعاء في اليمن أو حتى الدروب الداخلية بدءًا من حائل وجبل شمر أو الرياض الواقعة في إقليم نجد في قلب الجزيرة العربة.ومع تقدم الفتوحات الإسلامية ونقل عاصمة الإمبراطورية الإسلامية من المدينة إلى دمشق أيام خلافة الأمويين (651‑750)، فقدت المدينة المقدسة تدريجيًا مركزيتها، وتعرضت للاحتلال مرتين، في المرة الأولى من جانب الخليفة المنافس ابن الزبير ثم من جانب خوارج اليمن لفترة قصيرة في عام 747. على الصعيد الاقتصادي، ظلت مكة مركزًا تجاريًا هامًا بفضل الملتقى التجاري الكبير المنعقد في شهر محرم والذي يجري فيه بيع الأقمشة والعطور والرقيق الحبشيين والتذكارات الدينية، لكن مركز القوافل التجاري بدأ ينتقل تدريجيًا نحو الشمال باتجاه سوريا وبلاد الرافدين. وسيظل هذا القرن الأول من عمر الحج مرتبطًا في الذاكرة الجمعية بفترة الاضطرابات جراء الهجمات المتكررة للبدو وجماعات لن تتوان المملكة العباسية الجديدة (750‑1258) في التركيز على مواطن التقصير التي ارتكبها أسلافهم فيما يخص الحج، وفي إطار مشروع إصلاح الخلافة العباسية، أصبح للحج مكانة مركزية، وهكذا نجد مثلًا الخليفة السفاح (749‑754) يوجه، ابتداءًا من عام 751، ببناء محطات عسكرية على الطريق الإمبريالية للحج (المحجات) من الكوفة وحتى مكة، كما قام خلفاؤه من بعده بتشييد حصون عسكرية صغيرة مخصصة لحماية انتقال القوافل. ومن بين سائر خلفاء الدولة العباسية، كان اسم هارون الرشيد(764‑809) أكثر ارتباطًا بالحج، فقد قلد الخلفاء الأوائل، وتقدم بنفسه بصفته "الأمير الحاج" موكب الحج من بغداد ثمان مرات، كما اتبع سياسة مكرمات مالية ذكية بغرض تزيين الأماكن المقدسة وإطالة الطريق القديم من بلاد الرافدين وحتى بغداد ليربط العاصمة الدينية بالعاصمة السياسية لإمبراطوريته. وفي ذاكرة الحج، اقترن اسم طريق الخلافة الجديد هذا باسم زوجة هارون الرشيد، زبيدة، وكذا اسم شبكة القلاع والقناة التي أمرت بتشييدها عام 805 لتوصيل المياه إلى مكة ووادي عرفات. فعلى شاكلة طرق الحج، كان الماء رهانًا سياسيًا بحد ذاته، ولضمان راحة الحجاج الفقراء القاصدين البيت الحرام سيرًا على الأقدام، تم إنشاء عشرات من محطات الاستراحة على الطريق.الخريطة 1: طرق الحج إلى مكة.انقضى هذا "العصر الذهبي" للحج بوفاة الخليفة المأمون في عام 833، ففي عام 930 نهب القرامطة المدينة المقدسة وأخذوا الحجر الأسود، وقد شجعت هذا الفترة الجديدة من الفوضى ظهور قوة منافسة متمثلة بشخصيات أشراف مكة من الحسنيين، أحفاد علي من ابنه الحسن، ومنهم واحد اسمه جعفر الذي تولى زمام الحكم زهاء عام 960 .الترسيخ التدريجي لأهمية طريق مصر وظهور الذاكرة الكتابية للحج الحصار البحري الذي أعقب الحروب الصليبية في إرجاع الجزء الغربي من الجزيرة العربية إلى الفلك السياسي والاقتصادي للخلفاء الفاطميين في القاهرة (961‑1171). وعندها تطورت مسارات بديلة وقد عرفناها من خلال الحكايا الأولى لأسفار الحج التي بدأت تثري الذاكرة المكتوبة للحج. بعض الطرق كانت برية فقط ك"طريق مصر" عبر سيناء والضفة الغربية للبحر الأحمر الذي اجتازه الحاج الأفغاني ناصر أي خوراسفي Nasir‑i Khoraswi (1077‑1003)، وهو مؤلف إحدى أوائل قصص أسفار الحج الإسلامي التي تناهت إلى علمنا. أما الطريق الآخر فكان يمر عبر النيل حتى ميناء أيوب قبل أن يقطع البحر الأحمر، وهذا هو مسار الرحلة الذي سلكه الحج الأندلسي ابن جبير (1145‑1217) عند أدائه لفريضة الحج بين فبراير 1183 وأبريل 1185 وقد دون ذكرياته قي قصة الحج الشهيرة "قصص الأخطار في الأسفار". ومع كتابات ابن جبير أصبح الحج إلى مكة النواة الأولى لنوع أدبي جديد إسلامي صرف، الرحلة الحجازية، ويدين هذا الأسلوب الروائي بكثير لنمط تقاليد الرحلات العلمية التي بدأت منذ القرون الأولى للإسلام بحيث يرحل الأشخاص طلبًا للعلم عند كبار الشيوخ المعتبرين. وقد ذكر أندريه ميكيل André Miquel الدور الذي لعبه المغاربيون في تأسيس هذا النوع الأدبي:"ولد أدب الرحلات التقليدي في الغرب على يد الأسبان والمغاربيين المهتمين بالتدوين، في رحلات الحج، للمناظر والعادات والأخلاق التي لاقوها في المشرق الذي لطالما اعتبروه مصدر المعرفة والنمط الثقافي النموذجي، ويركز أدب الرحلات خصوصًا على زيارة الديار المقدسة في الجزيرة العربية".وثمة وظائف كثيرة منوطة بأدب الرحلات في القرون الوسطى: عمل شهادة الحج، تقديم خلاصة وافية لمناسك الحج لينتفع بها الحجاج مستقبلًا، كتيب إرشاد ديني، عرض بالمعارف المكتسبة في الديار المقدسة. هذه الكتابات الواقعة في مفرق الحركات الجماعية والأحداث التاريخية الصغيرة جدًا تدعوا المؤرخ لينظر بشكل دائم للقضية من زاوية "تعدد المستويات". في كتابة بسيطة ونابضة بالحياة مستلهمة أسلوبها تلقائيًا من روايات الأسفار (المقامات)، قص علينا ابن جبير المشقات التي لاقاها أثناء سفره وترك لنا وصفًا مفصلًا للمحطات والمناطق التي زارها وكل ذلك بدقة جديرة بالمختص الاثنولوجي المتمرس.الخريطة 2: مسار رحلة ابن جبير.يقاس الطابع النمطي لهذه الحكايات بمدى تأثيرها في الأجيال اللاحقة من الأدباء، فقد استشهد الرحالة المغربي ابن بطوطة (1304‑1367) ونقل مقاطع كبيرة من "الحكاية" كما هي، كتلك الخاصة بوصف الديار المقدسة، وقد حكى ابن بطوطة نفسه عدة رحلات قادته من طنجة إلى الأقاليم الغربية للصين وذلك في الفترة بين عامي 1325 و 1353.المصدر: ابن بطوطة في كتاب "الأسفار من شمال أفريقيا إلى مكة المكرمة"، باريس/ دار النشر La Découverte، العام 1995، ص 66‑67.قام ابن بطوطة بعملية تجميع الأحداث وسلسلة الأسانيد فجعل من أدب الرحلات نوعًا كلاسيكيًا، غير أن هذا النوع من القصص لا يخلو من الغموض البنيوي، إذ أنه يسهم من خلال مسلكه هذا في إضفاء قيمة على الخاصية الإدماجية للحج – التي تجعل الحاج يشعر فعلًا بحقيقة التضامن الإسلامي والانتماء إلى الأمة – فضلا عن تسليط الضوء على التنازعية في الفضاءات السياسية داخل نطاق دار الإسلام. كانت الحاجة عند ابن جبير لمثل هذا التمييز تتجلي خصوصًا في حديثه عن الحجاز – التي يصفها بكونها موطن "الفرق الضالة والمتفرقة"، بينما يقدم الخلفاء الموحدين بصفتهم المصلحين الفعليين للعقيدة. أما ابن بطوطة فقد أقام قرابة 8 أعوام في بلاط السلطان محمد ابن يتجلق في دلهي وسعى للمقابلة بين عراق في حالة تردي وفضاء تركي مغولي في أوج ازدهاره.مثل هذه الازدواجية ملحوظة أيضا لدى ابن جبير في نظرته للغرب المسيحي، فمشاعر العداء متجلية بوضوح – فقد كانت رحلة حجه بعد فترة وجيزة من هجمات رونو دو شاتييون Renaud de Châtillon على موانئ البحر الأحمر – فضلًا عن الاقتباسات: الإشارات إلى التقويم اليولوي دائمة ولم يجد الحاج الأندلسي أي حرج في السفر ذهابًا على متن باخرة من جنوة والعودة برفقة حجاج نصارى قبل أن تضطره عاصفة للجوء إلى مملكة نورماندي في صقلية. هذه الصعوبة في الفصل بين دار الإسلام ودار الكفر يمكن تفسيرها جزئيًا عن طريق اللجوء إلى الشخصية البطولية لصلاح الدين. فالرحالة الأندلسي يقدم هذا السلطان المتشدد جدًا وقاهر الفاطميين باعتباره نموذج الحاكم العادل، فهو يحمي الحجاج بفضل شبكة من المضافات التي أسسها على هيئة أوقاف، كما انه يحرص على حرية التنقل من خلال إلغاء رسوم العبور ويضمن سلامة الطريق عبر دفع رسم محدد إلى الأمير الحسني في مكة. وبالنهاية فصلاح الدين هو من أعاد المكانة المركزية للديار المقدسة.وتأكد اهتمام السياسة بموضوع الحج في فترة حكم السلطان المملوكي (1260‑1517)، فبعد سقوط العباسيين عقب سيطرة المغول على بغداد عام 1258، اتخذ السلطان بيبرس (1260‑1277) من القاهرة مقرًا للخلافة السنية واستقبل فيها خلفاء بغداد. وقد قام السلطان المملوكي بحماية الخلفاء وحماية الديار المقدسة أيضًا، وبالتالي أعاد الرحلات الدورية للقوافل من القاهرة ودمشق وابتدأ موجة جديدة من تشييد المضافات والمدارس القرآنية والقنوات المائية في الحجاز. وقد رسخ بايبرز هيمنته على الديار المقدسة الإسلامية من خلال تأسيس فكرة المحمل، ففي عام 1266، أرسل السلطان إلى الديار المقدسة محملًا فيه كسوة مخيطة في القاهرة مخصصة لتغطية الكعبة. مكنته هذه الهبة من تجسيد العناية التي يوليها السلطان للديار المقدسة كما عمل على اظهر حضور الدولة المملوكية بحيث يوطد أكثر سيادتها على الحجاز. ويسبق انطلاق المحمل حفل رسمي وصفه ابن بطوطة كما يلي:"وهو يوم دوران الجمل يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يركب فيه القضاة الأربعة، ووكيل بيت المال والمحتسب وقد ذكرنا جميعهم، ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة، وقصدوا جميعا باب القلعة، دار الملك الناصر، فيخرج إليهم المحمل على جمل، وأمامه الأمير المعين لسفر الحجاز في تلك السنة، ومعه عسكره والسقاؤون على جمالهم، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء." المحمل على ظهر جمل من القاهرة إلى مكة، بحراسة عسكرية تجعله أشبه بجيش ريفي منه بقافلة دينية،، فهذا الجيش يتولى أيضًا حماية القوافل الأخرى القادمة من أفريقيا، الركب المغربية، القادمة من المغرب، وركب التكرور القادمة من أفريقيا الغربية، والتي ترافقها تقليديًا في القاهرة مطلع شهر شوال. يعين السلطان من بين كبار القادة العسكريين أميرًا للحج يمتلك كافة الصلاحيات المدنية والسياسية والعسكرية، وتقضي مهمته الأساسية بتوجيه القافلة الرسمية حتى تبلغ مقصدها كما يحرص على سلامتها. وهناك "إدارة متنقلة" متكاملة تساعده ويشرف عليها سكرتير يسمى الدوار مكلف بأمور الشرطة، وقاضٍ يعمل على توعية الحجاج بالتزاماتهم الدينية ويحكم بينهم في النزاعات التي قد تنشب، وناظر مكلف بتسوية مسائل الورثة، وكذلك ناظر السبيل المكلف بالإغاثة وتقديم المساعدة للحجاج الفقراء السائرين في ركب القافلة. وثمة فريق للرعاية الطبية يرافق القافلة فضلًا عن عدة رجال دين كالإمام والمؤذن الذي يعني بتحديد مواقيت الصلاة واتجاه القبلة للحجاج. يحرص أمير الحج على التنظيم في القافلة، ففي مقدمها نجد المجموعة الخاصة بالتمويل والمرشدين والطباخين والخبازين والسقائين، ويتبعهم مجموعة القادة العسكريين والأعيان ثم النفائس والأموال (صرر و فاطمة) تحت حراسة مشددة، وبعض إيرادات الأوقاف المنذورة للتوزيع في الجزيرة العربية. أما وسط القافلة فيضم محامل النساء والبضائع ومؤونة الطريق، وتنتهي القافلة بحشد الحجيج.كما يحرص أمير الحج على التنظيم في القافلة، ففي مقدمها نجد المجموعة الخاصة بالتمويل والمرشدين والطباخين والخبازين والسقائين، ويتبعهم مجموعة القادة العسكريين والأعيان ثم النفائس والأموال (صرر و فاطمة) تحت حراسة مشددة، وبعض إيرادات الأوقاف المنذورة للتوزيع في الجزيرة العربية. أما وسط القافلة فيضم محامل النساء والبضائع ومؤونة الطريق، وتنتهي القافلة بحشد الحجيج.وفي كل عام، بعد إتمام مراسيم الاستقبال في مكة، يهدي الأمير ثوبًا تكريميًا لشريف مكة، وبالتالي فهو يؤكد على مقامه – كتابع – لنائب الملك. وقد لاقى هذا التدخل في الشؤون الداخلية للحجاز مقاومة متنوعة، كما أن وجود محمل الحج في القافلة المصرية دون سائر القوافل قد اثر غبطة وحفيظة السلطات المنافسة، علاوة على أن القافلة المصرية تجذب كل سنة ثروات كبيرة. قدر لودوفيكو دي فارتيما، أول رحالة أوروبي دخل الأراضي المقدسة في مطلع القرن السادس عشر، عدد البعير ب 63000 في قافلة المحمل. كما وصف التاجر البولوني مكة في ذلك الوقت بأنها مدينة ثرية وأغلب مؤونتها يأتي من البحر الأحمر، فقد طورت الدولة المملوكية ذلك في الوقت الذي استطاعت فيه أيضًا أن تكتسب لصالحها حركات التبادلات التجارية – من ذهب وقطن وأحجار كريمة وبهارات – من الحجاز، علما بأن الإبحار في شمال البحر الأحمر كان صعبا بسبب وجود أرصفة المرجان وهبوب الرياح العكسية، وبالتالي فقد أضحى ميناء جدة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر نقطة مهمة لنقل البضائع وشحنها باتجاه المراكز العمرانية في العالم الربي الإسلامي وأصبح نقطة تبادل مركزية بين الهند ومصر.نظرة مقارنة "لسياسات الحج" العثمانية والمغولية في العصر الحديث بدايةالقرن السادس عشر الذي شهد توطد أركان الإميراطوريات العثمانية والمغولية، تعرضت المدن في الحجاز بشكل مباشر إلى تهديد السفن البرتغالية التي حرصت على احتكار تجارة التوابل. وعندئذ منح شريف مكة السلطة على الحجاز للسلطان العثماني سليم الأول الذي فرغ لتوه من فتح القاهرة في عام 1516، وإن كانت هذه إشارة رمزية لكنها تهدف إلى إضفاء مزيد من الشرعية إلى المملكة غير العربية الراغبة في توطيد سلطتها "كقوة إسلامية"، تماما كما حصل عند نقل شعارات الخلافة إلى الدولة العباسية أو الدفاع عن المنهج السلفي السني إزاء الصفويين الشيعة في بلاد فارس. ويأتي التدخل القوي للعثمانيين في تنظيم الحج في إطار البحث عن الشرعية كما يساعد في الوقت ذاته هذه الإمبراطورية الناشئة، التي يقع مركزها السياسي في اسطنبول وهو أبعد ما يكون عن الديار المقدسة، في تأكيد سيادتها على حدود الدولة. وعلى غرار أنواع الحج القومي في أوروبا الحديثة، يعد الحج، بطريقته الخاصة، جزءًا مكونًا من هوية الدولة العثمانية الحديثة وتشكيلها. ابتكر الخلفاء العثمانيون في مسألة تنظيم الحج حرصًا منهم على الاستمرارية في سياساتهم، فبصفتهم خدام الحرمين الشريفين عملوا على الدفاع عن أسبقيتهم من خلال انتهاج سياسة مكرمات نشطة، فوسعوا من الأوقاف المخصصة لإعانة الفقراء في الحجاز، وخاصة في مصر حيث أدمجت قرى زراعية جديدة في نطاق الأوقاف لزيادة توصيل محاصيل القمح. وتنطلق كل عام من السويس بواخر محملة بالحبوب لتموين الحجاز. وحصل أصحاب الوجاهات الدينية على عدة امتيازات على هيئة هدايا أو أعطيات من الفضة. كما جرى تزيين الديار المقدسة بحملات واسعة فكان لا بد لأي بناء أو تصليح جديد من الحصول ترخيص من خليفة اسطنبول كما هو الحال بالنسبة إلى قناة زبيدة التي تم إصلاحها عدة مرات. واستحقت هذه المقاطعة بفضل صفتها الدينية الخاصة عدة امتيازات استثنائية كالإعفاءات الضرائبية أو الإعفاء من الخدمة العسكرية. لكن هذه الفترة شهدت أيضًا تنافسًا كبيرًا على مستوى الثروات بين القوى الإسلامية كالإمبراطورية الفارسية ومملكة المغرب والإمبراطورية المغولية. فقد اعتاد مثلًا المسلمون الهنود إعطاء أشراف مكة هبات ذهبية وفضية ويبدو أن فترات تعاقب إعطاء الهدايا تسارعت تحت ضغط من الأشراف أنفسهم الذين أوفدوا كل عام ممثلين عنهم إلى دلهي للحصول على أعطيات خاصة للديار المقدسة. وقد عمل الأباطرة والأمراء المغول طيلة فترة غزواتهم على الحفاظ على، بل توسيع، الوصايا الوقفية الخاصة بالدول الخاضعة لهم كدار الرعاية في مكة التي شيدته ولاية جوجرات لكي يكون مدرسة ومأوى للحجاج. ولكي تظل المكرمات العثمانية بلا منافس فقد اضطر أشراف مكة في الغالب، بضغط من الولاة العثمانيين لرفض التبرعات الأخرى.ويشكل تأطير عملية التنقل جانبا آخر "لسياسة الحج" هذه، فقد أُبقِيَ على الوظائف الأساسية للمحمل المصري وعلى تنظيمه على حساب تغيير في رمزيته فعند مراسيم انطلاقه لم يعد السلطان هو من يدشنها وإنما يكتفي بممثله والي القاهرة الذي يتولى دور حادي ناقة الرسول فيوكل إلى أمير الحج مهمة قيادة القافلة المقدسة وتبليغها مقصدها. وانتقلت نقطة انطلاق طريق الإمبراطورية من القاهرة إلى دمشق، وبدلًا من وصلها مباشرة بإسطنبول صارت العاصمة السورية المحطة الرئيسة للحجيج الوافدين من المشرق ومدخل أوائل الحجيج الأوروبيين إلى الجزيرة العربية. كما أضحت ملتقى تجاريًا ومن هنا كان الدور التجاري لهذه القافلة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعندئذ تولت قافلة الشام المسماة بالركب الشامي تمثيل السلطان في الحج وتوصيل الهدايا التي أرسلها السلطان إلى سكان الديار المقدسة، فضلاً عن الكساء الذي ينقله المحمل والمخصص لتغطية قبر الرسول في المدينة. ومع أن الركب الشامي يطالب بأسبقيته على الركب المصري في شعائر عرفات كذلك ويقتبس من طريقته العامة في التنظيم. وثمة فارق وحيد يتمثل في أن عمال القافلة الذين من بينهم الأمراء المكلفون بتمويلها وتزويدها يتم تبينهم من قِبل الوجهاء الشاميين أما مهمة أمير الحج فتوكل إلى ممثلين من العائلات الكبيرة وليس ضباطا تعينهم السلطة المركزية. لكن هذه السمة المميزة تتلاشى نتيجة لضعف الإمبراطورية في القرن الثامن عشر فصارت حكراً على باشا دمشق لوحده. ينبغي التقليل من حدة هذا التركز الجديد نظرًا للاستقلالية الكبيرة التي امتازت بها بقية مقاطعات الإمبراطورية في تنظيم قوافل حجيجها. فكل عام كان يحتفظ داي الجزائر أو باي تونس بالحق – الشكلي‑ في السماح بانطلاق قافلة الحجاج من رعاياهم وكانت تضبط فترة سفرة القافلتين الرسميتين المكلفتين بتسليم أموال الأوقاف المنذورة لفقراء الحجاز بحيث تصلان بالضبط في الفترة ذاتها إلى القاهرة. وعلى غرار المحمل المصري كانت مصاريف أمير الحج وعماله فقط مكفولة من جانب السلطات العامة، أما الحجاج المرافقون للقافلة ويقدر عددهم بين 300 و 400 في مطلع القرن التاسع عشر في ولاية الجزائر فقط فكل يتحمل تكاليف احتياجاته. انطلاق القافلة في الجزائر في حفل مشهود يسلم فيه وكيل أوقاف مكة والمدينة إلى المفتي المبلغ المخصص للفقراء في الديار المقدسة والذي يتم توزيعه لأسباب أمنية على ما يبدو بين كافة الحجاج الحاضرين في القافلة. ثم يقوم ممثل بيت المال باستعادة القيمة الاسمية من المستفيدين من هذه المعونات، بحدود الثلث للفقراء في مكة والثلثين لفقراء المدينة ومن بينهم عدد كبير من أهل المغرب. تأسيس الصرة في فترة ملك الحفصيين (1207–1574) وصارت تمثل المؤسسة المركزية للحج التونسي، ويتم تسليمها في العادة بحضور شريف القيروان وكبار العلماء ورؤساء المشيخات المجتمعين في بلاط الزيتونة في تونس إلى رئيس القافلة التونسية، فضلا عن أوراق اعتماده لدى شريف مكة الذي يعتبره بمثابة سفير، وتخصص تلك الأموال للفقراء في الديار المقدسة.أما قوافل الإمبراطورية المغولية فتخضع لاعتبارات مختلفة، فلا تسلك في العادة طريق البر بسبب العلاقات المتوترة مع بلاد فارس الصفوية أما النقل البحري فقد شهد في المقابل تطورًا حاسمًا بعد حيازة (أكبر) على ولاية جوجرات في عام 1572. أما ميناء شرات فقد أصبح أول مينا لنقل الحجيج إلى الأماكن المقدسة بمعدل 15 ألف مسافر سنويًا وهذا الرقم سيختلف قليلا لاحقًا، وبالتالي صارت الطريق البحرية، المسماة أيضا "طريق الجنوب" مسلكًا هامًا للحج إلى مكة. وعلى شاكلة السلاطين العثمانيين حاول الأباطرة المغول وبنجاح جزئي تأمين هذه الطريق البحرية من القراصنة فقد كان الإمبراطور أكبر حريصًا على تقوية الأسس الإسلامية لنظام حكمه فعمل على تنظيم أول قافلة رسمية باسم الإمبراطورية المغولية وبقيادة ضابط رسمي بصفته أمير الحج. في عام 1576 استأجرت السلطة الرسمية الباخرة "إلهي" خصيصًا وتحملت كافة نفقات الحج، ولئن تراجع الإمبراطور في النهاية عن الذهاب إلى الحج بنفسه إلا أن زوجته سليمة سلطان بيجوم Salima Sultan Begum ذهبت نيابة عنه. وهذه المبادرة ليست الأولى من نوعها، فقد تعود سلاطين جوجرات وبعض الأعيان على استئجار سفينة أو عدة سفن للسماح للحجاج الفقراء بأداء مناسك الحج بدلا عن الحجاج الأغنياء غير الراغبين في تجشم عناء السفر البحري، وقد حافظ خلفاء أكبر على هذه العادة، وخاصة شاه جاهان، فقد شهد كل عام من فترة حكمه رحيل سفينتين محملتي بالحجاج إلى مكة بقيادة أمير الحج، وهذه الوظيفة لم تكن لها الفترة الدورية ذاتها في إمارة الحج العثماني، فقد يتولاها أحيانًا أحد الأعيان بهيئة خدمة يسديها بنفسه ولا تعد أبدًا منصبًا منشودًا أو عاملًا مساعدًا على تسريع الترقية المهنية. بل على العكس من ذلك، كان بعض الأعيان الهنود يرون أن الذهاب إلى الحج مع القافلة يعادل إقصاءًا الغرض من إبعاد الأشخاص غير المرغوبين أو المشكوك فيهم من بلاط أجرا Agra.هذان "الأنموذجان" للقوافل الرسمية يخضعان إذن لاعتبارات سياسية متباينة جدًا ولها تأثيرات في مواقف الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية باعتبارهما ورثة الإمبراطوريتين. وبالتالي كان لزامًا اعتبار قوافل مصر وسوريا في الأساس على أنها نوع من إظهار السادة، كما أن فكرة المحمل ترمز إلى حماية السلطان للحج والى حضوره في شعائر عرفات، فيجب أن يكون تواجده قويًا. كما أن تنظيم المحمل الدقيق جدًا يدل على التدخل غير المباشر لإسطنبول في شؤون الحج، أما السياسة المغولية بخصوص الحج فكانت تشبه أكثر عملا خيريا على هيئة رعاية رسمية بغرض مساعدة الحجاج الفقراء على أداء فريضة الحج المقدسة مرة واحدة في العمر. لكن السلطات العثمانية انتقدت هذا الموقف بشدة واضطرت لإخراج الكثير من جموع الفقراء من الحرم. صحيح أن هنالك "خدمات خيرية" في القوافل السورية والمصرية ولكن الحجاج الفقراء يشكلون نسبة استثنائية وتقتصر المساعدة المقدمة على الأشياء الضرورية فقط. ولنضف إلى كل ذلك أخيرًا أن القافلتين لم تكونا تنطلقان في التوقيت الزمني ذاته فرحيل قوافل مصر وسوريا يتبع التقويم القمري وهدفهما الوحيد هو الوصول في الوقت المناسب لأداء الشعائر، أما السفن الهندية فمحكومة بحركة الرياح الموسمية التي تحول دون أي انطلاق بين شهري يونيو وسبتمبر وبالتالي تخضع للتقويم الشمسي كما هو الحل بالنسبة إلى التجار أيضًا، وهنا يظهر لنا مثل آخر على الانفصال بين التوقيت الديني والتوقيت التجاري. وعليه فإن القوافل الهندية لم تكن تتميز بمثل انضباط قوافل القاهرة أو دمشق التي تنطلق في يوم معين بين 16 و 20 من شهر شوال، وهذا لا يعني أن الحجاج الهنود لم يكونوا يلتزمون بطقوس خاصة فعند وصول أي إمبراطور جديد يقوم مثلا بتنظيم الحج الرسمي.حج في عصر "السلام العثماني"اكتسب الحج العثماني في الحقبة المعاصرة أهمية لا سابق لها فقد أصبح العثمانيون المسيطرين على طرق الحج والمتحكمين في مداخلها ومخارجها مما أثار غبطة الآخرين، فصار طريق البصرة مثلًا يفتح ويقفل وفقًا للتوترات السياسية نظرًا للاتهامات الموجهة إلى الإمبراطورية الفارسية بإرسال جواسيس يعملون لصالحها من هناك. كما تم تأمين الطرقات البرية بفضل الانتشار الكثيف للقوات العسكرية وبناء الحصون على طرقات الحج ودفع المساعدات التالية السنوية للقبائل البدوية. وتمت إدارة عملية دفع المساعدات هذه بطريقة لامركزية، فتستقطع الأموال من موازنات المحافظات السورية والمصرية وتدور هذه الأموال في إطار صفقات سنوية بيد أمير الحج وشيوخ البدو. دلالة هذا الأمر تختلف من الجانبين فالعثمانيون يعتبرون هذه الأموال مقابل تأمين طرقات الحج بينما يراها البدو مكافأة لهم على خدماتهم المقدمة للحجيج طيلة ارتحالهم. كما تختلف المبالغ المدفوعة تبعًا لدرجة الاستقرار السياسي للمنطقة، غير أن علينا النظر بطريقة نسبية لمسألة أمن هذه الطرقات فالقوافل القادمة من اليمن والعراق مثلًا لا تستفيد من تسهيلات التوجيه كما هو الحال في المحمل الحج المصري أو السوري. كما تجسدت الصعوبات الخارجية التي واجهتها الإمبراطورية العثمانية في القرن السابع عشر بضعف سلطتها وعودة الهجمات البدوية، فبين عامي 1700 و 1780، تم تفريق قافلة دمشق أكثر من 19 مرة، فضلًا عن الهجمة القاتلة جدًا في عام 1757 التي راح ضحيتها ألف حاج بسبب ضربات البدو.وبصرف النظر عن هذه الحوادث، فقد ولدت فترة "السلام العثماني" تطورًا غير مسبوق في الحج، إذ قدر الرحالة التركي شلبي إيفيليا Celeby Evliya عدد الحجاج الواقفين في عرفات في منتصف القرن السابع عشر بمائتي ألف حاج. وشكل الهنود أكثر الحشود الحاضرة في الحج بمعدل سنوي يبلغ 15 ألف حاج، أما قافلة القاهرة فتضم حوالي 40 ألف مسافر مقابل 30 ألفًا في قافلة دمشق. سهلت المواصلات المريحة نحو الديار المقدسة وفي داخل الحجاز انتعاش حركة التبادلات التجارية من كافة الأنواع كما تشهد على ذلك روايات الحجاج المغاربة. ذهب الحاج المغربي العياشي Al‑Ayyashi (1679 ‑1628) ثلاث مرات إلى الحجاز في الأعوام 1649 و 1653 و 1661 ومكث عدة أشهر في مكة والمدينة وفي القدس والقاهرة. وشارك في كل محطة في النقاشات الدينية في تلك الفترة. يبدو أن مكة والمدينة قد حلت في مستهل القرن الثامن عشر محل بغداد كأول مركز صوفي في العالم الإسلامي، إذ توافد الطلاب من أنحاء دار الإسلام إلى الأماكن المقدسة لطلب العلم على يد المشايخ الصوفيين ومشاهير العلماء، وهكذا الحال مع الشيخ الجزائري محمد بن عبد الرحمن الجتشتولي، مؤسس الأخوية الرحمانية، الذي ذهب إلى هناك قرابة العام 1740 للحج أو الشيخ المغربي أحمد بن محمد التيجاني بعد ثلاثين عامًا من ذلك. امتازت الأخوية النقشبندية بتأثير ملحوظ في الحياة السياسية والدينية، وعلى هذا المنوال تتلمذ المؤسس القادم لمدرسة دلهي، شاه ولي الله (1703‑1763) أثناء إقامته المكية بين عامي 1731 و 1732.وإضافة إلى تناقل الأفكار تطورت حركة تبادل البضائع، كما يقول المثل العربي "حج وحاجة"، فقوافل القاهرة ودمشق المعفية من الرسوم الجمركية تحمل معها البضائع والأموال النقدية الذهبية والفضية المتوجهة إلى أسواق جدة ومكة. شكل عقد الثمانيات 1780 من عدة أوجه أزهى الفترات على صعيد الثراء التجاري. في عام 1789 قدر السفير البريطاني قيمة التبادلات التجارية بثلاثة ملايين جنيه إسترليني منها مئة ألف تخص قافلة مصر لوحدها. جرى تبادل المرجان واللؤلؤ وعنبر البحر الأحمر مقابل الملابس والتوابل الهندية، لكن ميناء مخا اليمني المدعوم بالرغبة الأوروبية المعاصرة آنذاك في شرب القهوة جعلته يحل تدريجيًا محل ميناء جدة.وأسهم الحجاج أنفسهم في هذا الازدهار فقد أنفق الحاج الهندي صافي بن والي قزوين الذي ذهب إلى الحج عام 1676‑1677 بفضل المكرمة المقدمة من بنت أرانجزاب Arangzab، في الحجاز أكثر من ألف روبية. اظهر الجرد الذي قام به جي فاسنتشتاين Gilles Veinstein بعد وفاة الحجاج في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن ممتلكات الحجاج تتجاوز بكثير الحد الأدنى المطلوب للسفر الزاهد. ومع أن الحجاج والتجار يسيرون سويًا لكنهم لا يختلطون في أنشطتهم فتجارة الحجاج هدفها الأساسي تزويدهم باحتياجات إقامتهم نظرًا لارتفاع الأسعار في الأسواق المكية أما التجار المسلمون فسيتقيدون من الحجاز لأداء فريضة الحج لكن هدفهم الأول يظل ميناء جدة المخصص لتجارة الجملة في البحر الأحمر. وفي داخل هذه الجماعة التجارية للبحر الأحمر يشغل الهنود من جوجرات مكانة بارزة ولكن يصعب تقييم أهميتهم بالضبط. في عام 1810، كان هنالك قرابة 25 مقيمًا من البنيان في المخا وهي محطة تجارية أهم من جدة. هؤلاء يمثلون شركات التجارة الهندية ويقومون أحيانا بدور الوسيط في الإقليم لصالح الشركة الانجليزية للهند الشرقية التي تضاعفت أنشطتها في المحيط الهندي منذ غزو البنغال في عام 1757.الفترة 1798‑1865: عندما كانت أوروبا تجهل الحجيرجع الاهتمام الذي أولته أوروبا لضفاف البحر الأحمر بصفة أساسية إلى أهميته التجارية، فالبرتغاليون اعتبروا هذا البحر شريانًا هامًا للطريق الهندي ولكنهم لم ينازعوا السيادة العثمانية عليه. بالتوازي مع ذلك، كان اكتشاف المناطق النائية للجزيرة العربية نتيجة للأفعال الشخصية المنفردة كالبولوني لوديفيكو دي بارتيما Ludovico di Varthema في عام 1516 والانجليزي جوزيف بيتس Joseph Pitts وكان سجينا لدى قرصان من الجزائر في عام 1678 وأجبر بالقوة على أداء الحج. لقد أطلق عصور الأنوار الرحلات العلمية بفضل الدنماركي كارستن نيبور Carsten Niebuhr، لكن مطلع القرن التاسع عشر، وبفضل رحلة باديا و ليبليش Badia y Leblich باسم مستعار علي بيه في عام 1806 كانت السبب في تعميم السرد المعلوماتي، وليس التجسس، والذي شهد ازدهارًا كبيرًا طيلة القرن التاسع عشر. وكان لابد من حصول المواجهات الفرنسية البريطانية الأولى في الإقليم المرتبطة بحملة بونابرت على مصر وبتطور الملاحة البخارية ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشر حتى يتم اعتبار هذا المحور استراتيجيًا فعلًا. لكن الحج ورغم استغلاله أحيانًا من قبل القوى الدولية إلا أن دوره كان هامشيًا، وبدأت القوى في الاهتمام بالأماكن المقدسة الإسلامية بعد مذبحة القناصل في جدة عام 1858 وتطور التهديد الوبائي للكوليرا القادم من المحيط الهندي.تنافس الفرنسي البريطاني في البحر الأحمر في النصف الأول للقرن التاسع عشرب ونابرت ومحمد علي: إقليم استراتيجي وحجاج عسكريون اهتمام فرنسا بالبحر الأحمر بحملتها على مصر عام 1798 فعندئذ كان المجلس الرئاسي الفرنسي يسعى لإرسال الجنرال المزعج بونابرت إلى جنوب البحر الأبيض لإلزام انجلترا على مفاوضات السلام من خلال تهديدها مباشرة في مصالحها التجارية مع الهند. شكلت هذه الحملة العسكرية أول مواجهة بين الجمهورية الفرنسية والإسلام في إطار مشروع استعماري مشبع بإيديولوجيا الأنوار، فكان الحج إلى مكة أحد العناصر الاستراتيجية التي عمل المستعمر الفرنسي على إبرازها لكسب تعاطف المسلمين، فعلى الرغم من سيطرة البريطانيين على البحر الأبيض المتوسط إلا أن حضورهم على البحر الأحمر كان قليلا. سعى بونابرت، حاكم مصر، لإظهار نفسه كداعم للحج إلى مكة لدى شريف مكة وشجع على انطلاق محمل الحج وحافظ على تزويد الحجاز بالقمح. ولئن كانت الحملة على مصر قد باءت بالفشل إلا أنها سجلت نقطة الانطلاقة للمنافسة الفرنسية البريطانية في دار الإسلام، وفي مطلع القرن التاسع عشر كان الرهان لا يزال قليل الجدوى فطريق رأس الرجاء الصالح لا يزال الطريق المفضل للبواخر الإنجليزية لأنه لا يلزمها أي انقطاع في السير عبر الطرق البرية. وصول محمد علي إلى منصب نائب الملك المصري في 1804 غير المعادلة، فعلى مستوى السياسة الداخلية حاول محمد علي تحديث الدولة معتمدًا على المستشارين الفرنسيين والضباط والأطباء والمهندسين ومن بينهم عدد كبير من أنصار التطوير السيمونيين Saint‑simoniens. كان الفرنسيون يرون في محمد علي امتدادًا لعمل بونابرت، ففضلا عن الإصلاحات السياسية والعسكرية والصحية التي أطلقها على نطاق واسع، قاد بتطوير سياسية البنى التحتية وشجع الدور التجاري لميناء الإسكندرية بربطه بالنيل من خلال قناة المحمودية، فاستعادت حركة التبادلات أنشطتها بين البحر الأبيض والبحر الأحمر وبدأ التفكير في ربط القاهرة بالسويس عبر السكك الحديدية. محمد علي ظهر في أعين كثير من المسلمين على انه محرر المدن المقدسة، فقد استولى الوهابيون على الحجاز مرتين، الأولى في 1803 والثانية في 1805‑1806، وقد تركت فترة الاحتلال هذه آثارًا دائمة في الأذهان، فعلاوة على تدمير الأضرحة المقدسةـ فرض الوهابيون نظاما صارما بتوجه حنبلي وحظروا استخدام التبغ وممارسة الشعائر الصوفية. لكن الفاجعة الأكبر كانت نهب قبر النبي حيث كانت تتكدس الكنوز التي يرسلها الأمراء المسلمون والعثمانيون والهنود، فضلا عن سيف هارون الرشيد وعقد زبيدة. كما منعت كثير من قوافل الحج من التوجه إلى الديار المقدسة هذا إذا لم تتعرض أصلا إلى النهب والسلب، وقد نجح محمد علي في قمع الوهابيين عام 1812‑1813. وقد كرس حج عام 1814 عودة السيادة المصرية على الحجاز، وعلى غرار هارون الرشيد، حرص محمد علي أن يتقدم بنفسه، معتمرًا ثياب الإحرام، مناسك الحج الذي أشبه ما يكون عندئذ بالحج الحربي المصحوب بالقافلة المصرية المكونة من العسكر فقط تقريبًا. وللمرة الأولى في تاريخ محمل الحج، تم توجيهه عبر البحر من السويس، وهنا زادت حدة المنافسة على الأسبقية بين المحمل المصري والسوري لأنها تعكس على المستوى الرمزي التنافس المتزايد بين القاهرة واسطنبول.وقد عرفنا عن هذا الحج بفضل الرواية باللغة الانجليزية التي تركها لنا الكشاف السويسري جوهان لودفيج بوركارت Johann Ludwig Burckhardt (1817‑1784) الذي رافق الجيوش المصرية منتحلًا هوية مسلم هندي اسمه إبراهيم بن عبد لله. وعلى شاكلة رحلة ابن جبير عند الرحالة العرب، أضحى هذا النص معيارًا في فن أدب الرحلات عند المستشرقين والدبلوماسيين الأوروبيين، ولم يخل أوجه الشبه بينها ورواية الرحالة الأندلسي، إذ نجد فيها تفاصيل دقيقة، معززة بمخططات، لمدينة مكة ومعالمها ومناخها وسكانها وعاداتهم. وقام الرحالة بدور الباحث الأنثروبولوجي عندما واتته الفرصة أثناء إقامته في مسكن أحد التجار اليمنيين المرافق لحجاج مغاربة قدموا على متن باخرة، فراقب جموع التجار والحجيج التي تتوافد على المدينة المقدسة وقام بتحليل سلوكياتهم. في مكة، تلك المدينة الثرية والنظيفة موطن تضارب الأقدام، تظهر التباينات في الغنى على نحو واضح، فإلى جوار الحجاج الفقراء المقيمين في خيام بدائية يحتشد الإسلام التجاري حيث يعرض الأتراك نسخا فاخرة من المصحف الشريف بينما تخصص الهنود في بيع الأقمشة والعطور وسائر المنتجات الراقية. اتسمت نظرة بوركهارت إلى الأماكن المقدسة الإسلامية بالحيادية ولم تكن تهدف سوى لرسم لوحة دقيقة للوضع في الحجاز ولرفع مستوى المعارف. وقد كان من أوائل من دحضوا الأحكام المسبقة القروسطية التي راجت بين الأوروبيين عن الأماكن المقدسة كأسطورة القبر الطائر لمحمد. ولم يكن في قصده أبدا الإقرار على أي مشروع استعماري وإنما تطرق عرضًا للوضع المأساوي للحجاج الهنود الذين ذهبوا دون مؤونة كافية إلى الحج.كانت القوي التوسعية الوحيدة في البحر الأحمر عندئذ متمثلة في مصر بقيادة محمد علي الذي أشرف على ضفتي البحر منذ حملته على السودان عام 1820‑1822، وفي عام 1831، غزا ابنه إبراهيم باشا سوريا وهدد اسطنبول التي كان الأوروبيون يسمونها حتى ذلك الحين القسطنطينية. وإزاء هجمات الباب العالي التي حشدت ورائها السلطات الدينية، طرح المصريون عندئذ فكرة – أفادت الأجيال القادمة – بتنصيب خليفة منافس وتولية شخص الشريف الهاشمي في مكة وهو من السلالة النبوية. وبضغط من روسيا وبريطانيا العظمى تم الوصول إلى اتفاق تسوية أخيرًا في عام 1833 تتولى بموجبه مصر إدارة الأقاليم الواقعة تحت هيمنة السلطان. وفي أثناء ذلك، أسس إبراهيم باشا إدارة مركزية جديدة في دمشق أثارت استياء الرعايا النصارى والمسلمين ووصلت شكاواهم إلى مسامع قناصل فرنسا وانجلترا. في أبريل 1839، عاود العثمانيون الأعمال العدائية لكن الهزيمة الساحقة التي منيت بها جيوشهم أجبرت تلك القوى على فرض تحكيمهم. وجدت فرنسا نفسها، وهي الحليف التاريخي للمصريين، معزولة عن المشهد الدبلوماسي وبلغ التوتر القرنسي البريطاني ذروته، وأخيرا تم توقيع معاهدة في يوليو 1840، تحت تأثير اللورد بالميرستون Lord Palmerston، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، تعيد بموجبها كافة الأقاليم العربية إلى الإمبراطورية العثمانية، باستثناء مصر التي أوكلت بصفة توريثية إلى خديوي (نائب الملك) مصر. وهنا سنحت الفرصة للدبلوماسية البريطانية لصياغة مذهبها الجديد حول "الاستقلالية وسلامة الأراضي": فالإمبراطورية العثمانية بصفتها القوة المهيمنة على طريق الهند يجب أن تحافظ على سلامة أراضيها، في ظل غياب أي قوة بديلة، على أن تتحمل هذه الإمبراطورية الشروع في برنامج إصلاحي على الطريقة الأوروبية مما فتح الطريق نحو الحقبة المسماة "التنظيمات". والقنصلية في البحر الأحم عام 1833، قام احد رواد السيمونية، موريس تاميززييه Maurice Tamisier، بزيارة إلى المشرق واستقبله في مصر نائب القنصل فردينان دو ليسيب Ferdinand de Lesseps وأيضا بارتيليمي بروسيبير أونفونتان Barthélémy Prosper Enfantin. أوكل إليه "الأب" مهمة استطلاعية في البحر الأحمر بشان احتمال شق قناة تصل البحرين، فتكون خطا واصلا بين الشرق والغرب، فرحل إلى الحجاز بصفته مساعدًا في مهمة صحية حيث أن الأماكن المقدسة أصيبت في عام 1831 بوباء الكوليرا. وبينما وطدت فرنسا وجودها في الجزائر، لم يكترث تاميزييه كثيرا لأحوال الحجاج المغاربة الذين لم تكن أعدادهم، كما يقول "كبيرة بما يستحق الاعتبار". وبالكاد أطلق بعض الاحتجاجات لدى رؤيته لبواخر الحجاج المحملة فوق طاقتها والقادمة من السويس، إذ كان بحارتها يمشون، أثناء توجيه السفن، "على جثث البشر كما لو كانوا أكياس بضائع". تعد قصة سفره إلى الحجاز من ضمن النوع الروائي الذي سار على نهج بوركهارت، فقد انطلق تاميزييه، كما فعل الرحالة السويسري، في عرض وصف لمدن الحجاز وعمل على تكذيب كافة الافتراءات المختلقة حول الكعبة. وكمفكر عقلاني، لم يشعر باي تعاطف خاص مع إسلام الأخويات و "التماثيل التي يبجلها الغربيون باسم القديسين والذين تحصرهم أوروبا في دور المجانين". لكن الغرض من سفره جعله أكثر اهتماما بالحركة التجارية التي تزدهر أثناء موسم الحج وخاصة المنتجات الفاخرة التي تأتي بها القوافل، كما لاحظ أن "نسبة التجارة عبر البر تميل للتراجع بسبب زيادة الرحلات البحرية الهندية والفارسية والإفريقية". ولم تكن المصالح التجارية الفرنسية غائبة عن المنطقة، فهي ممثلة في المزارعين من جزيرة لاريونيون La Réunion أو الشركة المرسيلية "Pastré Frères"، وهي من أكبر مستوردي القهوة من المخا. كانت هذه الدوافع الاقتصادية الحافز كما يبدو على القيام بأول مشروعات تنظيم الحج الجزائري إلى مكة، فقد تسبب غزو الجزائر في عام 1830 بتوجيه ضربة قاسية إلى التجارة عبر الصحراء. تم تكليف نائب القنصل براكس Prax من قبل وزارات التربية العامة والتجارة والخارجية بمهمة استطلاعية فأكد اندهاشه من حجم التبادلات الاقتصادية التي تتم أثناء موسم الحج في مكة وقدر حجم هذه الأعمال الممكن استثمارها بين الجزائر والحجاز بمليونين فرنك. وليس من الغريب أن وزير المالية الفرنسي أراد في عام 1836 إلغاء الرسوم الجمركية على التدفقات التجارية الناتجة عن الحج، كما فعلت الإمبراطورية العثمانية. البريطانيين فسرعان ما تحركت شهيتهم في البحر الأحمر بفعل كسب الوقت الذي توفره المراكب البخارية، وفي عام 1820 كان لشركة الهند الشرقية ممثلٌ دائمٌ في المخا بينما تولى وكيل تجاري لمحمد علي هذه الوظيفة في جدة لحساب الشركة البريطانية. في عام 1829، قررت لندن فتح خط ملاحة بخارية بين بومباي والسويس ومده حتى الإسكندرية عبر السكة الحديدية. لكن تطوير الملاحة البخارية على نطاق واسع يتطلب تمويلًا مستمرًا بالفحم، وفي يناير 1836 وتحت ذريعة نهب إحدى سفن الحجيج رست الباخرة "Deria Dowla" في شرق عدن، وحصل القائم البريطاني على عدن من هذه المدينة استسلام أراضيها سلميًا في البداية ثم عسكريًا بعد ثلاثة أعوام. وعقب نابليون، جاء دور البريطانيين لاستغلال الحج إلى مكة لأغراضهم الإمبريالية. وانطلاقًا من إقامتهم في عدن الواقعة تحت سيطرة شركة الهند الشرقية، تشكلت بالتدريج شبكة من الوكالات في الموانئ الرئيسة للبحر الأحمر وجدة والمخا والسويس والقصير بغرض "تسهيل الاتصالات عبر المراكب البخارية بين الهند ومصر" وحصل أصحابها على صفة نائب القنصل من قِبل مكتب الخارجية. في عام 1837، أصبح ألكساندر أوجيلفي Alexandre Ogilvie أول نائب قنصل بريطاني في جدة، وقد وصف المستشرق الفرنسي فلوجونس فرينيل Fulgence Fresnel المتواجد في الحجاز مع الجيوش المصرية باختصار وصول أول قنصل نصراني إلى ميناء المدينة المقدسة قائلا"استقبلت جدة، الحامية القديمة للمدينة المقدسة بين جدرانها مندهشة قنصلًا أوروبيًا يرتدي الزي الأوروبي الحديث وقد أطلقت المدفعية الإسلامية 21 طلقة تحية للعلم الانجليزي عندما رفع على مقر إقامة القنصل". العام التالي، تكرس الحضور البريطاني في البحر الأحمر بتوقيع معاهدة تجارية مع الإمبراطورية العثمانية إذ يحق للرعايا والمحميين الإنجليز ممارسة التجارة الحرة مع كافة أقاليم الإمبراطورية كما تم إلغاء كافة الاحتكارات المعمول بها آنذاك.الحجة الإنسانيةفي ظل ازدهار التجارة، شكلت مكافحة الرق حجة لصالح تعزيز حضور بريطانيا العظمى في المنطقة، فمنذ عدة قرون كانت مكة تحتوي على سوق كبير للعبيد، الذي يأسرون أو يشترون في أفريقيا الوسطى والشرقية ثم يباعون إلى سكان الحجاز: إلى الشريف الكبير، إلى أئمة الجامع الكبير بصفتهم عبيد مخصيين أو إلى البدو – الرحل أو المستوطنين – الذين يستخدموهم كخدام في المنازل أو المزارع. أما الحجاج فقد لجئوا أحيانا إلى هذه التجارة لتغطية نفقات إقامتهم، وبالتالي شكلت موانئ جدة والحديدة ملتقيات هامة لإعادة التوزيع في الشرق الأوسط. لكن تمت تعبئة الرأي العام البريطاني في مستهل القرن التاسع عشر من خلال قضية تحرير العبيد وبضغط من التيار الإلغائي القوي المتميز "بتشدده النضالي". أدى وصول الويجز Whigs إلى السلطة إلى تبني قانون عام 1833 حول إلغاء الرق في المستعمرات البريطانية. شكل هذا الانتصار في أعين صانعيه مرحلة أولى نحو الإلغاء الكلي للرق فأصبحت هذه القضية مبرراً إنسانيًا للتوسع البريطاني. وفي عام تم توقيع معاهدة بين إنجلترا وسلطان زنزبار Zanzibar تقضي بحظر بيع الرقيق من ذوي الأصول الأفريقية الشرقية إلى الجزيرة العربية والخليج الفارسي. لكن هذه الإجراءات لم تشمل التجارة الصحراوية باتجاه البحر الأبيض المتوسط وهي أكبر مورد للرقيق في الإمبراطورية العثمانية. كما أن هذه الإمبراطورية التي تمكنت للتو من إعادة بسط هيمنتها على الحجاز بعد التسوية الثانية لقضية الشرق عام 1839‑40 تجنبت اتخاذ تدابير صارمة بشأن هذه المسألة.لكن الدعم البريطاني أثناء حرب جزيرة القرم غير المعادلة، ففي عام 1855 أمر الباب العالي حاكمها في الحجاز بوقف الاتجار بالرقيق، وفي العام التالي، تزعم الشريف المكي عبد المطلب ثورة أدت إلى عزله. وفي يناير 1857 صدر فرمان يمنع رسميا تجارة الرقيق في الإمبراطورية وقد شجع هذا المنع البحرية الملكية على مضاعفة أنشطتها في المحيط الهندي والبحر الأحمر. وكانت الأنظار متجهة بكثرة صوب موانئ زيلا على سواحل الصومال وسكيم Souakin نهاية الطريق السوداني للحج وميناء مصوع في إريتريا المسمى بـ"زنزبار البحر الأحمر".وفي سياق مكافحة العبودية، أسهم فتح المكاتب القنصلية في جدة في إضفاء مضمون إنساني أكثر على الحج ولا شيء يوضح هذا الوعي أكثر من روايات الأسفار لضابطين استعماريين: ليوم روش Léon Roche من الحرس الوطني في الجزائر و ريشار فرونسيس بورتون Richard Francis Burton من الجيش الهندي. فبفارق 12 سنة بينهما، ذهب كل منهما في مهمة ذات دوافع مختلفة، فروش كلفه بوجو Bugeaud عام 1841 بتعميد فتوى لدى علماء المراكز الدينية في المشرق تدين الجهاد الذي يقوم به عبد القادر وتقر بالهيمنة الفرنسية على الجزائر شريطة مراعاة حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين. في ديوان ذكرياته المسمى "اثنان وثلاثون سنة في رحلتي عبر الإسلام" (1832‑1864)، أكد الضابط أنه ذهب عدة مرات متتالية إلى مجمعات العلماء في القيروان في تونس والأزهر في القاهرة حيث نصحوه بالتوجه إلى مكة لأخذ رأي كبار المشايخ المجتمعين في موسم الحج. يبدو أن الكابتن برتون كان متحمسًا بدافع المغامرة عندما حصل على موافقة الشركة الجغرافية الملكية على مشروع اجتياز الجزيرة العربية من مسقط إلى جدة، فسافر تحت هوية مستعارة لطبيب هندي ثم درويش أفغاني حتى وصل الضابط الانجليزي إلى ميناء الحجاز عام 1853. لكن روش وبورتون كانت لهما، خلافًا لسابقيهما، نظرة إنسانية في الأساس عن الحج.عند ركوب ليون روش في السويس صرح بأنه مصدوم "بالمعاملة غير الإنسانية المتمثلة في تكديس حجاجنا الجزائريين، كقطعان المواشي، في السفن التي تنقلهم إلى مختلف موانئ البحر الأحمر"، وطلب عندئذ من بوجو أن يعيد تحديد طبيعة مهمته الأولية إلى "مهمة إنسانية". وقد شهد في الحجاز على وصول الحجاج الذين سافروا "بحوالي مائتين شخص على مركب سعته القصوى خمسون (...) ولم يكونوا يقتاتون سوى الكعك الجاف ولا يحصلون على الماء الضروري إلا مقابل المال حتى لا يموتوا عطشًا". دفعته تحقيقاته أثناء الحج إلى اكتشاف كيف يتمكن الجزائريون من إخفاء هويتهم ليتجنبوا أي نوع من المضايقات والمعاملات السيئة. ويرى روش أن هذا بلا شك "وضع مسيء جدًا لهيبة فرنسا". وقد شاركه الكابتن برتون استنكارا مشابها من المصير المحتوم للحجاج الهنود وخشي أن الوضع السيئ لهؤلاء الحجاج قد يدفع بالأمم الأخرى لازدراء القانون الانجليزي. وهكذا فإن الضابطين توصلا أخيرًا للإعراب عن خشيتهما من أن هذه الجموع المستاءة قد تشكل مذهبًا متعصبًا قادرًا على تهديد استقرار المستعمرات."قد يظهر بطل جديد للفكر الإسلامي في أفريقيا، كما كتب ليون روش، وسنتشاور عندئذ كيف نستعيد الشعوب الإسلامية المتعصبة".الوضع ذاته لكن ردود الأفعال متباينة. ففي المرحلة الأولى، طلب ليوم روش مقابلة الشريف الكبير محمد بن عون في الطائف ووعده باستخدام نفوذه لدى السلطات التركية والمصرية. لكن الضابط الفرنسي يرى أن مفتاح النجاح دبلوماسي في الأساس وهو مقتنع بأن "التمثيليات الدبلوماسية المسنودة بوقائع مؤكدة وموجهة من مكاتبنا الدبلوماسية إلى الباب العالي ونائب الملك، فضلًا عن التوجيهات المبلغة بها إلى وكلائنا في القنصليات في مصر وجدة" ستكفي لوقف هذه الفضيحة الإنسانية. وذهب برتون إلى أبعد من ذلك، فوجود خمسة عشر ألف مقيم هندي في مكة وجدة لا يعد مبررًا كافيًا لتحويل الوكالة البريطانية إلى قنصلية كاملة الصلاحيات؟ وأكثر من ذلك، أليس من الأولى سحق مقاومة الشريف وتمكين وكيل مسلم في مكة؟ وفي الحقيقة يتطلب تسوية هذه المسألة حلًا استعماريًا أكثر من كونه دبلوماسيًا، فإثارة قضية الحجاج الفقراء والدعم المقدم لهم يساعد برتون على إبراز المشكلة البنيوية للحج الهندي المتوارية من الحقبة المغولية. يرى برتون أن على السلطات الانجليزية الهندية تنظيم عملية المغادرة إلى الحج من خلال إلزام كل حاج بتقديم إثبات على استطاعته المادية وحصوله على شهادة من نائب القنصل منذ لحظة وصوله الحجاز. لكن شركة الهند الشرقية لم تكن تنوي التدخل في شؤون الحج الإسلامي فعدم التدخل في هذه الحالة هو أقرب إلى الحذر.لم تكن قضية الحج الجزائري تطرح على النطاق ذاته، فلم يذكر روش في عام 1842 إلا حوالي مئة حاج جزائري شاهدهم هناك ومع ذلك دلت استجابة بوجو بشأن هذه القضية على نوع من تفضيل الوسائل الإدارية المباشرة. استلهامًا من التقاليد المعمول بها في الإدارة العثمانية، نظمت قافلة رسمية للحج في سفينة تقليدية خاصة بالدولة تتضمن حجاجًا تم اختيارهم بعناية بحيث تتحمل الدولة كافة نفقاتهم. لم تكن تهدف هذه المبادرة إلى إرضاء النخب بقدر ما تسعى لإقصاء الأفراد غير المرغوب فيهم. وفي الوقت الذي احتدم الصراع فيه مع عبد القادر كان للنظام العام الأولوية على أية اعتبارات أخرى، وظهر في النهاية أن هذه المساعي التنظيمية الأولية أنتجت عكس المراد لأنها شجعت كما يبدو الحج السري وتدفق موجات من الفقراء إلى مكتب نائب القنصل في جدة، وبالتالي تركت هذه الفكرة العام التالي.هاتان الطريقتان في التعامل مع الحج – من خلال الناي بالذات أو التدخل – تعد مؤشرات على المواقف المستقبلية للإدارات الاستعمارية الفرنسية والانجليزية في شأن الحج.الصحوة الإسلامية والكوليرا في مكة: خطران مختلفان أهمية الحج تظهر كرهان إنساني في النصف الأول من القرن التاسع عشر لكن الإمبراطوريات لم تكن ترى فيه تهديدًا مباشرًا حينئذ، غير أن مذبحة القنصلين الفرنسي والانجليزي في جدة عام 1858 التي ظهر فيها تعصب معاد للغرب، فضلًا عن ظهور الكوليرا في الأماكن المقدسة قد أسهمت جميعها في تغذية المخاوف لدى الأوروبيين من الحج، لكن هذين التهديدين كانا مختلفين منذ البداية."الصوفية الجديدة" والوهابية: عناصر الصحوة الإسلامية أشرنا عند ذكرنا للحج العثماني حصول انتعاش روحي بفضل استعادة التبادلات، واتسم ذلك بتطور الأخويات في المراكز الدينية مكة والمدينة. لكن هذا التجديد تسبب في ردود أفعال، فكان من المعتاد أن يتتلمذ الحجاج القادمين إلى مكة على يد بعض المشيخات الصوفية، وكل مشيخة تعرض طريقة خاصة بتعليمها. وصف فضل الرحمن Fazlur Rahman هذه الممارسات بـ"الصوفية الجديدة" التي بدأت في الظهور ويشدد هذا التيار على حصرية الطريقة المحمدية فيما يخص التعليم الديني وانتقد بشدة تقديس الأولياء. بين الشيوخ الأكثر تمثيلا لهذا التجديد الصوفي نذكر المدني محمد عبد الكريم السمان (متوفى عام 1776) وهو مؤسس السمانية والهندي شاه ولي الله (1703‑1763) رئيس المدرسة الرحيمية. وقد مكث هذا الأخير في الديار المقدسة بين عامي 1731 و 1732 حيث تتعلم في الأخوية النقشبندية. ولطالما اعتقد من سيعرف على الدوام بمؤسس "مدرسة دلهي" بأن فشل المسلمين يرجع إلى عجزهم عن فهم الطبيعة الحقيقة للإسلام الذي ينبغي تصفيته من خلال إنهاء تقديس الأولياء ونبذ تأثير الممارسات الهندوسية في الشعائر الإسلامية والدعوة إلى العودة إلى التوحيد. لم يكن ينكر سلطة المذاهب الدينية ولكنه اعتزم فتح باب الاجتهاد أي التأويل الحر للنص القرآني وهذا التوجه جعله متقاربًا مع الوهابية التي اصطبغ بها شاه ولي الله أثناء إقامته في المدن المقدسة. المذهب الوهابي على يد الداعية المتنقل محمد بن عبد الوهاب (1703‑1792) الذي أسس لتصوره المتطرف للتوحيد فالله واحد لا شريك له، وبالتالي رفض مبدأ التوسل بالأولياء كما هو موجود عند الصوفية وفي الإسلام الشعبي. وبناءًا على نظرية التكفير فقد كفر كل المسلمين الذين لا يتبعون التعاليم الصافية للشريعة الإسلامية وبدأ بتكفير الشيعة. وجدت الوهابية امتدادها السياسي في التحالف المبرم عام 1745 بين ابن عبد الوهاب واحد أمراء الحرب، محمد بن سعود، أمير نجد في الجزيرة العربية الوسطى. كانت المبادئ السياسية للوهابية مستوحاة من كتابات ابن تيمية (1263‑1326) وتسعى لإقامة دولة جديدة تطبق الشريعة. يرى المؤرخ حمادي ريديسي Hamadi Redissi أن الوهابية ليست سوى الفرقة الأخيرة القروسطية والبدعة الأولى الحديثة في العالم الإسلامي وقد ظهرت على خلفية أزمة الإسلام التقليدي. الهند، كانت للحركات الجديدة القادمة من الجزيرة العربية تأثير قوي بسبب كثرة التيارات والتبادلات الدينية والتجارية والفكرية مع شبه الجزيرة العربية، وقد تطور أكثر وسط طبقات واسعة من السكان وخاصة تجار البنجاب الذين مولوا عدة مدارس في دلهي. ومن بين هؤلاء الأخيرين نجد سيدأحمد بارلوي Sayyid Ahmad Barelwi(1831‑1786) وهو من أتباع الطريقة المحمدية التي لاقت نجاحا كبيرا في لوكناو Lucknow وفي وادي جانج Gange. فهذه الطريقة المستوحاة بشدة من المذهب الوهابي تعترض بشدة على الطقوس الوثنية وتقليد الهندوس وإعادة أحياء الشعائر الفعلية للحج والجهاد. اتبع بارلوي القول بالعمل وأدى فريضة الحج إلى مكة عام 1822 مع ستمائة من أتباعه منطلقين من كالكوتا، وفي عام 1826 بدأ حربًا مقدسة معمجاهديه وذهب إلى أفغانستان لمهاجمة السيخ من الخلف انطلاقًا من بيشاور وشكل هناك دولةثيوقراطية ونصب نفسه خليفة. لكن القبائل الأفغانية رفضت سلطته ثم قامت السيخ بإهلاكه وجيشه.

____________________

بسم الله الرحمن الرحيم 

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

إجابة باذن الله تعالى 🩸☝️

هذا المقال يحمل رؤية استشراقية لتاريخ الحج، ويقوم بإعادة تفسيره من منظور أنثروبولوجي يعتمد على فرضيات غير موثقة بشكل كافٍ، خاصة في ربطه بالحج الوثني قبل الإسلام. دعني أوضح النقاط الرئيسية والرد عليها تفصيليًا:

1. ادعاء أن الحج إلى مكة ليس ابتكارًا إسلاميًا

المقال يوحي بأن الإسلام اقتبس الحج من ممارسات وثنية قديمة، لكن الحقيقة أن الحج في الإسلام يُنظر إليه على أنه امتداد لما شرعه الله منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وهو الذي رفع قواعد البيت وأمر الناس بالحج إليه، كما جاء في قوله تعالى:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (الحج: 26).

بمرور الزمن، حُرّف الحج عن مقاصده الأصلية وأُدخلت عليه ممارسات وثنية، فجاء الإسلام ليعيده إلى أصله التوحيدي.

2. ادعاء أن مكة كانت مركزًا وثنيًا قبل الإسلام

المقال يدّعي أن مكة كانت تعبد الأوثان وأن الكعبة كانت تؤوي آلهة وثنية. لكن الإسلام يوضح أن الكعبة كانت بيتًا للتوحيد منذ عهد إبراهيم، ولكن مع الزمن أدخلت العرب الأصنام إليها، فجاء النبي ﷺ ليعيدها إلى أصلها كما في الحديث:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه البيهقي).
وبالفعل، بعد فتح مكة، قام النبي ﷺ بتطهير الكعبة من الأصنام، مؤكدًا عودتها إلى التوحيد الخالص.

3. ادعاء أن الحج قبل الإسلام كان للتجارة والمطر

المقال يميز بين نوعين من الحج قبل الإسلام:

  1. حج مدني (العمرة) مرتبط بالتجارة.
  2. حج بدوي مرتبط بالمطر.

هذا التقسيم غير دقيق تاريخيًا، لأن المصادر الإسلامية تؤكد أن قريش وحلفاءها حرفوا معاني الحج، لكنهم ظلوا يحتفظون بمراسمه التقليدية. فالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة كانت موجودة ولكنهم حرفوا بعض الشعائر مثل التلبية والطواف عراة لبعض القبائل.

4. ادعاء أن الطواف كان له مدلولات وثنية

الإسلام لم يُدخل الطواف كعبادة جديدة، بل أعاد توجيهه إلى الله وحده، حيث أن إبراهيم عليه السلام سن الطواف بالكعبة، كما في قوله تعالى:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} (البقرة: 127).
أما عن تفسير الطواف في الجاهلية، فلا دليل قطعي على كونه وسيلة لاكتساب "طاقة" من الأصنام، بل كان جزءًا من تحريف العبادة التوحيدية.

النتيجة

المقال يعيد تفسير الحج من منظور استشراقي، ويصوره وكأنه تقليد وثني تم تبنيه وتعديله في الإسلام، بينما الحقيقة أن الإسلام جاء لتصحيح الانحرافات وإعادة الحج إلى معناه التوحيدي الأصلي.


تحليل ونقد المقال من منظور تاريخي وإسلامي

المقال يتبنى رؤية استشراقية تكرّر طرحًا شائعًا بين بعض الباحثين الغربيين، وهو أن الإسلام لم يأتِ بجديد في الحج، بل جمع بين شعيرتين سابقتين (حج تجاري حضري وحج بدوي شمسي مطري) وصاغهما في قالب جديد. دعونا نناقش هذا الطرح بدقة:


1. ادعاء أن الحج قبل الإسلام كان احتفالًا مطريًا شمسيًا

المقال يدّعي أن الحج كان في الأصل احتفالًا بدويًا مرتبطًا بالمطر، وأن يوم التروية يشير إلى عادة بدوية بسقي الدواب قبل الذهاب إلى عرفات. كما يُزعم أن عرفات كان مكانًا للصلاة للشمس وللعزى، إلهة المطر والرعد، وأن الإفاضة من عرفات تشبه جريان السيل، مما يرمز إلى استبشار بقدوم المطر.

الرد:

  • هذا الربط بين الحج وبين الطقوس المطرية الشمسية لا يستند إلى أدلة تاريخية قوية، بل هو اجتهاد من بعض المستشرقين لتفسير شعائر الإسلام في ضوء الممارسات الوثنية السابقة.
  • لا توجد مصادر عربية موثوقة تشير إلى أن يوم التروية كان مخصصًا لسقي الدواب كجزء من طقس بدوي، بل الروايات الإسلامية تفسره بأن الناس كانوا "يتروّون" أي يستعدون بالماء ليوم عرفة.
  • لا يوجد دليل على أن الإفاضة من عرفات كانت رمزية لاستبشار بالمطر، بل كانت جزءًا من شعائر الحج منذ زمن إبراهيم عليه السلام.

2. ادعاء أن النبي محمد ﷺ قام بدمج الحج التجاري والحج البدوي

المقال يصور أن النبي ﷺ "دمج" بين طقسين مختلفين (حج تجاري وعمرة في مكة، وحج شمسي بدوي في عرفات)، وبذلك أعاد بناء الحج على أسس جديدة.

الرد:

  • الحج لم يكن "ابتكارًا" للنبي ﷺ، بل هو امتداد لحج إبراهيم عليه السلام، ولكن قريش أدخلت عليه تحريفات، فجاء الإسلام لإعادته إلى أصله التوحيدي.
  • النبي ﷺ لم "يدمج" بين حج وعُمرة مختلفين، بل أقرَّ المناسك التي كانت تُمارس منذ زمن إبراهيم عليه السلام مع تصحيح الانحرافات، مثل الطواف عراة أو التلبية الشركية.
  • العمرة لم تكن في يومٍ من الأيام "حجًا مدنيًا"، بل كانت جزءًا من العبادات في مكة، وكانت قائمة في الإسلام كعبادة مستقلة.

3. ادعاء أن "عبقرية" النبي كانت في توحيد الشعيرتين

يقول المقال:

"تتمثل عبقرية محمد تحديدًا في توحيد الشعيرتين ليجعل من الحج إلى مكة تتويجًا للوحي الإلهي وفي الوقت ذاته إظهارًا لعالميته."

الرد:

  • هذا الطرح يفترض أن النبي ﷺ قام "بتنظيم ديني جديد" للحج، بينما الحقيقة أن الإسلام يراه كعبادة شرعها الله منذ عهد إبراهيم عليه السلام.
  • النبي ﷺ لم يخترع الحج، بل أزال الشرك عنه وأعاده إلى أصله. ولو كان الحج مجرد ممارسة وثنية، فلماذا أمر النبي ﷺ بإبقاء مناسكه الأصلية مثل الوقوف بعرفة ورمي الجمرات؟

4. تحليل رواية إعلان البراءة من المشركين في موسم الحج (سنة 9 هـ)

المقال يذكر حدثًا تاريخيًا مهمًا وهو إعلان النبي ﷺ البراءة من المشركين خلال موسم الحج سنة 9 هـ، حيث أرسل أبا بكر وعليًا رضي الله عنهما لإبلاغ الناس بأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، وهو ما ورد في الحديث الصحيح وتفسير قوله تعالى:
{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة: 1).

الرد:

  • المقال يعرض هذا الحدث وكأنه قرار سياسي لمنع المشركين من الحج، في حين أن السياق القرآني والتاريخي يوضّح أن هذا الإعلان كان جزءًا من إنهاء العهود التي لم يحترمها المشركون ومنعهم من تلويث الشعائر الإسلامية.
  • الإسلام جعل الحج عبادة خالصة لله، وليس مكانًا لتعدد الأديان، ولهذا مُنع المشركون من دخول الحرم. وهذا ليس خاصًا بالإسلام، فكل الأديان التوحيدية تميز بين أماكن العبادة للمؤمنين وغير المؤمنين.

5. ادعاء أن الحج لم يصبح فريضة إلا بعد هذا الإعلان

المقال يقول:

"الحج لم يصبح فريضة شرعية إلا في العام التالي، فصار أحد أركان الإسلام الخمسة."

الرد:

  • هذا غير دقيق، فالحج فُرض في السنة السادسة أو التاسعة للهجرة حسب بعض الروايات، لكن تأديته تأخرت بسبب سيطرة قريش على مكة.
  • إعلان البراءة من المشركين لم يكن بداية تشريع الحج، بل كان إعلانًا سياسيًا ودينيًا بمنع المشركين من دخول الحرم.

الخلاصة: تفنيد الفرضيات الاستشراقية في المقال

  1. الحج لم يكن احتفالًا وثنيًا بالمطر أو بالشمس، بل كان شعيرة توحيدية منذ عهد إبراهيم عليه السلام.
  2. النبي ﷺ لم "يبتكر" الحج أو "يوحّد" طقوسًا قديمة، بل أعادها إلى أصلها التوحيدي بعد أن أفسدها الشرك.
  3. إعلان البراءة من المشركين سنة 9 هـ كان قرارًا إلهيًا لتحرير الحرم من الشرك، وليس مجرد تنظيم سياسي.
  4. الحج كان معروفًا كركن إسلامي قبل إعلان البراءة، لكن أداءه تأخر بسبب سيطرة المشركين على مكة.

هذا المقال نموذج واضح لمحاولات إعادة تفسير الإسلام من منظور استشراقي، وهو يتجاهل المصادر الإسلامية ويعتمد على افتراضات تاريخية غير موثوقة.


🔻

  1. الادعاء بأن النبي ﷺ دمج بين "الحج البدوي" و"الحج المكي"

    • المقال يرى أن الحج كان قبل الإسلام شعيرتين منفصلتين:
      • "الحج البدوي" المرتبط بالمطر والشمس والتضرع لهما،
      • "الحج المكي" المرتبط بالعمرة والطواف حول الكعبة.
    • يزعم المقال أن النبي ﷺ وحد بينهما وفرض الحج الإسلامي كـ"نظام ديني جديد".
  2. الادعاء بأن النبي ﷺ غيّر مواقع بعض الشعائر لتفريغها من معانيها الوثنية

    • مثل انتقال الذبح من المروة إلى منى، والفصل بين المبيت بمزدلفة ومنى بحيث لا يتوافق مع الطقوس الشمسية.
  3. الادعاء بأن الحج كان وسيلة لدمج المجتمع الإسلامي الناشئ

    • المقال يصور الحج كأداة سياسية لتوحيد القبائل تحت سلطة النبي ﷺ، وليس كعبادة دينية.
  4. الربط بين الإسلام والتقاليد التوراتية

    • المقال يشير إلى أن الحج يستلهم السردية التوراتية، مثل بناء إبراهيم للكعبة، وسعي هاجر، وقصة فداء إسماعيل.

تفكيك هذه الادعاءات والرد عليها

1. هل الحج الإسلامي مجرّد دمج بين شعائر وثنية مختلفة؟

الرد:

  • الحج الإسلامي ليس "دمجًا" بين طقوس متفرقة، بل هو استمرار للحج الإبراهيمي بعد تصحيح الانحرافات الوثنية التي أضافها العرب في الجاهلية.
  • النبي ﷺ لم يخترع شعائر الحج، بل أعادها إلى أصلها التوحيدي، حيث يقول الله:
    {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَلَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (الحج: 26).
  • قريش نفسها كانت تعترف بأن الحج تقليد إبراهيم عليه السلام، لكنها أفسدته بإدخال عناصر شركية مثل الأصنام والطواف عراة.
  • لم يكن هناك "حج بدوي" منفصل عن "حج مكي"، بل كانت هناك ممارسات خاطئة تصححت بالإسلام.

2. هل غيّر النبي ﷺ مواقع الشعائر لتفريغها من معانيها الوثنية؟

الرد:

  • لا يوجد دليل تاريخي على أن "النحر" كان يتم في المروة قبل الإسلام، بل منى كانت معروفة كموقع للأضاحي. الإسلام فقط نظّم عملية النحر وفقًا للأوامر الإلهية.
  • القول بأن توقيت المبيت في مزدلفة ومنى تم تغييره لتفادي "الطقوس الشمسية" مجرد تكهّن بلا دليل. الحج ليس مرتبطًا بحركات الشمس بل بأيام محددة في التقويم القمري، وهو نفسه تقويم إبراهيم عليه السلام.

3. هل كان الحج أداة سياسية لتوحيد القبائل؟

الرد:

  • الحج لم يكن مجرّد وسيلة سياسية، بل هو ركن من أركان الإسلام فُرض بوضوح في القرآن:
    {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج: 27).
  • صحيح أن الحج ساهم في توحيد المسلمين، لكنه لم يكن اختراعًا سياسيًا، بل فريضة دينية.
  • محاولة ربط الحج بالسلطة السياسية للنبي ﷺ هي رؤية استشراقية مادية تنكر البعد الإيماني للإسلام.

4. هل الحج مجرد امتداد للرواية التوراتية؟

الرد:

  • التشابه بين بعض عناصر الحج وقصص إبراهيم وهاجر لا يعني أن الإسلام أخذها من التوراة، بل العكس، الإسلام يعيد تصحيح الرواية الحقيقية التي حرّفتها اليهودية.
  • القصة التوراتية لفداء إسحاق عليه السلام تختلف عن الرواية الإسلامية التي تؤكد أن الذبيح كان إسماعيل عليه السلام، مما يدل على وجود مصدر مستقل للوحي الإسلامي.
  • ليس هناك شيء غريب في أن يكون إبراهيم عليه السلام محورًا في الإسلام، فهو "أبو الأنبياء" والقرآن يؤكد ذلك بوضوح.

الخلاصة: هل في المقال شبهة؟

المقال لا يطرح شبهة مباشرة ضد الإسلام، لكنه يحاول إعادة تفسير الحج من منظور مادي بحت، وكأنه مجرد تطور اجتماعي-سياسي، وليس عبادة إلهية. هذه الطريقة في التحليل تتجاهل المصدر الأساسي للحج، وهو الوحي الإلهي.

✔️ ما الذي يمكن اعتباره شبهة؟

  • القول بأن النبي ﷺ "دمج" بين طقوس وثنية ليخلق الحج الإسلامي.
  • الادعاء بأن بعض الشعائر الإسلامية كانت وثنية ثم أُفرغت من معناها الأصلي.
  • تصوير الحج كأداة سياسية أكثر منه عبادة خالصة لله.

لكنها شبهات ضعيفة لأن:

  • الحج موجود منذ عهد إبراهيم عليه السلام ولم يكن اختراعًا جديدًا.
  • النبي ﷺ لم يغيّر الشعائر بل أزال التشويه الوثني عنها.
  • الحج فرض ديني وليس مجرد نظام اجتماعي، وهو مذكور بوضوح في القرآن.


⭕🔻



1. "تشريع محمد للحج"

الرد:

  • استخدام عبارة "تشريع محمد للحج" فيها مغالطة، لأنها توحي بأن الحج كان اختراعًا نبويًا جديدًا في الإسلام.
  • الصحيح أن النبي ﷺ لم "يشرّع" الحج من عنده، بل الحج فريضة قديمة تعود إلى زمن إبراهيم عليه السلام، وأعاد الإسلام إحياءها بصورتها الصحيحة بعد أن شوهتها الجاهلية.
  • القرآن يذكر بوضوح أن الحج شعيرة إبراهيمية:
    {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَلَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} (الحج: 26).
  • النبي ﷺ لم يأتِ بحج جديد، بل أزال التحريفات الجاهلية وأعاد الناس إلى حجهم الصحيح.

2. "أصبح الحج منذئذ أحد أركان الإسلام"

الرد:

  • الحج لم يصبح فجأة ركنًا في السنة الأخيرة من حياة النبي ﷺ، بل كان معروفًا قبل ذلك، لكنه فُرض على المسلمين في السنة التاسعة للهجرة.
  • أول حج في الإسلام كان في العام التاسع، عندما أرسل النبي ﷺ أبا بكر الصديق أميرًا على الحج، ثم حجّ النبي ﷺ بنفسه في العام العاشر (حجة الوداع).
  • إذن، الحج لم يكن "مستحدثًا" في السنة الأخيرة من حياة النبي ﷺ، بل كان تشريعًا متدرجًا.

3. ذكر شروط الحج وفقًا للغزالي

الرد:

  • لا توجد شبهة هنا، فالشروط المذكورة للحج (الإسلام، البلوغ، العقل، الحرية، الاستطاعة) صحيحة ومتفق عليها فقهيًا.
  • ولكن يمكن تصحيح نقطة واحدة، وهي أن هذه الشروط لم يضعها الإمام الغزالي تحديدًا، بل هي شروط متفق عليها منذ الصحابة وعلماء الفقه كافة.
  • الاستشهاد بالغزالي وحده قد يعطي انطباعًا خاطئًا وكأن هذا الرأي خاص به وليس إجماعًا إسلاميًا.

4. ربط الحج الإسلامي بالحج في النصرانية

الرد:

  • ذكر الحج النصراني ليس دقيقًا لأن الحج في الإسلام ليس مشابهًا للحج المسيحي لا من حيث الأركان ولا من حيث الجوهر.
  • الفرق الجوهري:
    • الحج الإسلامي هو ركن تعبدي محدد بأماكن ومناسك معينة، وأصله يعود لإبراهيم عليه السلام.
    • المسيحية لا تفرض حجًا بمفهوم الإسلام، بل هناك مواقع مقدسة (مثل القدس) يزورها المسيحيون، لكنها ليست فريضة ولا توجد شعائر مماثلة للحج الإسلامي.
  • أما مسألة الحج عن المتوفى، فالإسلام ينفرد بها كرحمة وتيسير، وليس تقليدًا لنظام مسيحي.

الخلاصة: هل هناك شبهة؟

  • لا يوجد في هذا الجزء من المقال شبهة واضحة، ولكنه يحتوي على عبارات قد توحي بأفكار غير دقيقة، مثل:
    1. الإيحاء بأن النبي ﷺ "شرّع الحج" بنفسه، بينما هو فريضة إلهية قديمة.
    2. الإيحاء بأن الحج لم يكن ركنًا إلا في السنة الأخيرة، والصحيح أنه فُرض في السنة التاسعة للهجرة.
    3. الإشارة إلى الغزالي كمصدر لشروط الحج، مع أن الشروط مقررة من قبل جميع الفقهاء.
    4. محاولة الربط بين الحج الإسلامي و"الحج النصراني"، رغم اختلاف المفهومين كليًا.



_________________

تحليل النقاط المذكورة في المقال:

  1. فكرة الاغتراب والانقطاع الاجتماعي:

    • يقول الكاتب إن الحج يشبه انقطاعًا عن الجماعة، مستشهدًا بتجربة الحجاج الأوائل.
    • يشير إلى أن الحاج يصبح أشبه بالغريب عن قومه.

    التوضيح:

    • صحيح أن الحج قديمًا كان يتطلب السفر الطويل، مما يجعله تجربة فراق مؤقتة للأهل، لكنه ليس انقطاعًا جذريًا كما يحاول المقال الإيحاء بذلك.
    • الإسلام نفسه يعتبر الحاج شخصًا في عبادة عظيمة، والمجتمع الإسلامي يُكرم الحجاج عند عودتهم. فلا يوجد في الإسلام فكرة أن الحاج يصبح غريبًا عن قومه كما يلمح الكاتب.
  2. المقارنة مع المصطلح اللاتيني "peregrinus" (الغريب):

    • يلمح المقال إلى أن الحج يشبه ارتحال الغرباء الذين لا ينتمون إلى موطن محدد.
    • يربط ذلك بالمصطلح اللاتيني الذي يقابل "المواطن" أو "المقيم".

    التوضيح:

    • المقارنة هنا غير دقيقة، لأن مفهوم "peregrinus" في اللاتينية يعكس حالة اجتماعية قانونية في الإمبراطورية الرومانية (الغريب الذي لا يتمتع بحقوق المواطنة)، بينما الحج في الإسلام ليس خروجًا عن المجتمع بل عبادة مقدسة.
  3. وسائل النقل في الحج:

    • يذكر المقال أن بعض الأحاديث فضّلت الحج سيرًا على الأقدام، لكن القرآن لم يحدد وسيلة معينة.
    • يشير إلى أن بعض الحجاج كانوا يتحرجون من السفر بحرًا بسبب الخوف من الغرق.

    التوضيح:

    • الإسلام لم يفرض وسيلة معينة للحج، بل أباح الحج بكل الوسائل الممكنة، سواء مشيًا أو بالدواب أو بالسفن، والآن بالطائرات.
    • الحذر من البحر كان أمرًا طبيعيًا في المجتمعات القديمة بسبب المخاطر التي كانت تواجه السفن، لكنه ليس أمرًا دينيًا، بل مرتبط بالخوف الطبيعي من المخاطر.
  4. تشبيه مخاطر الطريق برحلات المغامرات والحماية التي قدمتها المسيحية:

    • يصف المقال المخاطر التي كانت تواجه الحجاج، مثل العواصف والهجمات، ويشير إلى أن النصارى في القرون الوسطى كانوا يمنحون الحجاج امتيازات خاصة لحمايتهم.
    • يقارن ذلك بما كان يحصل عليه الحجاج المسلمون من الحماية داخل القوافل والمراكز الصوفية.

    التوضيح:

    • نعم، كان السفر للحج قديمًا مليئًا بالمخاطر، ولهذا حرصت الدول الإسلامية على توفير الحماية للحجاج عبر القوافل المسلحة والمحطات الآمنة (الرباطات والزوايا والتكايا).
    • لكن الإيحاء بأن النصرانية قدمت امتيازات أكثر من الإسلام مغالطة تاريخية، لأن الإسلام اهتم جدًا بتسهيل الحج، وكانت الدول الإسلامية عبر العصور توفر الأمن والدعم للحجاج.

هل هناك شبهة هنا؟

لا توجد شبهة دينية مباشرة، لكن المقال يحاول إعطاء إيحاءات بأن الحج تجربة انقطاع اجتماعي وغربة، وهو توصيف غير دقيق.

التوضيح الصحيح: الحج في الإسلام عبادة عظيمة، وتقرب إلى الله، وليس تجربة عزلة اجتماعية، بل هو تجمع عالمي للمسلمين من كل مكان، حيث يشعرون بالأخوة والوحدة، وليس بالغربة والانقطاع عن المجتمع.


__________________

🔴

1. فكرة أن الحج يحتاج إلى "إضفاء الحرمة" لحماية الحاج والطريق

ما الذي يقوله المقال؟

  • يشير المقال إلى أن الحاجة إلى الحماية أثناء الحج كانت دافعًا لإضفاء "القداسة" على المسيرة.
  • يستشهد بكتابات ألفونس دوبرون، الذي يرى أن عملية "إضفاء الحرمة" تبدأ منذ اتخاذ قرار الحج.
  • يذكر أن الحاج يكثر من الصلاة والذكر أثناء الطريق، مما يعكس "سفرًا داخل النص المقدس".

الرد والتوضيح

الحج ليس مجرد وسيلة لحماية الحاج من المخاطر، بل هو عبادة بأمر إلهي.

  • ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الحج شعيرة مقدسة بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة لحماية الحجاج:
    ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَلَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج: 26).
  • تلاوة الذكر والقرآن أثناء السفر إلى الحج ليست لإضفاء حرمة على الطريق، بل هي من شعائر الحج التي تعكس ارتباطه الروحي بالله.
  • الإشارة إلى أن الحج هو "سفر داخل النص المقدس" مجرد تشبيه أدبي لا يعكس المعنى الديني الصحيح للحج.

2. ربط قراءة سورة "الكافرون" بوضع حد رمزي بين "دار الإسلام" و"دار الكفر"

ما الذي يقوله المقال؟

  • يشير إلى أن الحاج عند مغادرته موطنه يقرأ سورة الكافرون، ويدّعي أنها ترمز إلى حد فاصل بين دار الإسلام ودار الكفر أو دار الحرب.

الرد والتوضيح

هذا التفسير غير دقيق، وسورة الكافرون ليست مرتبطة بمغادرة دار الإسلام نحو دار الكفر.

  • سورة الكافرون تدل على براءة المسلم من الشرك ووضوح العقيدة الإسلامية، وليس لها أي علاقة بفكرة تقسيم العالم جغرافيًا بين "دار الإسلام" و"دار الكفر".
  • قراءة الأدعية والسور عند السفر سنة نبوية، ولا تعني أن الحاج يخرج من "دار الإسلام" نحو "دار الكفر"، بل هي مجرد أذكار مشروعة لحفظ النفس والاستعانة بالله.
  • النبي ﷺ قال عن سورة الكافرون: "اقرأ: قل يا أيها الكافرون، فإنها براءة من الشرك". (رواه أحمد والترمذي).

3. تصوير الحاج على أنه "غريب" و"تهديد محتمل" للمجتمع الذي يمر به

ما الذي يقوله المقال؟

  • يصف المقال الحاج بأنه يشبه المتسكع أو المشرد من حيث تنقله الدائم.
  • يلمّح إلى أن بعض المجتمعات كانت ترى الحاج كشخص قد يكون ناقلًا للأمراض أو تهديدًا للاستقرار.

الرد والتوضيح

هذا وصف مغلوط للحاج في المجتمعات الإسلامية.

  • في الثقافة الإسلامية، الحاج ليس غريبًا أو متشردًا، بل هو شخص مُكرَّم ومحترم.
  • قال النبي ﷺ: "الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وفدُ اللهِ، إنْ دَعَوْهُ أجابَهم، وإنِ استغفَرُوهُ غفَرَ لهم". (رواه ابن ماجه).
  • عبر التاريخ الإسلامي، كان المسلمون يستقبلون الحجاج بحفاوة ويعتبرونهم ضيوف الله، وليسوا غرباء يشكلون تهديدًا.
  • الروايات التي تتحدث عن مخاوف المجتمعات الأوروبية من الحجاج المسلمين لا تعكس نظرة المجتمعات الإسلامية لهم.

4. تفسير الإحرام على أنه "إيذان بوفاة الذات الماضية" و"عملية تطهير"

ما الذي يقوله المقال؟

  • يرى أن لبس الإحرام يرمز إلى التخلي عن الهوية الاجتماعية، ويشبه الكفن الذي يلبسه الإنسان يوم القيامة.
  • يربط ذلك بفكرة "التطهير" كما يراها الأنثروبولوجيون الغربيون.

الرد والتوضيح

لبس الإحرام ليس "إيذانًا بالموت" بل هو تجرد من مظاهر الدنيا تواضعًا لله.

  • الإحرام في الإسلام لا يعني "موت الذات الماضية"، بل هو تعبير عن التواضع والتجرد من التفاخر بالملابس والزينة.
  • النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم).
  • اللون الأبيض في الإحرام ليس دلالة على "الموت"، بل هو رمز للطهارة والنقاء، وهو نفس اللون المستحب في الصلاة والعبادة.
  • لا يحتوي المقال على شبهة مباشرة، لكنه يحمل تأويلات غربية خاطئة تحاول تفسير الحج من منظور أنثروبولوجي بدلاً من الفهم الإسلامي الصحيح.

التوضيح الصحيح:

  • الحج عبادة عظيمة شرعها الله، وليس مجرد رحلة تفرضها الحاجة للحماية أو تجربة عبور اجتماعي كما يصوره المقال.
  • الإحرام ليس إيذانًا "بوفاة الذات" بل هو تجرد لله وتواضع، وليس له أي ارتباط بمفهوم "التطهير" بالمعنى الأنثروبولوجي الغربي.
  • المجتمعات الإسلامية لم تنظر للحاج على أنه "غريب" أو "تهديد"، بل كان يحظى بالاحترام والتقدير كضيف لله.




___________________

🩸

1. "الأمة المشتتة" وعرفات كمكان العودة للأصل


يتحدث المقال عن أن وقوف عرفات يجمع المسلمين من شتى بقاع الأرض، مما يرسخ عالمية الإسلام، وهذه نقطة صحيحة تتماشى مع البعد الوحدوي للحج.


الإشارة إلى أن "عرفات ترمز إلى العودة إلى الحالة الأصلية" مستندة إلى الروايات التي تقول إن آدم وحواء التقيا في عرفات بعد نزولهما إلى الأرض، لكنها ليست محور ركن الحج. عرفات في الإسلام هو "ركن الحج الأعظم" كما ورد في الحديث: "الحج عرفة" (الترمذي وأبو داود).


تصوير الوقوف بعرفات كـ"استباق لليوم الآخر" هو تشبيه رمزي مقبول، حيث أن اجتماع الناس في عرفات يذكرهم بالموقف الأعظم يوم القيامة.


2. الرجم والتحرر من غواية الشيطان


المقال يصف رجم الجمرات بأنه تمثيل رمزي للغواية الشيطانية، وهو أمر صحيح من حيث المعنى، إذ إن رمي الجمرات يحاكي فعل إبراهيم عليه السلام عندما حاول الشيطان أن يصرفه عن تنفيذ أمر الله.

الإشارة إلى أن الرجم "يقوم مقام التنفيس للحاج" تحتاج إلى تصحيح، لأن المقصود بالرجم ليس مجرد "تنفيس عن العنف الداخلي" بل هو تنفيذ لشعيرة تعبدية خالصة.


المقال يستعرض تفسيرات أنثروبولوجية للرجم، لكنه لا ينكر الأساس الديني له، بل يحاول تأويله برؤى ثقافية.


3. النحر ودلالاته المختلفة


المقال يعرض عدة تفسيرات لأنثروبولوجيين حول النحر، مثل كونه طقس قرباني أو تحالف مع الرب.


في الإسلام، النحر مرتبط بقصة فداء إسماعيل عليه السلام، ويعد من أعظم شعائر الحج، كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: 2).


القول بأن النحر "إضافة متأخرة للوحي القرآني" غير دقيق، لأن النحر كان معروفًا في الشرائع السماوية السابقة، لكنه اكتسب معناه الإسلامي في سياق الفداء والتقرب إلى الله.


تأكيد المقال على أن النحر يعزز الروابط بين المسلمين صحيح، لكنه لا يعني أنه "مجرد طقس اجتماعي"، بل هو عبادة خالصة.


4. الحج والولادة المتجددة


يرى المقال أن الحج يعكس دورة روحية تبدأ بالموت الرمزي للذات وتنتهي بالعودة إلى الحياة بعد الوقوف بعرفة والنحر.


في الإسلام، الحج هو تطهير للذنوب وتجديد للعهد مع الله، وليس "ولادة جديدة" بالمعنى الفلسفي، لكنه يعبر عن بداية مرحلة جديدة في حياة المسلم.



📌📌📌

المقال في هذه الفقرة يناقش زيارة المدينة المنورة وقبر النبي ﷺ، وكذلك رحلة العودة من الحج، ويقدم بعض التحليلات الرمزية والاجتماعية. من حيث الشبهات، هناك بعض النقاط التي تحتاج إلى تعليق دقيق حتى لا يُفهم منها إساءة للإسلام أو تقديم تفسير غير صحيح.


1. زيارة المدينة المنورة وقبر النبي ﷺ

  • المقال يذكر أن الحجاج يزورون المدينة للصلاة عند "قبر النبي"، وهذا تعبير غير دقيق، لأنه في الإسلام لا يُصلَّى للقبر، وإنما يُصلَّى في المسجد النبوي، ويُسلم على النبي ﷺ عند زيارة قبره. النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (البخاري ومسلم).
  • المقال يقول إن الزيارة إلى المدينة تشبه الحج في الديانة النصرانية، وهذا غير صحيح. الحج عند النصارى غالبًا مرتبط بالذهاب إلى أماكن مقدسة للتبرك أو العبادة أمام قبور القديسين، بينما في الإسلام الحج عبادة مستقلة بمناسك محددة، وزيارة المدينة ليست من شروط الحج، وإنما هي مستحبة منفصلة.
  • المقال يصف زيارة قبر النبي ﷺ بأنها "زيارة عادية مثل زيارة قبور الأولياء"، وهذا تبسيط غير دقيق، لأن زيارة قبر النبي ﷺ لها فضل خاص، فقد قال ﷺ: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" (رواه الدارقطني وغيره، وفيه خلاف في صحته، لكن زيارة قبر النبي ﷺ مستحبة عند جمهور العلماء).
  • ذكر المقال أن "الحجاج الشيعة لا يشعرون بأن حجهم قد اكتمل إلا بزيارة المدينة"، وهذه ملاحظة اجتماعية وليست دينية، لأن الحج شرعًا يكتمل بأداء المناسك في مكة ولا يتوقف على زيارة المدينة، لكن حب الصحابة وأهل البيت يجعل زيارة المدينة رغبة عند كثير من المسلمين.

→ الشبهة هنا: القول إن زيارة النبي ﷺ شبيهة بالحج النصراني، وهو خلط خاطئ بين المفاهيم الإسلامية والنصرانية، لأن زيارة المدينة ليست عبادة مستقلة ولا جزءًا من الحج، بينما الحج النصراني له مفاهيم مختلفة تمامًا.


2. ذكر الإمام مالك وزيارة الأولياء

  • المقال يشير إلى أن المالكية يزورون قبر الإمام مالك، وهذا قد يكون صحيحًا من ناحية العادات الاجتماعية لبعض أتباع المذهب المالكي، لكن زيارته ليست عبادة ولا جزءًا من الدين.
  • أما المقارنة بين زيارة النبي ﷺ وزيارة الأولياء، فهي غير دقيقة، لأن زيارة النبي ﷺ مستحبة ولها فضل شرعي خاص، بينما زيارة قبور الأولياء ليست عبادة في الإسلام وإنما تندرج في باب الاتعاظ.

3. الحج عند الشيعة وزيارة كربلاء

  • المقال يذكر أن الحجاج الشيعة يستبقون حجهم بزيارة كربلاء. هذا بالفعل واقع في بعض المجتمعات الشيعية، لكن يجب التنبيه على أن كربلاء ليست مكانًا مقدسًا في أركان الإسلام، وزيارتها ليست جزءًا من الحج أو الشعائر الإسلامية العامة.

→ لا توجد شبهة هنا، لكنها ملاحظة تاريخية تحتاج إلى توضيح أن الحج عند المسلمين يتم فقط في مكة وليس له ارتباط ديني بكربلاء.


4. العودة من الحج وتأثيرها الروحي والاجتماعي

  • المقال يناقش شعور الحاج عند العودة، وهو يصفه بأنه "ولادة جديدة وتحرر من الذنوب والضغوط الاجتماعية". هذا توصيف صحيح من الناحية الدينية، لأن النبي ﷺ قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (البخاري ومسلم).
  • المقال يشير إلى أن الحجاج يُستقبلون بحفاوة ويمنحون مكانة اجتماعية جديدة، وهذا صحيح من حيث العادات، لكنه ليس جزءًا من الدين، فالحج لا يُكسب الإنسان مكانة اجتماعية بقدر ما يُطهره روحيًا.
  • المقال يقول: "نسوا حتى الموتى الذين وافتهم المنية في الدروب المقفرة"، وهذا تعبير أدبي، لكن الإسلام يحث المسلم على الدعاء لموتى الحج وعدم نسيانهم، بل يُعتبر الموت أثناء الحج من علامات حسن الخاتمة.

5. الاستنتاج العام: هل توجد شبهة؟

نعم، هناك بعض العبارات التي قد تُشكل شبهة، لكنها ليست شبهة قوية، وإنما هي سوء فهم أو تفسير خاطئ، وأهمها:

  1. تشبيه زيارة النبي ﷺ بالحج النصرانيغير صحيح، لأن زيارة المدينة مستحبة ولكنها ليست حجًا ولا عبادة مستقلة.
  2. المقارنة بين زيارة قبر النبي ﷺ وزيارة قبور الأولياءخلط غير دقيق، لأن للنبي ﷺ مكانة خاصة في الإسلام.
  3. الإيحاء بأن الحج مرتبط بكربلاء عند الشيعةلا علاقة للحج بكربلاء في الإسلام، وهذه ممارسة خاصة ببعض الشيعة وليس لها أصل شرعي.



___________________

تحليل النص: هل توجد شبهات؟

1. سردية الحاج زيلمت أحمد: هل تحتوي على مشكلة دينية؟

  • الحاج زيلمت أحمد يروي مشاهداته خلال الحج، ويذكر "سعفة نخل من ذهب، وجدران مغطاة بالذهب، والحجر الملبس بقماش على هيئة حزام ذهبي".
  • هذه الوصف قد يكون مبالغًا فيه أو محرفًا بسبب التأثير الشخصي أو الذاكرة الانتقائية، لكنه لا يتضمن بالضرورة خطأً عقديًا.
  • القول بأنه "يمكنه الآن أن يموت وسيذهب مباشرة إلى الجنة" هو تعليق شخصي وليس قاعدة دينية، لأن دخول الجنة مرتبط برحمة الله وليس بالحج وحده.
  • الحج يُكفّر الذنوب كما ورد في الحديث الصحيح: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (رواه البخاري ومسلم)، لكن لا يوجد نص صريح بأن الحاج يضمن الجنة مباشرةً لمجرد إتمام الحج.

→ هل توجد شبهة هنا؟

نعم، إذا فُهم الكلام على أنه تقرير ديني وليس مجرد تعبير شخصي، فقد يُوحي بفكرة غير صحيحة عن دخول الجنة.
لكن إذا فُهم على أنه مجرد انطباع فردي للحاج، فلا يوجد إشكال شرعي كبير.


2. صعوبة وصف الحج: هل هذا تشكيك في الشعائر؟

  • الفقرة تشير إلى أن الحج "محال الوصف أو يصعب حكايته"، وهذا رأي ذاتي لبعض الباحثين، لكنه لا يعني أن الحج غامض أو غير مفهوم دينيًا.
  • عالم الاجتماع عمر ساجي يرى أن تجربة الحج إما أنها مستحيلة الوصف بسبب التفاصيل الدقيقة، أو أن وصفها يتطلب لغة صوفية.
  • لكن هذا الطرح ليس دقيقًا تمامًا، لأن العلماء وصفوا الحج تفصيليًا في كتب الفقه والسيرة، مثل الإمام النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
  • صحيح أن للحج أبعادًا روحية عميقة قد تعجز اللغة العادية عن التعبير عنها بالكامل، لكنه يبقى تجربة واضحة في أركانها ومناسكها.

→ هل توجد شبهة هنا؟

لا، هذا مجرد رأي فلسفي واجتماعي حول طبيعة الحج، لكنه لا يمس شرعيته أو وضوحه في الإسلام.


3. ابن خلدون واختصاره لذكر الحج: هل هذا دليل على شيء؟

  • النص يشير إلى أن ابن خلدون لم يكتب تفاصيل كثيرة عن تجربته في الحج، بل اكتفى بعبارة: "بعد أداء فريضتي".
  • هذا لا يعني أن الحج تجربة "غامضة" أو "يصعب وصفها"، بل قد يكون لأسباب تتعلق بطبيعة كتابة التاريخ عند ابن خلدون، حيث ركّز على التحليل الاجتماعي أكثر من التفاصيل الشخصية.
  • هناك مؤرخون آخرون كتبوا عن الحج بإسهاب، مثل ابن جبير في رحلته الشهيرة.

→ هل توجد شبهة هنا؟

لا، فاختصار ابن خلدون لا يعني شيئًا عن الحج ذاته، بل هو أسلوبه في الكتابة.


4. العلاقة بين الحج والسلطة السياسية: هل فيها إشكال؟

  • الفقرة تشير إلى دور السلطات السياسية في تنظيم الحج، سواء في العصر الإسلامي أو خلال الاستعمار الفرنسي.
  • في الحالة الأولى، كان السلطان المملوكي يسهل للحجاج رحلتهم ويؤمن الطريق، وهذا أمر إيجابي.
  • في الحالة الثانية، تظهر الإدارة الاستعمارية الفرنسية وكأنها تفرض رقابة على الحجيج، مما يعكس تدخل السلطة الاستعمارية في الشعائر الإسلامية.
  • هذه المقارنة ليست دقيقة تمامًا، لأن الإسلام يرى أن تيسير الحج مسؤولية الحكام المسلمين، لكنه لا يعترف بالتحكم الاستعماري في الحجاج.

→ هل توجد شبهة هنا؟

لا، لكنها مقارنة غير عادلة، لأن تدخل الحكام المسلمين كان لحماية الحجاج، بينما الاستعمار كان يفرض قيودًا.


الخلاصة: هل تحتوي الفقرة على شبهات؟

1. السردية الشخصية للحاج زيلمت قد تحمل مبالغة، لكن لا مشكلة فيها إذا فُهمت كتعليق شخصي.
2. صعوبة وصف الحج رأي فلسفي، لكنه لا يمس وضوح الشعائر الإسلامية.
3. اختصار ابن خلدون في وصف الحج ليس دليلًا على غموضه، بل أسلوبه في الكتابة.
4. دور السلطة في الحج يختلف بين الدعم الإسلامي والرقابة الاستعمارية، ولا يوجد إشكال شرعي هنا.


التأثير السياسي والثقافي للحج في أدب الرحلات عند ابن جبير وابن بطوطة.


التناقضات داخل العالم الإسلامي وعلاقته بالغرب المسيحي.


1. كيف وظّف ابن جبير وابن بطوطة أدب الرحلات؟


✅ تشير الفقرة إلى أن ابن بطوطة أعطى الطابع الكلاسيكي لأدب الرحلات الإسلامية من خلال سرد الأحداث وربطها بأسانيد.

✅ تؤكد أن هذا السرد يجعل الحاج يشعر بالتضامن الإسلامي والانتماء إلى الأمة، وهذه فكرة صحيحة لأن الحج دائمًا كان رمزًا للوحدة الإسلامية.

✅ تسلط الضوء على أن الرحلات كشفت أيضًا عن الاختلافات السياسية والصراعات داخل العالم الإسلامي، وهو أمر واقعي، لأن ابن جبير انتقد التفرقة في الحجاز، بينما ابن بطوطة قارن بين العراق المتدهور وإمبراطورية المغول المزدهرة في الهند.


→ هل هذا دقيق؟

✔️ نعم، لأن الحج لم يكن مجرد شعيرة دينية، بل كان أيضًا مناسبة لرصد الأوضاع السياسية والاجتماعية.


2. هل كان ابن جبير معاديًا للغرب المسيحي؟


✅ تشير الفقرة إلى أن ابن جبير كان يحمل عداءً واضحًا تجاه الغرب المسيحي بسبب الحملات الصليبية، خاصة هجمات "رونو دو شاتيون" على البحر الأحمر.

✅ لكنه في الوقت نفسه تعامل مع النصارى، وسافر معهم، بل واستقل سفنهم عند الضرورة.

✅ الفقرة تقول إن هذه الازدواجية تعكس صعوبة الفصل بين دار الإسلام ودار الكفر، خاصة أن ابن جبير عاش في زمن صلاح الدين الأيوبي، الذي كان رمزًا للجهاد ضد الصليبيين.


→ هل هذا دقيق؟

✔️ نعم، ابن جبير كان متشددًا ضد الصليبيين لكنه تعامل مع النصارى تجاريًا، وهذه ليست ازدواجية بل كانت واقعًا في ذلك العصر.


3. هل كان صلاح الدين السبب في إعادة المكانة المركزية لمكة؟


✅ تقول الفقرة إن صلاح الدين الأيوبي أعاد المكانة المركزية للحج، وذلك عبر حماية الحجاج، وإلغاء الرسوم، وضمان سلامة الطريق من خلال دفع الأموال لأمراء مكة الحسنيين.

✅ هذا صحيح تاريخيًا، لأن صلاح الدين بعد تحرير القدس (1187م) أعاد ترتيب أوضاع الحجاز لضمان أمان الحج، وكان يوفر التمويل عبر الأوقاف.


 هل هذا دقيق؟

✔️ نعم، لأن سياسة صلاح الدين كانت تهدف إلى تقوية العالم الإسلامي، والحج كان جزءًا من هذا المشروع.




. ما الذي تؤكده الفقرة؟


✅ أمير الحج المصري كان يقدم هدايا لشريف مكة، مما يؤكد هيمنة المماليك على الحجاز.

✅ قافلة الحج المصرية كانت الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا اقتصاديًا بين القوافل.

✅ وجود تنافس بين القوى المختلفة حول السيطرة على موارد الحجاز، بسبب أهمية مكة اقتصاديًا.

✅ مكة كانت تستورد أغلب مؤونتها من البحر الأحمر، وميناء جدة أصبح مركزًا تجاريًا عالميًا.


 هل هذه المعلومات صحيحة؟

✔️ نعم، تاريخيًا كان للمماليك نفوذ قوي على الحجاز، واستمر هذا النفوذ حتى العثمانيين. كما أن مكة لم تكن منطقة زراعية، لذا كان استيراد المؤن أمرًا طبيعيًا.


2. هل هناك شبهة في الفقرة؟


🚩 قد تكون هناك إيحاءات غير دقيقة لكنها لا تصل إلى حد الشبهة المباشرة، مثل:


التركيز على البعد الاقتصادي والتجاري للحج: قد يوحي بأن الحج كان مشروعًا ماليًا أكثر من كونه شعيرة دينية، لكن هذا غير صحيح. فالعامل الاقتصادي كان جزءًا من الحج لكنه لم يكن الهدف الأساسي، بل كان التنظيم الاقتصادي يخدم الحجاج.

الإشارة إلى تدخل المماليك في شؤون الحجاز قد توحي بأن الحجاز لم يكن مستقلاً، لكن الواقع أن الحجاز كان بحاجة إلى دعم الدولة الإسلامية لحماية الحجاج.


✅ المغول استخدموا الطريق البحرية للحج بسبب توتر علاقاتهم مع الصفويين في إيران، واعتمدوا بشكل أساسي على ميناء شُرات.

✅ الإمبراطور المغولي "أكبر" أسس أول قافلة رسمية للحج، لكنه لم يحج بنفسه، بينما أرسلت زوجته سليمة سلطان بيجوم نيابة عنه.

✅ القوافل المغولية كانت أشبه بمساعدات خيرية لمساعدة الفقراء على الحج، بينما كانت القوافل العثمانية تُظهر قوة السلطان وحمايته للحج.

✅ تنظيم القوافل الهندية تأثر بحركة الرياح الموسمية، مما جعلها تتبع التقويم الشمسي وليس القمري.

✅ بعض الأعيان الهنود اعتبروا الذهاب إلى الحج نوعًا من الإبعاد السياسي.


→ هل هذه المعلومات صحيحة؟

✔️ تاريخيًا، كان المغول يعتمدون على النقل البحري للحج بسبب الصراعات السياسية مع الصفويين، وكان ميناء شُرات مركزًا رئيسيًا لنقل الحجاج.

✔️ كانت هناك مبادرات رسمية من الحكام المغول لرعاية الحج، لكنها لم تكن بنفس الرمزية السياسية التي تمتع بها الحج العثماني.


2. هل هناك شبهة في الفقرة؟


🚩 قد تكون هناك بعض التلميحات التي قد يفهمها البعض بشكل خاطئ، مثل:


تصوير القوافل العثمانية وكأنها كانت مجرد استعراض سياسي، بينما القوافل المغولية كانت خيرية بحتة. 


التوضيح: القوافل العثمانية كانت تحمل أبعادًا سياسية، لكنها لم تكن مجرد استعراض، بل كانت وسيلة لحماية الحجاج وتأمين وصولهم، إضافة إلى حمل الأوقاف والكسوة.


القول بأن بعض الأعيان الهنود رأوا الحج نوعًا من الإبعاد السياسي. 


التوضيح: قد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات، لكن لا يعني أن الحج كان مجرد وسيلة للعقاب السياسي. الحج ظل شعيرة دينية أساسية في الإسلام، وكان للحكام والمسؤولين دور في تسهيله.


الإشارة إلى أن السلطات العثمانية اضطرت لإخراج الفقراء من الحرم. 


التوضيح: قد يُفهم أن العثمانيين كانوا ضد الحجاج الفقراء، لكن المقصود على الأرجح هو ضبط الأمور التنظيمية بسبب الأعداد الكبيرة، وليس منع الفقراء من الحج.


الخلاصة: هل تحتوي الفقرة على شبهات؟


✅ لا توجد شبهة مباشرة ضد الإسلام أو الحج، لكنها قد تحتوي على بعض الإيحاءات التي تحتاج إلى توضيح، خاصة في المقارنة بين العثمانيين والمغول.

⚠️ يجب الانتباه إلى أن تصوير الحج العثماني كأداة سياسية فقط، أو تصوير الحج المغولي كمجرد عمل خيري، هو تبسيط غير دقيق للواقع التاريخي.




___________________


السلام عليكم ورحمه الله وبركاته 

Comments

Popular posts from this blog

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

لم يكن القرآن أكثر من تجميع لما يلي:1- الأساطير اليهودية و العربية

عقيدة التطهير اليهودية VS عذاب القبر والشفاعة في الإسلام