وجود الله؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 
حاول الكثير من الفلاسفة تبيان عدم التعارض بين الدين والفلسفة، وذلك بجعل العقل في خدمة الله. وذلك هو ما أدى لظهور الكثير من الحجج التي "تزعم" إثبات وجود الله انطلاقا من العصور الوسطى.

أشهر هذه الحجج حجة أنسلم (1033-1109) الأنطولوجية وهي حجة تستند على فكرة الله ذاتها، يقول أنسلم: "نحن نؤمن بوجود الله ولكن 'الأحمق يقول في قلبه: ليس يوجد إله' كما جاء في مزامير داود، غير أن الأحمق يناقض نفسه. ونحن نبين هذا التناقض للأحمق من تعريفنا لله على الوجه الآتي: الله هو الموجود الذي لا يتصور أعظم منه، وما لا يتصور أعظم منه محال أن يوجد في العقل فقط، لماذا؟ لأنه عندئذ يمكن تصور موجود مثله متحققا في العقل وفي الواقع. ومن ثمة يكون أعظم منه. وينتج أن ما لا يتصور أعظم منه يمكن تصور أعظم منه. وهذا محال. إذن ما لا يتصور أعظم منه موجود في العقل وفي الواقع بالضرورة". 

يمكن أن نلخص حجة أنسلم كالتالي: "الله كامل، والكامل يقتضي الوجود، إذن الله (حتى يكون كاملا) موجود". وهذه الحجة ستظهر بحلة جديدة مع ديكارت وسينتقدها كانط، كما ستتم إعادة صياغتها من طرف آخرين مثل المنطقي كورت غودل kurt godel الذي بلوَر حجته الأنطولوجية الخاصة سنة 1970 ولكنه احتفظ بهَا لنفسه !

طبَعا يمكن الاعتراض على هذه الحجة، كما اعترض الراهب جونيلون في رسالة بعنوان "الدفاع عن الأحمق" بحجة أن ثمة ثغرات منطقية. لكن هذا الاعتراض مرفوض لأن هذه الأدلة، في رأي أنسلم، ليست أدلة بمعنى الكلمة، بل هي مجرد تفسير اسم الله. ثم هي أدلة مستفادة من الإيمان. ولهذا نجد أن أنسلم ينصح أي معترض على وجود الله أن يحتكم إلى ضميره وإلى إيمانه وليس إلى عقله.

يوجد أيضا ما يسمى بالبراهين الكوسمولوجية، وهي تتمحور حول العلة الأولى، فلا بد من وجود خالق في البداية، حيث يفترض برهان العلة الأولى أن العلل لا يمكن أن ترجع إلى ما لا نهاية وعليه فلابد من وجود علة أولى تنشئ الأشياء الأخرى كافة، وأهم انتقاد يمكن أن يتلقاه هذا البرهان هو أنه متناقض مع ذاته حيث يفترض أن كل شيء سببه شيء آخر، ولكنه ينتهي إلى أن يناقض هذه المقدمة عندما يقول أن الخالق سبب من دون مسبّب. لكن المدافع عن البرهان يحتاج لعلة هو الحَادث لكن الله ليس بحادث وعليه فلا علة له.

أما الفيلسوف المسيحي، بليز باسكال، مؤسس علم الاحتمالات، فقد اقترح برهانًا أكثر أصَالة يرتكز على رهان (يحمل إسمه)، حيث يؤكد أنه من الأفضل لنا أن نؤمن بالله ونراهن على الخلاص الذي سيحققه لنَا الإيمان بالله، فالإيمان سيضمن لنا الجنة وينجينَا من النار، أما إذا لم يكن الله موجودًا فلن نخسر شيئا بإيماننا، وبالتالي فالأكثر معقولية هو الإيمان بالله.

ومن بين البراهين المهمة التي يعول عليهَا كثيرا في إثبات وجود الخالق، برهان التصميم والغائية، ومضمونهَا أن كل شيء في الكون مصمم بدقة متناهية تجعله يؤدي وظيفته بشكل كامل، وأشهر مثال يتم تقديمه هو العين البشرية حيث أن كل الأجزاء مهما صغرت (كما يقول مؤيدُو هذا البرهان) مصممة بدقة بحيث يحقق التكامل الحاصل بينها إلى إنجاز وظيفة: النظر. وقد انتقد الفيلسوف ديفيد هيوم (1711-1776) هذا البرهان بالكثير من البراهين يوجد أغلبها في كتابه "بحث في الفهم البشري".

وأنتَ(أنتِ) ما رأيك؟ ما هو دليلك على وجود الله؟ ما هو أقرب الأدلة إلى عقلك؟






إجابة باذن الله تعالى 
دعوى أن الفلاسفة جعلوا "العقل في خدمة الله"

هذا الادعاء غير دقيق ومغالط، فالفلاسفة المؤمنون (مثل ابن رشد، الفارابي، الغزالي، الكندي، وحتى توما الأكويني) سعوا للتوفيق بين العقل والنقل، لا لإخضاع العقل، بل لتوضيح أن الإيمان بخالق ليس مناقضًا للعقل، بل مؤسَّس عليه. بل إن القرآن نفسه يجعل العقل أداة للوصول إلى الله:
"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" [آل عمران: 190]


حجة أنسلم الأنطولوجية

رغم أن حجة أنسلم فيها تجريد منطقي، إلا أنها لا تعبّر عن منهج الإسلام، بل عن رؤية فلسفية مسيحية. أنسلم يقول:

> "الله هو الكائن الذي لا يُتصوّر أعظم منه، ولا يمكن أن يكون في الذهن فقط بل في الواقع أيضًا".

لكن هذا الأسلوب يعتمد على التعريفات الذهنية، ويُرفض من بعض المفكرين لأنه قد يُستخدم لإثبات أي شيء "مثالي" بمجرد تعريفه، كأن تقول: "أعظم جزيرة لا بد أن توجد لأنها أعظم جزيرة يمكن تخيلها!" وهذا غير منطقي.

ردّ الإسلام؟
نحن لا نؤسس الإيمان بالله على مجرد تعريف لغوي، بل على دلالة الفطرة، والعقل، والحس، والشرع. ولهذا قال ابن تيمية:

 "وجود الله أوضح من أن يُطلب عليه دليل، وإنما يُطلب الدليل عند وجود الشبهة، لا عند أصل الفطرة."
برهان العلة الأولى (الكوسمولوجي)

الملحد يقول إن البرهان متناقض: "كل شيء له سبب، ثم تقولون إن الله بلا سبب!"
لكن هذا تحريف للبرهان.

البرهان لا يقول: كل شيء يحتاج إلى علة، بل يقول: كل شيء "حادث" يحتاج إلى علة.
والله ليس حادثًا ولا مخلوقًا، بل هو أزلي واجب الوجود، والعقل يقبل وجود "موجد أول" لا يحتاج إلى مُوجد، لأنه لو احتاج، للزم تسلسل علل إلى ما لا نهاية، وهو باطل عقلاً.

مثال بسيط:
لو كان كل شيء يحتاج إلى سبب، فمن سبب السبب؟ ومن سبب سبب السبب؟... إلى ما لا نهاية؟ فلن نصل أبدًا إلى حدوث أي شيء!
إذن: لا بد من علة أولى واجبة الوجود لا تعتمد على غيرها. وهذه هي صفات الله تعالى.

برهان باسكال (الرهان)

رهان باسكال ليس دليلاً عقليًا على وجود الله، بل هو حجة براغماتية: الإيمان بالله أكثر أمانًا، لأنه لو كان موجودًا فأنت فزت، وإن لم يكن فلا خسارة كبيرة.

صحيح أنه ليس برهانًا حاسمًا على الوجود الإلهي، لكنه حجة ذكية لمن يتردّد، وتخاطب منطق "المصلحة" عند الشك.
ومع ذلك، الإسلام لا يكتفي بالمراهنة، بل يطلب اليقين العقلي والفطري.

برهان الغائية (التصميم)

الملحد ينقل اعتراضات ديفيد هيوم، الذي قال إن تشبيه الكون بساعة مصممة هو مجرد قياس خاطئ.

لكن هذا اعتراض ضعيف: وجود النظام في الكون حسي وواقعي، وليس مجرد تشبيه.

قوانين الفيزياء ثابتة.

الحمض النووي مبرمج بدقة.

الكون منضبط لأدق الثوابت الكونية (مثل الجاذبية، والكتلة، وسرعة الضوء).


كل هذا يدل على تصميم، والتصميم يدل على مصمّم.

الله يقول:
"صنع الله الذي أتقن كل شيء" [النمل: 88]
"إن في خلق السماوات والأرض... لآيات لقوم يعقلون" [البقرة: 164]



أنت، ما هو دليلك؟

جوابي: وجود الله أعظم من أن يُطلب له دليل، لأنه:

1. فطري: كل إنسان يولد مؤمنًا بالله، ويبدأ في السؤال عن الخالق من طفولته.


2. حسي: آثار الخالق في أنفسنا وفي الكون لا تحصى.


3. عقلي: العقل يرفض الصدفة، ويرى أن لكل نظام مسبب.


4. شرعي: الرسالات المتواترة والمعجزات والكتب الإلهية تؤكد ذلك.



أقرب الأدلة لعقلي؟
هو برهان الحدوث والتصميم والفطرة معًا. فأنا مخلوق لم أخلق نفسي، وخلقي لا يمكن أن يكون بلا سبب، والكون لا يفسر وجوده بذاته، بل بواجب الوجود.



Comments

Popular posts from this blog

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

لم يكن القرآن أكثر من تجميع لما يلي:1- الأساطير اليهودية و العربية

عقيدة التطهير اليهودية VS عذاب القبر والشفاعة في الإسلام