بسم الله الرحمن الرحيم؟ جبل ذبوب

تقرير شامل حول نقش جبل ذَبُوْب الزَّبُوري وذكر البسملة الكاملة


مقدمة

يُعَد نقش جبل ذَبُوْب الزَّبُوري أحد أقدم النقوش التي تحتوي على البسملة الكاملة "بسم الله الرحمن الرحيم"، مما يجعله وثيقة تاريخية هامة تُلقي الضوء على انتشار العقيدة التوحيدية في جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس أو السابع الميلادي. اكتُشف النقش عام 2018 في منطقة الضالع باليمن، ودُرس من قبل الباحثين المختصين في النقوش اليمنية القديمة، وأبرزهم الدكتور محمد علي الحاج.


أهمية النقش

يتميز نقش جبل ذَبُوْب بعدة خصائص تجعله وثيقة فريدة من نوعها:

  1. احتواؤه على البسملة الكاملة: يُعد من أقدم النقوش التي تتضمن البسملة بصيغتها الحالية.
  2. القيمة اللغوية: يحتوي النقش على ألفاظ لم يُعثر عليها سابقًا في النقوش اليمنية، مثل:
    • ر ز ق ن (الرزق)
    • ش ك م ت (العطاء أو القوة)
    • م خ هـ (عقله أو قلبه)
    • أ ي م ن (الإيمان)
  3. التاريخ المحتمل: يرجع إلى أواخر القرن السادس الميلادي أو بداية القرن السابع الميلادي.
  4. الطابع التوحيدي: يُظهر النقش أن اسم "الرحمن" كان يُستخدم كصفة إلهية مرتبطة بالله.

نص النقش وقراءاته

وفقًا للباحث شايف محمد قاسم الحدي، جاء النص كما يلي:

"بسم الله الرحمن الرحيم رب السماوات.. أسألك الرزق من فضلك وأن تمنح عقله (قلبه) قوة (حلاوة) الإيمان"

وتم اقتراح قراءتين للنص:

  1. القراءة الأولى:
    "بسم الله الرحمن الرحيم رب السموات، الرزاق الذي مفضلك أيها الإنسان، والمردف نعمه عليك بأن أعطاك الإيمان"
  2. القراءة الثانية:
    "بسم الله الرحمن الرحيم رب السموات، أسألك الرزق من فضلك وأن تمنح عقله (قلبه) قوة (حلاوة) الإيمان"

اسم "الرحمن" في العقيدة التوحيدية

يُعد اسم "الرحمن" من الأسماء المختصة بالله تعالى، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع عديدة، منها:

  • في رسالة النبي سليمان إلى بلقيس ملكة سبأ:
    "إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (النمل: 30)

وقد أُثبت أن اسم "الرحمن" كان معروفًا في اليمن قبل الإسلام، لكنه كان يُستخدم في سياقات مختلفة وفقًا للديانات المنتشرة آنذاك.


ذكر اسم "الرحمن" في النقوش اليمنية الأخرى

ورد اسم "الرحمن" في بعض النقوش السبئية القديمة، ولكن مع اختلاف في السياقات والمعاني، ومن ذلك:

  • نقش يهودي من محافظة إب (حوالي 580م)، ورد فيه اسم "الرحمن" ضمن سياق ديني مرتبط باليهود في اليمن، حيث جاء فيه:
    "لعل الرحمن يباركه"

ويشير بعض الباحثين إلى أن اليهود في اليمن كانوا يستخدمون اسم "الرحمن" للدلالة على الله، لكن هناك تفسيرات مختلفة حول معناه لديهم.


تحريف اسم "الرحمن" عند المشركين وغيرهم

يُذكر أن بعض الوثنيين واليهود والنصارى قاموا بتحريف معنى اسم "الرحمن" وإطلاقه على غير الله، كما ظهر في بعض النقوش التي تشير إلى استخدام الاسم مع آلهة أخرى مثل "بعل سمين".


العلاقة بين النقش وفكرة وجود التوحيد قبل الإسلام

بعض المستشرقين والملحدين يزعمون أن الإسلام لم يكن إلا امتدادًا لأفكار الحنيفية التي سبقت بعثة النبي محمد ﷺ، وأن نقش جبل ذَبُوْب يدل على أن البسملة وعبادة الله الرحمن الرحيم كانت موجودة قبل الإسلام. لكن هذه الادعاءات تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وذلك للأسباب التالية:

  1. التوحيد كان معروفًا قبل الإسلام: جاء الإسلام ليؤكد التوحيد الذي كان معروفًا بين الأحناف، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، لكن العقيدة الإسلامية جاءت بمفاهيم أكثر وضوحًا عن الألوهية والعبودية.
  2. تطور اللغة والدين لا يعني الاقتباس: مجرد وجود بعض المصطلحات الدينية قبل الإسلام لا يعني أن الإسلام اقتبسها، بل إن القرآن جاء ليعيد تصحيح العقيدة ويوضح أن "الرحمن" هو اسم من أسماء الله.
  3. النقش يعكس التأثير الديني لكنه لا يناقض الوحي: فوجود نقش يذكر البسملة بصيغتها الحالية يدل على انتشار مفاهيم التوحيد في اليمن، ولكنه لا ينفي أن النبي محمد ﷺ جاء بوحي جديد يؤكد العقيدة الصحيحة.

الرد على الشبهة حول "مسيلمة الحنفي" ونبي الأحناف في اليمن

هناك شبهة طرحها بعض الملحدين حول نبي الأحناف في اليمن، حيث قالوا:

"كان نبي الأحناف في اليمن وكان يعتبر تهديدًا حقيقيًا لدعوة محمد في مكة والمدينة، ولذلك اتفق محمد مع أتباعه لاغتياله، لكن الغريب أن محمد لم يحاول اغتيال مسيلمة الحنفي في اليمامة رغم أن أتباعه أكثر، بل إنه قابله وتحدث معه، مما يدل على أنه كان يراه امتدادًا شرعيًا لدعوته قبل أن يقضي عليه خالد بن الوليد."

الرد على هذه الشبهة

  1. ادعاء "نبي الأحناف في اليمن" غير دقيق

    • لم يكن هناك نبي أحناف في اليمن معروف تاريخيًا، بل كان هناك بعض الأشخاص الذين ادعوا النبوة مثل "الأسود العنسي"، الذي لم يكن حنيفيًا بل كان صاحب نفوذ سياسي.
    • لم يكن الأسود العنسي تهديدًا فكريًا للإسلام بقدر ما كان تهديدًا سياسيًا للمسلمين في اليمن، ولذلك قُتل بتحالف بين المسلمين وقبائل اليمن.
  2. لماذا لم يُقتل مسيلمة فورًا؟

    • النبي ﷺ لم يقتل أحدًا لمجرد ادعائه النبوة، بل كان يتعامل معه وفقًا للموقف السياسي والديني.
    • مسيلمة لم يكن خطرًا مباشرًا على الإسلام في البداية، لكنه أصبح تهديدًا عسكريًا بعد وفاة النبي ﷺ، ولذلك تعامل معه الخليفة أبو بكر الصديق وأرسل له جيشًا بقيادة خالد بن الوليد.
  3. النبي ﷺ لم يكن يغتال خصومه

    • الإسلام لم يقم على الاغتيالات السياسية، بل كان الدعوة هي الأساس، والقتال لم يكن إلا ضد من يعلن الحرب على المسلمين.
    • اغتيال الأسود العنسي لم يكن بأمر مباشر من النبي ﷺ، بل كان بجهود المسلمين في اليمن.

خاتمة

يُعد نقش جبل ذَبُوْب الزَّبُوري من أهم الشواهد الأثرية التي تؤكد انتشار التوحيد في اليمن قبل الإسلام أو في بداياته، ويُثبت أن اسم "الرحمن" كان معروفًا عند العرب قبل نزول القرآن، ولكن الإسلام جاء ليصحح الفهم العقائدي له.

أما المزاعم حول "نبي الأحناف في اليمن" فهي لا تستند إلى أدلة تاريخية صحيحة، والنقش لا يدل على أن الإسلام مقتبس من الحنيفية، بل يُثبت أن الإسلام جاء ليعيد إحياء التوحيد الصافي.

Comments

Popular posts from this blog

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

لم يكن القرآن أكثر من تجميع لما يلي:1- الأساطير اليهودية و العربية

عقيدة التطهير اليهودية VS عذاب القبر والشفاعة في الإسلام