الحمد لله على كل حال!
الرد التفصيلي على شبهة "بسم الله الرحمن الرحيم" وأصلها
مقدمة
تدور هذه الشبهة حول الادعاء بأن عبارة "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست أصيلة في الإسلام، بل إنها مأخوذة من التراث اليهودي أو النصراني، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم تبناها من السريان أو تأثر بمسيلمة الكذاب. ويستند أصحاب هذه الشبهة إلى بعض الروايات والادعاءات اللغوية والتاريخية غير الدقيقة.
في هذا التقرير، سنناقش هذه الشبهة بشكل مفصل ومنهجي، مع الرد عليها من الناحية اللغوية، والتاريخية، والعقدية، والقرآنية.
أولًا: هل "بسم الله الرحمن الرحيم" جزء من القرآن؟
1. إثبات وجود البسملة في القرآن
-
لا خلاف بين المسلمين على أن "بسم الله الرحمن الرحيم" جزء من القرآن، والدليل الواضح على ذلك هو قوله تعالى في سورة النمل:
{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} (النمل: 30).
- هذه آية قرآنية صريحة تثبت أن "بسم الله الرحمن الرحيم" وردت في القرآن نصًا.
-
أما البسملة في أوائل السور، فقد اختلف العلماء هل هي جزء من السور أم آية مستقلة؟ لكن لا يوجد خلاف على أنها جزء من القرآن، وإلا لما وجدت مكتوبة في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
2. البسملة في السنة النبوية
- من الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم البسملة بوحي من الله أنه أمر بقراءتها في الصلاة، حيث قال:
"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" (رواه ابن حبان).
- كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها في الرسائل الرسمية، ومنها رسالته إلى هرقل عظيم الروم، التي بدأها بـ:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم".
ثانيًا: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم "باسمك اللهم" قبل نزول "بسم الله الرحمن الرحيم"؟
- نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم "باسمك اللهم" قبل نزول "بسم الله الرحمن الرحيم"، كما جاء في بعض الروايات. وهذا لا يعني أن "بسم الله الرحمن الرحيم" مأخوذة من أي مصدر آخر، بل يعني فقط أن الله أوحى إلى النبي بصيغة أكثر تفصيلًا لاحقًا.
- تغيير الصيغة من "باسمك اللهم" إلى "بسم الله الرحمن الرحيم" هو جزء من مراحل نزول الوحي التدريجية، مثلما تطورت أحكام الصلاة والصيام والزكاة تدريجيًا.
ثالثًا: هل كلمة "الرحمن" مأخوذة من رحمن اليمامة (مسيلمة الكذاب)؟
هذه مغالطة تاريخية كبيرة، والرد عليها كما يلي:
-
"الرحمن" من أسماء الله في الإسلام، ولم يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم من مسيلمة
- اسم "الرحمن" موجود في القرآن قبل ظهور مسيلمة الكذاب، حيث نزلت الآيات التي تتحدث عن الرحمن في مكة، مثل:
{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} (الإسراء: 110).
- مسيلمة الكذاب ظهر بعد البعثة النبوية، وأخذ لقب "رحمن اليمامة" تحديًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس العكس.
- إذن، من الذي سرق الاسم؟ النبي محمد صلى الله عليه وسلم أم مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة كذبًا؟!
- اسم "الرحمن" موجود في القرآن قبل ظهور مسيلمة الكذاب، حيث نزلت الآيات التي تتحدث عن الرحمن في مكة، مثل:
-
اعتراف القرآن بإنكار المشركين لاسم "الرحمن"
- بعض المشركين لم يكونوا يستخدمون اسم "الرحمن"، وعندما سمعوه في القرآن استغربوا، كما قال تعالى:
{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} (الرعد: 30).
- وهذا يدل على أن "الرحمن" كان اسمًا إلهيًا خاصًا بالله وليس خاصًا بمسيلمة أو أي كاهن آخر.
- بعض المشركين لم يكونوا يستخدمون اسم "الرحمن"، وعندما سمعوه في القرآن استغربوا، كما قال تعالى:
رابعًا: هل "الرحمن" كلمة سريانية أو نصرانية؟
هذه الشبهة تعتمد على ادعاء أن "الرحمن" أصلها كلمة سريانية أو آرامية أو نصرانية، ولكن هذا خطأ واضح للأسباب التالية:
-
"الرحمن" كلمة عربية أصيلة
- "الرحمن" على وزن "فعلان"، وهو وزن عربي أصيل يستخدم للدلالة على الامتلاء بالصفة، مثل:
- غضبان (ممتلئ بالغضب)
- عطشان (ممتلئ بالعطش)
- رحمن (ممتلئ بالرحمة)
- "الرحمن" على وزن "فعلان"، وهو وزن عربي أصيل يستخدم للدلالة على الامتلاء بالصفة، مثل:
-
كلمة "الرحيم" أيضًا عربية، وهي على وزن "فعيل"، وهي تدل على الرحمة المستمرة.
-
لم يكن العرب في مكة بحاجة إلى استعارة كلمة "الرحمن" من السريان أو اليهود، لأنهم كانوا يعرفونها ويستخدمونها، حتى لو أنكروها في بعض الأحيان.
-
لو كانت "الرحمن" كلمة سريانية أو آرامية، فلماذا اعترض العرب عليها وسألوا:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ} (الفرقان: 60)؟
- هذا يعني أن الكلمة لم تكن متداولة عندهم، لكنها كانت من أسماء الله التي أوحى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: هل البسملة مأخوذة من البطاركة السريان؟
- الادعاء بأن "بسم الله الرحمن الرحيم" مأخوذة من البطاركة السريان الذين استخدموا عبارة "بشم ألوهة رحمانو رحيمو" هو ادعاء غير دقيق.
- حتى لو كان هناك تشابه لغوي بين العبارات، فهذا لا يعني النسخ أو الاقتباس، لأن اللغات السامية (العربية، العبرية، السريانية) تشترك في جذور لغوية كثيرة، ومن الطبيعي أن يكون هناك ألفاظ متشابهة.
- التشابه لا يعني الاقتباس، وإلا لقلنا إن كل الكلمات المشتركة بين اللغات هي سرقة!
خاتمة: ما الجديد الذي جاء به الإسلام؟
- أحد الشبهات تقول: "ما الجديد الذي جاء به الإسلام إذا كانت تعاليمه مأخوذة من اليهودية والمسيحية؟"
- والرد:
- الإسلام جاء بالتوحيد الخالص، بينما في اليهودية هناك تحريف، وفي المسيحية يوجد تأليه للمسيح.
- الإسلام أعاد البشرية إلى عبادة الله وحده، ورفض عبادة الأحبار والرهبان والوسائط البشرية.
- الإسلام أعاد التشريعات الإلهية الصافية، مثل تحريم الخنزير، والختان، والتعدد المنضبط، وهي أمور حرّفها بولس وليس المسيح.
إذن، الإسلام لم يكن نسخة من أي دين آخر، بل كان تصحيحًا لما أفسدته البشرية على مر العصور.
الخلاصة
- "بسم الله الرحمن الرحيم" جزء من القرآن، وليس مقتبسًا من أي ديانة أخرى.
- "الرحمن" من أسماء الله، وليس مأخوذًا من مسيلمة الكذاب.
- "الرحمن" كلمة عربية أصيلة، وليست آرامية أو سريانية.
- التشابه بين بعض المصطلحات بين الإسلام والديانات الأخرى لا يعني السرقة، بل يعني وحدة الأصل السماوي.
Comments
Post a Comment