قصة الخليقة بين القرآن والتوراة الثاني....

بسم الله الرحمن الرحيم 
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 

____________________________

ملحد يقول 
👇
قصة الخليقة بين القرآن والتوراة


فراس السواح 
 الخلفية الميثولوجية : تتحدّث أقدم الأساطير المدوّنة في ثقافات الشرق القديم، وهي الأساطير السومرية (النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد)، عن خلق العالم ابتداءً من الهيولى المائية الأولى. ونستطيع اعتماداً على عدد من النصوص السومرية التي لم تصلنا كاملة، إعادة بناء أسطورة التكوين السومرية على الشكل التالي: (1) 1 – في البدء كان الإلهة نمو، وهي المياه البدئية التي انبثق عنها كلّ شيء فيما بعد . 2 – ثم إنّ هذه المياه الأولى قد أنجبت توأمين هما السماء آن، وهو مذكّر، والأرض كي، وهي مؤنّث، وكانا ملتصقين ببعضهما في كتلة مادية غير متمايزة، تدعوها النصوص السومرية بجبل السماء والأرض. 3 – من تلاقح السماء والأرض ولد الهواء إنليل، وبدأ يشعر بالضيق من عدم وجود متّسع له للحركة بين أبويه، فعمد بقوّته الخارقة إلى فصل السماء عن الأرض، فسمت السماءُ وانبسطت الأرض، وراح الهواء إنليل يرتع بينهما.

إنّ عناصر قصة الميلاد المائيّ هذه تعود إلى الظهور في الميثولوجيا المصرية. ففي البدء لم يكن سوى الأوقيانوس المائي العظيم المدعوّ نون. في أعماق هذه الهيولى المائية البدئية، كانت تحوم روح بلا هوية تركّزت في داخلها تدريجياً كلّ الممكنات، وصار اسمها آتوم (والكلمة تعني الاكتمال، وفي الوقت نفسه العدم). ثم إنّ آتوم هذا تجلّى عند بدء الزمن تحت اسم آتوم – رع، وأنجب الآلهة والبشر. وفي رواية أخرى لقصّة الخليقة المصرية: نجد أنّ إله الشمس رع كان كامناً في حضن المياه الأولى نون تحت اسم آتوم. ولخوفه على نوره من الانطفاء انطوى داخل برعم لوتس ظلّ يهيم على غير هدى في الأعماق المائية. ثم جاء وقت سئم فيه من حالته الشبيهة بالعدم، فانبثق بإرادته الخاصة وتجلّى تحت اسم “رع”. وبعد ذلك أنجب الهواء شو، وهو مذكّر، والرطوبة تفنوت، وهي مؤنّث. وهذان أنجبا بدورهما الأرض جيب، وهو مذكر، والسماء نوت، وهي مؤنث. وكانت السماء والأرض في حالة التصاق وعناق شبقيّ دائم، ولكن الهواء شو الذي يلعب هنا دور إنليل السومري، تسلّل بينهما فرفع السماء على ذراعيه نحو الأعلى ووطئ الأرض بقدميه. ومنذ ذلك الحين وجيب ينوح ويبكي على فراق زوجته نوت. (2)

على أنّ أكمل وأطول نصّ في التكوين قد قدّمه لنا البابليون ورثة الحضارة السومرية، وهو يعود بتاريخه إلى مطلع الألف الثانية قبل الميلاد، وقد وُجدت منه نسخة شبه تامّة في مكتبة الملك آشور بانيبال بمدينة نينوى تعود بتاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد. في هذه الأسطورة يحلّ الإله البابليّ مردوخ محلّ الإله القديم إنليل كبطل للتكوين، وهو الذي يفصل الكتلة المائية البدئية المدعوّة تعامة، أو الأمّ هابور أصل كل الأشياء، والتي تصورّها البابليون على هيئة تنّين مائيّ هائل، ليصنع منها السماء والأرض وبقية مظاهر الوجود. فبعد معركة فاصلها مع هذه الإلهة وجُنْدِها، قطع مردوخ رأسها ثم شقّها إلى قسمين فانفتحت كما الصدفة. فرفع نصفها الأوّل إلى الأعلى فصار سماء وضع تحتها العوارض حتى لا يتسرّب ماؤها، وبسط الثاني فصار أرضاً. ثم التفت بعد ذلك إلى تنظيم شؤون السماء والأرض، فعمد إلى السماء وزينها بالنجوم وأظهر كويكبات أبراج السنة، وصنع القمر وأوكله بالليل، وصنع الشمس وأوكلها بالنهار، وفصل بين تخوم النهار وتخوم الليل، ثم التفت إلى الأرض فأبرز معالمها وصنع التلال والجبال، وفجّر من باطنها ينابيعاً وأسال أنهاراً، وخلق الغيوم وحمّلها بالمطر الغزير، مهيئاً بذلك لظهور الحياة النباتية والحيوانية. وأخيراً خلق الإنسان.

وقد وصلتنا هذه الأسطورة منقوشة على سبعة ألواح فخارية، الستة الألواح الأولى منها مخصّصة لوصف فعاليات الإله الخلاقة، أما اللوح الأخير فمخصّص لوصف جلوس الإله مردوخ على العرش في القصر الجديد الذي بناه له رفاقه الآلهة، واحتفالهم بنصره على تنين الماء وخلق العالم، وترنُّمهم بأسمائه الخمسين التي يعبر كل واحد منها عن صفة من صفاته أو خصيصة من خصائصه(3). ولعلّ هذا ما أوحى إلى المحرّرين التوراتيين، الذين استلهموا هذه الأسطورة خلال فترة السبي البابلي، بفكرة أيام الخلق الستة واستراحة الخالق في اليوم السابع، ودبَّحوا قصتهم التي تقوم ذات العناصر التي قامت عليها أسطورة التكوين البابلية وبقية أساطير التكوين في الثقافات المشرقية.


 – قصة الخليقة التوراتية:

رغم أنّ قصة الخليقة قد تصدّرت الإصحاحات الأولى من سفر التكوين، وهو أوّل أسفار التوراة العبرانية، إلا أنّ إشارات متفرقة إلى فعاليات إله التوراة يهوه في التكوين، قد وردت في عدد من الأسفار الأخرى، حيث نجد يهوه منهمكاً قبل الخلق، على طريقة الإله مردوخ، في السيطرة على المياه الأولى وإخضاعها، أو في الصراع مع تنين بحري يمثل تلك المياه، يدعى لواياتان أو رهب. نقرأ في سفر المزامير: ” أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رؤوس التنانين على المياه. أنت رضضت رؤوس لواياتان … لك النهار ولك الليل أيضاً. أنت هيأت النور والشمس، أنت نصبت كل تخوم الأرض. الصيف والشتاء أنت خلقتهما. ” (المزمور 74: 13-17). وأيضاً: أنت متسلط على كبرياء البحر، عند ارتفاع لججه أنت تُسكتها. أنت سحقت رهب مثل القتيل، بذراع قوتك بددت أعداءك. لك السماوات ولك الأرض أيضاً. المسكونة وملؤها أنت أسستهما، الشمال والجنوب أنت خلقتهما. ” (المزمور 89: 9-12). وأيضاً: ” المؤسسُ الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر وإلى الأبد. كسوتَها الغمرَ كثوب. فوق الجبال تقف المياه، من انتهارك تهرب، من صوت رعدك تفر تصعد إلى الجبال، تنزل إلى البقاع إلى الموضع الذي أسسته لها. وضعتَ تخماً لها لا تتعداه، لا ترجع لتغطي الأرض. ” (المزمور104: 5-9). ونقرأ في سفر إشعيا: “استيقظي، استيقظي، إلبسي قوة يا ذراع الربّ. ألستِ أنتِ القاطعةُ رهب، الطاعنة التنين؟.” (إشعيا 51 : 9) .

وفي الحقيقة فإنّ فكرة إخضاع المياه البدئية وقتل تنّينها، لم ترد إلى الميثولوجيا التوراتية من ميثولوجيا بلاد الرافدين فقط، وإنما من الميثولَوجيا السورية الكنعانية أيضاً. ففي نصوص بعل وعناة التي وردتنا من ثقافة مدينة أوغاريت الساحلية، نجد الإله بعل أقوى وأفتى الأرباب يخضع المياه البدئية المتمثلة في الإله “يم” قبل أن يباشر مهامه في تنظيم العالم، وترتيب دورة الفصول التي تأتي بالمطر والثلج لخصب الأرض وحياة الزرع. كما أنه يصرع التنين البحري “لوتان”، الذي يظهر في النصوص التوراتية تحت اسم “لواياتان”. نقرأ في نصوص بعل الفقرة التالية وما يقابلها في سفر إشعيا التوراتي، حيث يبدو وكأنّ المحرر التوراتي ينسخ حرفياً عن النص الأوغاريتي:

1 – النص الأوغاريتي:

والآن تريد أن تسحق لوتان

الحية الهاربة

الآن تريد أن تُجهز على الحية المتحوية

ذات الرؤوس السبعة

2 – سفر إشعيا 27 : 1

في ذلك اليوم يعاقب الربّ

بسيفه القاسي الشديد

لواياتان الحية الهاربة

لواياتان الحية المتحوية

ويقتل التنين الذي في البحر

نلتفت الآن إلى النص الأساسي لقصة الخليقة التوراتية. ونقدمه كاملاً:

” في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خَربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله (4) يرفّ فوق وجه المياه. وقال الله ليكن نور، فكان نور. ورأى الله أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً .

” وقال الله : ليكن جَلَدٌ في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك ودعا الله الجلد سماءً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً .

وقال الله : ليكن جَلَدٌ في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك ودعا الله الجلد سماءً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً .

” وقال الله: لتجتمع المياه التي تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضاً، ومجمع المياه دعاه بحاراً. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبرز بزراً، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه على الأرض. وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً كجنسه، وشجراً يعمل ثمراًً بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً.

” وقال الله: لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكن لآيات وأوقات وسنين، وتكون أنوار في جلد السماء لتنير على الأرض. وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم، وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض، ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً رابعاً.

” وقال الله: لتُفِضْ المياه زحافات ذات نفس حيّة، وليطر طير فوق الأرض وعلى وجه السماء. فخلق الله التنانين وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها، وكل طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلاً: أثمري واكثري واملئي المياه في البحار، وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يوماً خامساً.

” وقال الله لتُخرج الأرض ذوات نفس حية كجنسها، بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، والبهائم كأجناسها، وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى كل الدبابات التي تدب على الأرض، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم، وباركهم وقال لهم أثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء على كل حيوان يدب على الأرض … ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً. وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً.

” فأُكملت السماوات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدَّسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل خالقاً. (سفر التكوين 1و2 : 1-3) .

تتفق قصة الخليقة التوراتية في جميع عناصرها تقريباً مع قصة الخليقة البابلية. فالخلق يتمّ انطلاقاً من المياه البدئية التي يفصلها الخالق ويصنع منها السماء والأرض. وبعد ذلك تتتابع مراحل خلق بقية مظاهر الكون وفق الترتيب نفسه، ويأتي خلق الإنسان بمثابة الخاتمة، ثم يستريح إله التوراة في اليوم السابع مثلما استراح مردوخ في قصره واستوى على عرشه أمام بقية الآلهة التي احتفلت به.



قصة الخليقة القرآنية :

كما هو الحال في سفر التكوين التوراتي، فإنّ القرآن الكريم يخبرنا بأنه في البدء لم يكن سوى الله والماء. ثم خلق الله كل شيء في ستّة أيام: ” وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء.” (سورة هود: 7) ويروي ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الحديث التالي عن الرسول الكريم رواه البخاري ومسلم: ” كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء. ” وفي حديث آخر أن أبا هريرة قال لرسول الله: “إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني. فأخبرني عن كل شيء. قال رسول الله: كل شيء خُلق من ماء. ” (ابن كثير، ج11 مجلد2، ص575. وج17 مجلد3، ص239) .

وعندما أراد الله خلق العالم، عمد إلى هذه الكتلة المائية البدئية فشقّها إلى نصفين، وصنع منها السماء والأرض: ” أو لم ير الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي.” (21الأنبياء: 30). ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ” أو لم يروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً، أي كان الجمع متصلاً بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر. ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء. ” (الجزء 17، المجلد3، ص238). وفي موضع آخر يروي ابن كثير عن الربيع بن أنس: ” وكان عرشه على الماء. فلما خلق السماوات والأرض قسَّم ذلك الماء قسمين فجعل نصفاً تحت العرش، وهو البحر المسجور. ” (الجزء 11، المجلد2. ص75).

بعد ذلك تتتابع عمليات الخلق وفق ترتيبها في القصة التوراتية تقريباً، إلا أننا لا نستطيع أن نُرجع كل عملية إلى يوم بعينه من أيام التكوين. فقد رفع الله السماء وتركها في حالة سديمية غير منظمة، ثم التفت إلى تنظيم الأرض فرسم معالمها وخلق نباتاتها وحيواناتها: ” خلق السماوات بغير عَمد ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وبثّ فيها من كل دابة، وأنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا فيها من كل زوج كريم. ” (31 لقمان: 10). ” أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها، رفع سَمكها فسواها، وأغشى ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها. ” (36 النازعات: 27-31). ” وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم، وجعلنا فيها فجاجاً سُبلاً لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً. ” (21 الأنبياء: 31) .



وقد استغرق خلق الأرض وتنظيمها أربعة أيام من أيام الخلق الستة. بعد ذلك التفت الله إلى السماء وهي في حالتها السديمية، فنظم أمورها وزينها بالأجرام المضيئة والكواكب التي تسير في أفلاكها: ” قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً، ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها، قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً، ذلك تقدير العزيز العليم.” (41 فُصّلت: 9-12).


وهنالك آيات أخرى تشير باختصار إلى فعاليات التكوين دون أن توحي بترتيب معين، منها: “وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر.” (21 الأنبياء: 33). ” وجعل الليل سَكناً والشمس والقمر حسباناً. ” (6 الأنعام: 96) . ” هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب.” (10 يونس: 5). ” تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً.” (25 الفرقان: 61). ” وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها العيون.” (36 يس: 33-34). ” ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة.” (42 الشورى: 29. 



بعد ذلك يأتي خلق الإنسان كآخر عمل من أعمال التكوين، على ما هو الحال في قصة الخليقة التوراتية: “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شيء عليم. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال إني اعلم ما لا تعلمون.” (2 البقرة: 29-30).


وكما رأينا الربّّ في الرواية التوراتية يستريح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، فإنّ الله يستوي على العرش في اليوم السابع: “وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش.” (57 الحديد: 4). ولكن الاستواء على العرش هنا لا يتضمن معنى الراحة: “وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب (= تعب). ” (50 ق: 38).


وهنالك عنصر في الرواية القرآنية لم يرد في سفر التكوين التوراتيّ، وهو خلق سبع سماوات وسبع أرضين: ” الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن. ” (65 الطلاق: 12). ” الذي خلق سبع سماوات طباقاً. ” (67 المُلك: 3). ولكن مثل هذا التصور للسماء والارض قد ورد في الأدبيات الدينية اليهودية، ومنها ما جاء في كتاب الهاجاده (وهو نوع من الشروح على التوراة يستخدم أسلوب القص). فعندما خلق الله السماء جعلها سبع طبقات تتدرج من السماء الدنيا التي تستند قبتها إلى الأرض عند الجهات الأربع، وحتى السماء السابعة التي تتصل بيدي الخالق. كما جعل الأرض أيضاً سبع طبقات. ثم جعل الجحيم في الجهة الشمالية من الأرض وقسمه إلى سبع درجات، وجعل الفردوس في الجهة الشرقية وقسمه إلى سبع درجات أيضاً.(5)



وبما أنّ كتاب الهاجاده قد غدا جزءاً من التلمود اليهوديّ، فإنّ هذا التصوّر لطبقات السماء والأرض والجحيم والفردوس، قد غدا جزءاً من العقائد اليهودية الراسخة، والتي تتفق مع التصورات الكوزمولوجية لثقافات الشرق القديم، التي رأت أيضاً أن السماء تتألّف من سبع طبقات، وفوق السماء السابعة هناك مسكن إله السماء المدعوّ آنو في بلاد الرافدين، وإيل في بلاد الشام. والتي رأت أيضاً أنّ الأرض تندرج هبوطاً في سبع طبقات نحو العالم الأسفل (أو الجحيم)، وفي كلّ بوابة من بوّابات الجحيم .

الشواهد:

1 – S. N. Kramer , Sumerian Mythology , Harper and Row , New york , 1961 , ch . 2

– S. N. Kramer , The Sumerian , The University of Chicago Press , 1963 , ch . 4

2 – J. Viaud, Egyptian Mythology. In : Larousse Encyclopedia of Mythology,

Hamlyn, London, 1977, PP. 11-16 .

3 – من أجل النص الكامل لأسطورة التكوين البابلية، ومراجعه، انظر كتابي ( مغامرة العقل الأولى ) ، فصل التكوين البابلي .

4 – ألفت نظر القارئ إلى أن لفظ الجلالة ” الله “، أينما ورد في التوراة، هو في الأصل العبري إما “إيل” أو “إيلوهيم” . وهما اسمان تبادليان مع الاسم “يهوه” الأكثر استخداماً من قبل محرري الكتاب .

5 – Willis Barnston , The Other Bible , Harper , Newyork , 1980 , PP. 16-19



____________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم 

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 

تقبل الله صلاة الجميع وصيامهم 

باذن الله تعالى انا اكتب جواب في هذه شبهة ملحدين ☝️


الملحد هنا يطرح شبهة حول تشابه القصص الدينية بين القرآن والتوراة من جهة، والأساطير السومرية والمصرية من جهة أخرى، والتي تتحدث عن خلق الكون والانفصال بين السماء والأرض. الهدف من هذه الشبهة هو الإشارة إلى أن الأديان السماوية ربما تأثرت بهذه الأساطير القديمة، ما يعزز فكرة أن القصص الدينية ليست وحياً إلهياً بل مجرد نسخ أو محاكاة للأساطير القديمة.


الجواب الدقيق على هذه الشبهة:

1. التشابه ليس دليلاً على النقل أو التأثر:

وجود بعض التشابه بين القصص الدينية والأدب الأسطوري لا يعني بالضرورة أن الأديان السماوية (القرآن والتوراة) قد تأثرت بهذه الأساطير. يمكن أن تكون هذه التشابهات نتيجة للعديد من العوامل المشتركة بين الثقافات، مثل التجربة الإنسانية المشتركة في تفسير نشأة الكون.

القرآن والتوراة يؤكدان أن الله هو الخالق الوحيد للكون، وهذا يختلف عن الأساطير التي تتحدث عن آلهة متعددة، وهذه النقطة تميزها بشكل أساسي عن القصص الأسطورية.

2. القرآن ينفي الأساطير ويُظهر الوحدانية:

القرآن الكريم لا يذكر أي تفاصيل مشابهة للأفكار التي تطرحها الأساطير السومرية أو المصرية حول "الإلهة المائية" أو "الانفصال بين السماء والأرض" وفق الطريقة الأسطورية.

في القرآن، نجد أن خلق الكون يتم وفقاً لأمر الله تعالى بقدرته، كما قال تعالى: "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" (يس: 82). لا يوجد ذكر لمواجهة أو صراع بين آلهة أو وجود طقوس شبيهة بتلك الموجودة في الأساطير القديمة.

3. الاختلاف الجوهرى بين الأديان السماوية والأساطير. 

الأساطير السومرية والمصرية تتحدث عن كائنات متعددة ومتنازعة حول السيطرة على الكون (مثل إنليل في السومرية ورا في المصرية). بينما في القرآن والتوراة، الله هو الخالق الوحيد والعظيم الذي لا شريك له، وهو الذي خلق الكون بكلمة.


القرآن يبرز فكرة الخلق من العدم وليس من "مياه بدئية" أو "الهيولى المائية"، كما في الأساطير. كما أن التفسير القرآني لا يعكس الأسطورة السومرية أو المصرية بل يشير إلى أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام بإرادته وإرادة الله لا تتأثر بأي قوة أخرى.


4. وجود إشارات للخلق في الكتب السماوية قبل الأساطير:

من الممكن أن تكون الأساطير السومرية والمصرية قد تأثرت بطريقة أو بأخرى بالثقافات القديمة التي كانت على اتصال مع القصص التي وردت في التوراة والكتب السماوية، حيث أن التوراة والأنبياء السابقين سبقوا هذه الأساطير بزمن طويل. القرآن الكريم جاء ليُصحح هذه الأساطير ويُوضح الحقيقة الإلهية.

5. إشارات في القرآن تنقض الأساطير:

القرآن الكريم يتحدى الأساطير في العديد من آياته ويُظهر النقيض منها، مثل فكرة الخلق التي بدأت بنظام منظم وعقلاني من قبل الخالق الواحد وليس من صراع بين آلهة أو كائنات.

في القرآن، لا نجد فكرة المياه البدئية أو التزاوج بين السماء والأرض بشكل أسطوري، بل نجد الخلق الذي تم بتدبير حكيم من الله، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما.

الاختلاف بين الأساطير والقصص الدينية في القرآن والتوراة واضح وجوهري. الأديان السماوية تركز على التوحيد ووجود خالق واحد، بينما الأساطير السومرية والمصرية تتحدث عن تعدد الآلهة والصراعات بين القوى الطبيعية. هذا يثبت أن الأديان السماوية لا تعتمد على الأساطير، بل تنقل حقيقة إلهية تأتي من مصدر وحيد لا شريك له.

الاختلاف الجوهري بين الأساطير والقصص الدينية في القرآن:


1.القرآن الكريم يُوضح أن الخلق تم بأمر من الله وحده، ولا يتضمن أي فكرة عن صراع بين آلهة أو كائنات. فالخلق في القرآن هو نتيجة لإرادة الله، وليس من خلال معركة بين كائنات أو آلهة كما في الأساطير. كما في قوله تعالى: "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (النحل: 40). هذه الآية تبرز كيف أن الخلق تم بكلمة واحدة من الله وليس عبر صراع أو تفريق بين قوى متنازعة.

2. الأسطورة البابليّة تمثل تعدد الآلهة وصراع القوى:

الأسطورة البابلية التي يتحدث عنها الملحد تذكر أن الخلق جاء من معركة بين الإله مردوخ وتنين المياه "تعامة"، وهذه صورة تشير إلى تعدد الآلهة وصراعهم. بالمقابل، القرآن الكريم لا يعرف سوى إله واحد خالق للكون، وهو الله تعالى الذي خلق السماوات والأرض بدون صراع أو معركة بين آلهة متعددة. هذه نقطة أساسية تميز بين القصص الدينية القرآنية وهذه الأساطير.

الأساطير البابليّة تُصوّر الخلق كتتويج لصراع بين الآلهة، وهو مفهوم غير موجود في القرآن، بل نجد أن الخلق تم بتقدير إلهي حكيم.

3. التوراة قد تكون تأثرت بالأساطير السومرية و البابلية 

من المهم أن نلاحظ أن التوراة، رغم وجود بعض التشابهات مع الأساطير البابليّة، قد تكون قد تأثرت بها بشكل غير مباشر أثناء فترة السبي البابلي، ولكن هذا التأثير لا ينفي حقيقة أن التوراة في جوهرها تحمل رسالة التوحيد، وأن الخالق هو الله الواحد الأحد. التوراة ذاتها تتحدث عن خالق واحد، وتدحض فكرة تعدد الآلهة التي توجد في الأساطير

من الممكن أن يكون المفسرون التوراتيون قد تأثروا ببعض التفاصيل أو الرموز من الأساطير البابليّة، ولكن الفكرة الجوهرية في الكتاب المقدس - سواء التوراة أو القرآن - هي التوحيد والتأكيد على أن الله هو الخالق الوحيد الذي لا شريك له.

4. القرآن لا يتأثر بالأساطير وإنما يُصحح المفاهيم:

القرآن الكريم لا ينقل أو يستلهم الأساطير كما يزعم الملحد. بل إن القرآن جاء ليُصحح العديد من المفاهيم الخاطئة المنتشرة في الأساطير والثقافات السابقة، مثل تعدد الآلهة والصراع بينهم. القرآن لم يتأثر بهذه الأساطير بل جاء ليبطلها.

يذكر القرآن الكريم في العديد من آياته تأكيدًا على وحدانية الله في الخلق والوجود، مثل قوله تعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الرعد: 16)، ويظهر أن الخلق في القرآن هو أمرٌ من الله سبحانه وتعالى ولا علاقة له بمعارك أو صراعات بين آلهة.

5. فترة السبي البابلي وتأثيرها على الفكر اليهودي

فعلاً، هناك بعض الدراسات التي تشير إلى أن الفكر اليهودي قد تأثر بالفكر البابلي خلال فترة السبي، ولكن هذا التأثير لا يعني أن القصص التوراتية أو القرآنية مأخوذة حرفيًا من الأساطير البابلية. التأثير يمكن أن يكون في الشكل الرمزي أو في التفاصيل الثانوية، بينما الأساس يبقى في التوحيد وعبادة الله الواحد 


القرآن الكريم يختلف جذريًا عن الأساطير البابلية، حيث يُوضح أن الخلق جاء بإرادة الله وحده، دون صراع أو تعدد للآلهة. حتى وإن كان هناك بعض التشابه في الصور الرمزية، فإن الرسالة الجوهرية في القرآن هي التوحيد، وأن الله هو الخالق الوحيد، ما يميز القرآن عن الأساطير التي تروج لفكرة تعدد الآلهة والصراعات بين قوى متنافسة.


✋👇

1. الفرق بين التوحيد في القرآن والتعددية في الأساطير:

  • القرآن الكريم: يوضح أن الله هو الخالق الوحيد للكون وكل شيء يتم وفق إرادته. القرآن لا يذكر أي صراع أو معركة بين الآلهة أو الكائنات، بل يتحدث عن قدرة الله المطلقة على الخلق، وتفرده بالخلق.
  • الأساطير الأخرى: مثل الأساطير البابلية أو المصرية، تعرض صراعات بين الآلهة والكيانات البدئية، وهذه الأساطير مليئة بالصراعات بين قوى الخير والشر. في هذه الأساطير، الخلق ليس نتيجة لإرادة إله واحد، بل هو نتاج معركة بين الآلهة.

2. الماء البدئي في القرآن ليس كما في الأساطير:

  • في القرآن: الماء البدئي في القرآن هو عنصرا واحدًا من العناصر التي بدأ الله بها خلق الكون، وهو لا يشير إلى "صراع" أو "مياه" كقوى معادية. القرآن يذكر أن "عرشه كان على الماء" (سورة هود: 7)، لكن لا يوجد أي تصور بأن المياه البدئية هي "كائن معادي" أو "شبح" يجب التغلب عليه.
  • في الأساطير: الأساطير مثل الأسطورة البابلية (حيث تعامة هي تجسيد للمياه البدئية التي يجب على الآلهة قتالها) تصور الماء كعنصر يعارض الإله ويحتاج إلى ترويض أو هزيمة.

3. التشابه في بعض عناصر الخلق:

  • الآيات القرآنية: القرآن يذكر أن السماء والأرض كانتا "رتقًا ففتقناهما" (سورة الأنبياء: 30)، وهي صورة من الفوضى التي حولها الله إلى نظام. هذه الفكرة قد تثير تشابهًا مع بعض الأساطير التي تتحدث عن تفكيك الكتلة المائية البدئية لتكوين السماء والأرض.
  • الاختلاف: في القرآن، الحديث عن الفوضى أو "الرتق" لا يشير إلى صراع أو معركة، بل إلى بداية الخلق، ثم تنظيمه وإعطائه النظام. في الأساطير الأخرى، يمكن أن يكون ذلك ناتجًا عن صراع بين الآلهة، بينما في القرآن هو تعبير عن سيطرة الله المطلقة على الكون وتنظيمه بقدرة فائقة.

4. "أيام الخلق" في القرآن وضرورة التفسير الصحيح:

  • في القرآن: "خلق السماوات والأرض في ستة أيام" (سورة هود: 7) هو تعبير عن ترتيب خلق الكون، ويُفهم في السياق الديني وليس بالضرورة بشكل حرفي كما في الأساطير التي تذكر تسلسلًا محددًا لأفعال الإله.
  • الإجابة التفصيلية: الأيام في القرآن قد لا تعني "أيام" بالمفهوم الزمني المتعارف عليه، بل هي فترة زمنية أو مراحل لخلق العالم. قد يكون المقصود من "اليوم" هو مرحلة من مراحل الخلق وليس يوما بالمعنى البشري، كما يمكن أن يشير إلى مقياس زمني غير مألوف للإنسان، مما يختلف عن التفسير الحرفي في الأساطير.

5. تميز الخلق القرآني عن القصص الأسطورية:

  • القرآن الكريم يقدم رؤية منسجمة مع فكرة الخلق والتوحيد، حيث الله هو الخالق الوحيد ولا يوجد في قصته أي شكل من الصراع أو المنافسة بين الآلهة. يذكر القرآن أن الله "خلق السماوات والأرض بغير عمد" (سورة لقمان: 10)، مما يشير إلى ترتيب إلهي تام، بينما في الأساطير الأخرى، يتصاعد الصراع بين الآلهة لتشكيل العالم.

6. عدم استنساخ أو تأثير مباشر:

  • إذا كان هناك تشابه في بعض الأفكار مثل الماء البدئي أو تفصيل السماء والأرض، فإن ذلك لا يعني أن القرآن استلهم من الأساطير أو التوراة. بل قد يكون التشابه في الرمزية ناتجًا عن تجارب بشرية مشابهة في التفسير الرمزي للخلق، لكن القرآن لا يتأثر بالأساطير وإنما هو وحي إلهي يقدم رؤية توحيدية. كما أن القرآن يوضح بجلاء أن الله هو خالق الكون الذي ليس له شريك أو شبيه، وبالتالي التفسير يجب أن يتم في سياق التوحيد وإرادة الله الفائقة.

الاستنتاج:

  • على الرغم من وجود بعض التشابهات الظاهرة بين قصة الخلق القرآني وقصص الخلق في التوراة أو الأساطير القديمة، إلا أن الفروق الجوهرية تكمن في المفاهيم الدينية الأساسية: في القرآن الله هو الخالق الوحيد الذي لا يعارضه أحد، بينما في الأساطير الأخرى يوجد صراع بين الآلهة. التشابه بين الصور الرمزية لا يعني أن القرآن قد استلهم أو نسخ من الأساطير الأخرى.
  • الفكرة الأساسية التي ينبغي التأكيد عليها هي أن القرآن يضع الله في مركز الخلق ويؤكد على قدرته المطلقة على ترتيب الكون، مما يعكس عقيدة التوحيد، بينما الأساطير قد تتضمن عناصر من تعدد الآلهة والصراعات بينها.



🔴الملحد هنا يشير إلى بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن خلق الأرض وتنظيم السماء، مستعرضًا مفهوم "أربعة أيام" في الخلق كما ورد في القرآن الكريم. ومن خلال هذه الشبهة، يبدو أن الملحد يسلط الضوء على التوزيع الزمني للأحداث في القرآن ومدى تشابهه مع بعض التفسيرات الأسطورية أو التوراتية، بالإضافة إلى ذكر تفاصيل عن خلق السماء والأرض في سياقات مختلفة. إليك إجابة دقيقة للتعامل مع هذه الشبهة:

1. الفهم القرآني لمراحل الخلق:

  • في القرآن الكريم، ذُكر أن الخلق تم في "ستة أيام" كما في قوله تعالى: "وخلق السماوات والأرض في ستة أيام" (سورة الأعراف: 54).
  • لكن، القرآن يشرح أن "اليوم" في هذه الآيات قد لا يُقصد به الأيام كما نعرفها نحن من حيث الزمن الأرضي، بل قد يشير إلى فترة زمنية أو مرحلة من مراحل الخلق. وهذا وارد في تفسير العلماء الذين أشاروا إلى أن "اليوم" في القرآن قد يكون غير محصور بزمن بشري، بل هو فترات طويلة.

2. ترتيب الخلق في القرآن:

  • في الآية الكريمة "جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام" (سورة فصلت: 9)، يوضح القرآن أن الله قد خلق الأرض وركبها في أربع مراحل (أو "أيام" بمعنى فترات زمنية)، ولكن الآية تركز على الأرض، بينما تخص السماء مراحل أخرى.
  • الآية التي تذكر خلق السماء: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها، قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين" (سورة فصلت: 11-12). هذه الآية توضح أن خلق السماء استغرق يومين، وبهذا التوزيع يوضح القرآن أن الخلق الأرضي تضمن فترات متنوعة، بعضها مخصص للأرض وبعضها للسماء.

3. التمييز بين الزمان الأرضي و"أيام الخلق":

  • في هذه الآيات، "الأيام" قد تكون فترات زمنية ضخمة، وهي ليست بالضرورة متطابقة مع مفهومنا البشري من الأيام. التفسير القرآني لهذه الفترات يشير إلى أن "اليوم" قد يكون مدة زمنية غير محددة، كما ذكر في قوله تعالى: "ويوم عند ربك كألف سنة مما تعدون" (سورة الحج: 47)، مما يشير إلى أن الزمان في القرآن ليس بالضرورة مرتبطًا بمفهوم الزمن الأرضي.

4. تفسير "مراحل الخلق" في القرآن:

  • من خلال الآيات مثل: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها" (سورة فصلت: 11)، يظهر أن الخلق حدث من خلال مراحل منظمة بدقة إلهية، مما يعكس قدرة الله المطلقة على تنظيم الكون. ولم يكن الخلق مجرد عملية عشوائية أو معركة بين قوى متضادة كما في الأساطير.
  • كما ورد في قوله: "وخلق الليل والنهار والشمس والقمر" (سورة الأنبياء: 33)، تشير الآيات إلى أن الله خلق النظام الكوني بكامل تفاصيله، بدءًا من الليل والنهار، ووضع قوانين للحساب والزمن.

5. الاختلاف مع الأساطير والتفسير التوراتي:

  • في حين أن التوراة تذكر أن الخلق كان في ستة أيام، ومع التشابه في بعض العناصر بين التوراة والقرآن، هناك فرق كبير في الفكرة الأساسية: التوحيد. في القرآن الكريم، لا يوجد أي تصور لصراع بين الآلهة أو كائنات أخرى (كما في أساطير بابل أو مصر القديمة)، بل هو خلق محض من إرادة الله الواحدة والوحيدة.
  • في الأساطير، غالبًا ما يكون هناك صراع بين الآلهة أو موجودات أولية. أما في القرآن، فيُظهر الخلق باعتباره فعلًا محضًا من الله الذي لا شريك له.

6. التأكيد على تفرد الخلق القرآني:

  • من خلال الآيات مثل "فأتممناهن سبع سماوات في يومين" (سورة فصلت: 12) و"وهو الذي خلق الأرض في يومين" (سورة فصلت: 9)، نلاحظ أن القرآن يقدم عملية الخلق بطريقة منظمة للغاية، حيث يتم تحديد تفاصيل السماوات والأرض بشكل مدروس بدقة، وهو ما يعكس القدرة الإلهية على التنظيم المتقن.
  • هذا التميز عن الأساطير والقصص الأخرى يظهر في طريقة عرض القرآن لخلق الكون بعيدًا عن فكرة الصراع أو التعددية الآلهية

الملحد يستند إلى التشابه الظاهري بين القرآن والتوراة والأساطير، لكن هذه الشبهات يمكن الرد عليها من خلال النقاط التالية:

  1. "أيام الخلق" لا تعني "أيامًا" بالمعنى الزمني البشري، بل هي فترات زمنية قد تكون طويلة لا يمكن ربطها بالزمن الأرضي.
  2. الخلق في القرآن هو عمل منظم بدقة إلهية، حيث لم يكن هناك صراع أو معركة بين الآلهة، بل هو إظهار لقدرة الله الفائقة على الترتيب والتنسيق.
  3. الاختلاف بين القرآن والأساطير يكمن في التوحيد، حيث إن القرآن يصف الخلق كعمل لله وحده، بينما الأساطير والتوراة قد تتضمن صراعات بين كائنات أو آلهة متعددة.
  4. التفسير القرآني يشير إلى أن "اليوم" ليس فترة زمنية أرضية، بل فترات قد تكون طويلة، كما يوضح القرآن في آيات أخرى حول الزمن الذي يتجاوز المعايير البشرية.






الرد على الشبهة:

الملحد هنا يحاول الإشارة إلى بعض التشابهات بين الرواية القرآنية والقصص التوراتية واليهودية القديمة حول خلق الإنسان، والسموات السبع، والراحة بعد الخلق، مشيرًا إلى فكرة استراحة الله في اليوم السابع في التوراة ومقارنتها باستواء الله على العرش في القرآن. كما يلفت النظر إلى فكرة السماء السبع التي تذكرها بعض الأدبيات اليهودية القديمة. دعونا نناقش كل جزء من هذه الشبهة ونرد عليها بشكل دقيق.

1. خلق الإنسان في القرآن والتوراة:

  • الشبهة: الملحد يذكر أن خلق الإنسان في القرآن مشابه لما ورد في التوراة، حيث يكون الإنسان آخر عمل من أعمال الخلق.
  • الرد: رغم التشابه في ترتيب الخلق بين القرآن والتوراة، إلا أن القرآن يقدم مفهومًا متفردًا للإنسان وخلق الكون، يتمثل في التوحيد المطلق لله، وهو ما يميز رؤية القرآن عن التوراة أو الأساطير الأخرى. ففي القرآن، خلق الإنسان لا يتم على أساس استكمال للأعمال الإلهية، بل هو مقصد إلهي يعكس الغاية من الخلق.
  • قوله تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة" (سورة البقرة: 30)، يوضح التفرد في دور الإنسان الذي كُلف بالأمانة، وليس مجرد خلق استكمالًا لدورة الكون.

2. الاستواء على العرش والراحة:

  • الشبهة: يشير الملحد إلى أن الله استوى على العرش في اليوم السابع، كما جاء في القرآن، ويفترض أن ذلك يتوازى مع فكرة استراحة الله في التوراة.
  • الرد: في القرآن، الاستواء على العرش لا يعني الراحة أو التعب كما هو في بعض المفاهيم البشرية. الله تعالى ليس في حاجة للراحة أو الاستراحة، ولا يعتريه تعب أو إرهاق، كما هو واضح في قوله تعالى: "وما مسنا من لغوب" (سورة ق: 38). استواء الله على العرش يشير إلى سيادة الله الكاملة على الكون بعد إتمام الخلق. وليس كما يفهم البشر من "الاستراحة" في سياق أفعالهم.
  • التفسير القرآني يؤكد أن الله خالق كل شيء، وأنه ليس في حاجة للراحة كما يحتاجها الإنسان بعد عمله. الاستواء على العرش يعني التدبير والسيطرة الكاملة على الكون.

3. السماء السبع والأرض السبع:

  • الشبهة: الملحد يشير إلى أن فكرة السماء السبع والأرض السبع موجودة في الأدبيات اليهودية (كتاب الهاجاده) وكذلك في بعض الأساطير السومرية والبابلية، وأن القرآن قد أخذ من هذه الأفكار.
  • الرد: القرآن ذكر "سبع سماوات" في عدة آيات، مثل قوله: "الذي خلق سبع سماوات طباقاً" (سورة الملك: 3) و"الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" (سورة الطلاق: 12). المفهوم القرآني لهذه الآيات يتعلق بالتنظيم الكوني المُحكم الذي يعكس عظمة الله وقدرته. الله خلق السماوات السبع وفقًا لأمره، وهذا ليس مجرد "عدد رمزي"، بل هو دلالة على الكمال في خلقه.

أما بالنسبة للأدبيات اليهودية التي تتحدث عن السماء السبع، فإنها تمثل تصورًا أسطوريًا يختلف تمامًا عن المفهوم القرآني. في القرآن، لا يتعلق الأمر بوجود طبقات معنوية أو سلالم تصعد إليها الأرواح أو تصورات أرضية وفوقية كما في الأساطير. إنما هي مجازات تشير إلى التنظيم الكوني في أبهى صورها التي لا تشبه الأفكار السومرية أو البابلية.

من جهة أخرى، فكرة "السبعة" ليست مقتصرة على السماء فقط، بل هي تستخدم في القرآن لتدل على الكمال والتنظيم، مثل: "سبع ليال" أو "سبع طاعات" في آيات أخرى.

4. الفرق بين المفهوم القرآني والمفهوم الأسطوري:

  • الفرق بين الخلق القرآني والأساطير القديمة هو التوحيد والغاية من الخلق. في القرآن، السماء السبع والأرض السبع هي جزء من النظام الكوني الذي يعبّر عن قدرة الله على الخلق والتنظيم، بينما في الأساطير، هذه الأفكار تعكس أبعادًا متعددة للأماكن السماوية والأرضية، كل منها يمثل آلهة أو قوى مختلفة.
  • في الأساطير السومرية والبابلية، كان هناك تعدد في الآلهة، وكان الكون يتأثر بالصراع بين هذه الآلهة، وهو ما يختلف تمامًا عن مفهوم التوحيد الذي يقدمه القرآن، حيث الله واحد، وخلقه يتم بأمره وحده ودون أي منافس.

5. تفسير كلمة "إله" في التوراة:

  • الملحد يلفت الانتباه إلى أن كلمة "إله" في التوراة هي إما "إيل" أو "إيلوهيم"، وهي متبادلة مع "يهوه".
  • الرد: يلاحظ أن اسم "إيل" هو مجرد اسم عام يُطلق على الآلهة في ثقافات الشرق القديم، في حين أن القرآن الكريم يحدد الإله بوضوح، ويؤكد على أن الله هو الواحد الأحد، الخالق المالك للكون، في حين أن الأساطير السابقة قد تحتوي على تصورات تعددية في الآلهة.

  • الخلق في القرآن يُعبّر عن التوحيد والتنظيم الإلهي الكامل، في حين أن الأساطير القديمة قد كانت تستند إلى تعددية الآلهة وصراعات بينهم.
  • استواء الله على العرش في القرآن لا يعني الراحة أو التعب كما في البشر، بل هو إشارة إلى سيادة الله الكاملة على الكون.
  • السبع سماوات والأرض السبع في القرآن لا تحمل نفس المعاني الأسطورية التي تحملها الأساطير القديمة، بل تعكس كمال التنظيم الإلهي.
  • بينما قد تكون هناك تشابهات شكلية مع بعض الأدبيات القديمة، إلا أن الفكرة القرآنية عن الخلق والكون تختلف جذريًا عن هذه الأساطير، حيث يتم التأكيد على التوحيد وتنظيم الكون بأمر الله الواحد.

🔴


الهاجادا، على الرغم من أنها تحتوي على بعض القصص التي قد تكون مشابهة لما جاء في القرآن، تم تطويرها بعد ظهور الإسلام، كما أنها كانت في البداية نصًا مغلقًا على الحاخامات.



السلام عليكم ورحمه الله وبركاته 

Comments

Popular posts from this blog

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

لم يكن القرآن أكثر من تجميع لما يلي:1- الأساطير اليهودية و العربية

عقيدة التطهير اليهودية VS عذاب القبر والشفاعة في الإسلام