العقوبات وقطع الأيدي
واستمر في نفس المقال
هذه العقوبة ليست عقوبة قابلة للتكرار، لأنها تتم بفقد العضو الذي يتم تنفيذه عليه. وهذه إذن مشكلة فقهية إسلامية: ماذا يفعل بها في المرة الثانية والثالثة والرابعة؟ أغلبهم قالوا لأول مرة اليد اليمنى، والرجل اليسرى الثانية، واليد اليسرى الثالثة، والرجل اليمنى الرابعة! وهذا خروج عن النص القرآني.
- هذه العقوبة تدمر شخصية الإنسان لأنها تترك إرثًا مرئيًا. وبالتالي فإن الشخص لا يستطيع أن ينجح في المجتمع، ولا يجد عملاً ولا يثق به، وإعاقته تمنعه من القيام بمعظم الأعمال، وخاصة للمرة الثانية (البتر). وإليكم مثال الزمخشري: الإمام الزمخشري الذي حسب المصادر فقد ساقه أثناء رحلة (يقال أن ساقه تحولت إلى اللون الأسود في الثلج فبترت من أجلهم)، فلماذا إذن أعد قائمة طويلة من الشهود الذين يشهدون بأن ساقيه بترتا لأسباب صحية وليس بسبب الشبهة والجريمة، وكان الزمخشري يحمل القائمة في كل رحلة ويظهرها لكل من يقول شيئا خاطئا. وهذا يعني أنه في المجتمع الإسلامي الذي يطبق فيه هذا القانون فإن أي شخص تقطع يده أو رجله لأي غرض ولأي سبب سوف يكون موضع شك وإحراج.
هناك أمثلة عديدة تثبت أن قطع اليد غالباً ما يؤدي إلى تدمير الإنسان، لأنه بالإضافة إلى عدم الحصول على عمل وتشويه شخصيته، بالإضافة إلى أن الجرح يصبح متسخاً ويعاني الإنسان من أمراض خطيرة تؤدي إلى قتله. وقد روى المؤرخ المصري الجبرتي في عجائب الآثار واقعة في أول يونيو سنة 1227 هـ: أن زعيمهم محمد بن أبي القاسم الدرقاوي وعدداً من طلبة مدرسة دينية قرب الأزهر ومعهم رسام ودباغ آخر سرق من الحارة. وفي نهاية التحقيق والمحاكمة قطعت أيدي الرجال الثلاثة (محمد والرسام والدباغ) ونفي والده محمد وأخويه جميعاً إلى الإسكندرية في منتصف شهر جمادى الأولى من نفس السنة. وبعد ذلك تم نقل الأب والأخوين من الإسكندرية إلى أبي قير، أما الرجال الثلاثة الذين قطعت أيديهم فقد عادوا إلى القاهرة لأنهم نالوا عقوبتهم الشرعية. لقد عاد إلى والدته وأراد أن يبدأ حياة طبيعية مرة أخرى. فذهب إلى السوق وسلم على أصدقائه ومعارفه وكأن شيئاً لم يكن، ولكن الأطفال والكبار تبعوه وقالوا إنه لص ويده مقطوعة ويريد أن يتجنب ذلك. ثم ذهب إلى منزله وعانى من ألم شديد في يده لأن الشخص الذي قطعها، كما يقول الجبرتي، لم يقطعها بشكل صحيح. وتوفي في اليوم الثالث من نفس الشهر.
إجابة باذن الله تعالى 👇
1. غير إنسانية ومخالفة لتطور التشريعات.
2. غير قابلة للتكرار وتُحدث إعاقة دائمة.
3. تُطبّق بشكل مرتبك في الفقه الإسلامي.
4. تسبب تدميرًا اجتماعيًا ونفسيًا للسارق، كما في قصة الزمخشري أو واقعة الجبرتي.
وسأرد عليها بدقة علمية وتاريخية وفقهية، مقسّمة إلى محاور:
أولًا: طبيعة العقوبة في الإسلام وكونها "غير قابلة للتكرار"
قطع اليد في الإسلام ليس الهدف منه "التشويه" أو "الانتقام"، بل هو وسيلة رادعة تحفظ المجتمع من تفشي الجريمة. والشرع الإسلامي لم يترك الباب مفتوحًا للبتر في كل حالة، بل قيّده بشروط دقيقة للغاية:
أن يكون السارق بالغًا، عاقلاً، مختارًا، عالمًا بالتحريم.
أن تكون السرقة من حرز (مكان آمن).
أن تكون المسروقات بقيمة معينة (رُبع دينار فأكثر).
ألا يكون هناك شبهة تمنع القطع.
> قال النبي ﷺ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (رواه الترمذي).
إذًا: القطع لا يُطبق إلا في حالات نادرة. وتكراره في المرات اللاحقة هو احتمال نظري نادر، وإذا وُجد، فهو يعكس إصرارًا على الإفساد لا يصح أن يُقابل بالتساهل.
وقد ذكر العلماء أن تكرار العقوبة يكون:
في المرة الأولى: اليد اليمنى من المفصل.
الثانية: الرجل اليسرى من المفصل.
الثالثة: يوقف عند هذا الحد غالبًا، ويُحبس حتى التوبة.
وهذا رأي الشافعي وأحمد ومالك، وهم لم يخرجوا عن روح النص، بل عن مبدأ "الردع في حدود المعقولية والعدل".
ثانيًا: المقارنة مع الشرائع الأخرى والتاريخ القانوني
الشبهة تزعم أن قوانين اليهودية والرومان وغيرها كانت "أكثر رحمة" وتعتمد على الغرامات فقط، وهذا تزوير للتاريخ:
1. اليهودية التوراتية: عقوبة السرقة قد تصل إلى القتل (خروج 22: 2)، وإذا لم يستطع السارق السداد، يُباع عبداً.
2. قانون حمورابي: يعاقب على السرقة بـ القتل أو بقطع اليد حسب الموضع.
3. القانون الروماني: كان ينص على الصلب أو الإعدام أو الجلد الوحشي للسارق.
4. القانون الإنجليزي حتى القرن 18م: كان يعدّ السرقة من الجرائم التي يُشنق عليها، كما ذكرت الشبهة نفسها: تم إعدام أكثر من 50 ألف لص حتى 1783!
فهل هذه أكثر إنسانية من القطع المنضبط بالشروط؟!
ثالثًا: الزعم بأن العقوبة "تدمر الإنسان وتلحق به العار"
هذا فهم خاطئ لأهداف الشريعة. الغرض من العقوبة ليس التشهير بل ردع الجريمة، والمجتمع الإسلامي الحقيقي لا يُعيّر التائب، بل يعينه على التوبة:
قال النبي ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (ابن ماجه).
والفقهاء شددوا على ستر المسلم وعدم فضحه بعد توبته.
لو كانت "السمعة المشوهة" عيبًا على الشريعة، لكان السجن المؤبد والتشهير الإعلامي اليوم أكثر تشويهًا.
أما مثال الزمخشري، فهو لا يُثبت شبهة، بل يثبت حرص المجتمع على تنقية سيرة العلماء من أي شبهة – لأن مكانتهم لا تسمح بوجود شائبة، حتى لو لم يكن المجتمع يصدق الاتهام أصلًا.
والزمخشري نفسه كان فقيهًا كبيرًا ومعتزليًا، ولم يعترض على حكم الشريعة في كتبه.
قصة الجبرتي وواقعة محمد الدرقاوي
نقدها من جهتين:
1. تاريخيًا: الجبرتي لم يكن ناقدًا للشريعة، بل راصدًا للأحداث، والقصة التي رواها كانت عن فساد في التطبيق، حيث يشير إلى أن اليد لم تُقطع بطريقة صحيحة، وهذا ينتقد الفوضى لا الشريعة.
2. اجتماعيًا: نعم، بعض الناس قد يعيّرون المذنب بعد العقوبة، ولكن هذا ذنب المجتمع لا ذنب الشريعة. وكما في عصرنا، لا يعني أن المجتمع لا يسامح أن نُبطل حكم القانون!
خامسًا: "اليد كلها حتى الكتف"؟ و"قطع الخصر والكاحل"؟
هذا تزوير فاحش للفقه الإسلامي:
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على أن القطع يكون من الكف (مفصل الرسغ)، ولا يُتعدّى إلى الذراع أو الكتف.
لا يوجد في كتب الفقه قول معتمد بقطع "حتى الكتف" أو "حتى الكاحل"، وهذه أك
_______________________________
واستمر في نفس المقال
إن التعريف الفقهي الحالي للسرقة لا ينطبق إلا على السرقات البسيطة والتقليدية التي يرتكبها الناس العاديون في كثير من الأحيان بسبب الفقر ويتم تثبيتها في مكان ويذهب شخص ما لسرقتها، وبالتالي فإن العقوبة تنطبق على هؤلاء. في بلد مثل السعودية يتم قطع أيدي المواطنين ولكن الأمراء السعوديين الأربعة آلاف الذين يسرقون عائدات النفط بشكل منهجي لا يتم معاقبتهم. إن دكتاتورية النظام تعود جزئيا إلى عدم كفاءة تعريف السرقة في الفقه الإسلامي.
- يقولون أن الغرامات والسجن ليست عقوبات تقضي على جريمة السرقة، لأنه عندما يخرج يعود إلى عمله القديم وفي السجن يخطط لسرقة أخرى مع لصوص وبلطجية آخرين، لذلك يقولون مجرد قطع علاقته به سوف يقضي على هذه الجريمة تماما. ولكننا نقول أن الدافع الأول للسرقة هو الوضع الاقتصادي السيئ، وبالتالي فإن الحل الناجح لهذه الجريمة هو تحسين الوضع الاقتصادي للشعب. ثم في بلد مثل السعودية، وحسب العقوبة التي يتم تنفيذها منذ زمن طويل؛ ومن المتوقع ألا يكون هناك سرقة على الإطلاق، بينما بحسب مصدر في القرن العشرين في المملكة العربية السعودية فإن حوالي 75 ألف شخص في المملكة العربية السعودية تم قطع أيديهم وأقدامهم بتهمة السرقة!!(3). حسب المفكر التونسي (العفيف الأخضر) فإنه في 18 شهراً فقط من تطبيق الشريعة في السودان في عهد النميري والترابي تم قطع 7000 يد ورجل!! بحسب من ينادي بتطبيق العقوبة فإن تطبيق العقوبة عدة مرات كان من شأنه أن يقضي على جريمة السرقة في البلاد، لكن آلاف الأشخاص قتلوا حتى الآن فليقطعوا أيديهم! وفي بعض الأحيان يقوم شباب مكة بقطع جيوب الحجاج، كما نتذكر كيف قام سائق سيارة أجرة بتجريد حاج كردي من ملابسه في المدينة المنورة. وخاصة أن اقتصاد البلاد (وخاصة دخل الفرد) في تراجع وإيرادات النفط، لذا اجتاحت موجة من السرقة والجريمة المجتمع، مما أدى إلى معاقبة عدة أشخاص، فالأحمق لا يعالج الأمر.
وفي ماضي التاريخ الإسلامي، ورغم تنفيذ عقوبة قطع اليد، إلا أنها لم تتمكن قط من القضاء على السرقة. ومن الأمثلة التي تثبت هذه الحقيقة القصة التي يرويها الطبري في تاريخه: يقول: إن عمر بن الخطاب جاء إلى ابنه عبد الرحمن في إحدى الليالي متأخراً، فسأله عبد الرحمن عن سبب تأخرك في هذه الليلة. قال عمر: "جاء قوم فحملوا بضائعهم في السوق، فخشيت أن يسرقهم لصوص المدينة، فلنذهب ونحرسهم". انظر، قال عمر: "لصوص المدينة"، أي أنه كان هناك لصوص دائمًا في عاصمة الإسلام رغم قطع الأيدي، وكانت كل قافلة معرضة للسرقة.
وبالإضافة إلى أنني أعتقد أن السجن يمكن أن يحمي المجتمع بشكل أفضل من خطر اللصوص والقطاع، فإنهم سوف يسجنون لعدة أشهر أو سنوات على الأقل.
إجابة باذن الله تعالى
أولًا: فعالية العقوبة في الردع
الادعاء بأن عقوبة قطع اليد لم تُقلل من معدلات السرقة في التاريخ الإسلامي غير دقيق. فالشريعة الإسلامية وضعت شروطًا صارمة لتطبيق هذه العقوبة، مما يجعل تنفيذها نادرًا. ومن هذه الشروط:
أن تكون السرقة من حرز.
أن يبلغ المسروق نصابًا معينًا.
أن يكون السارق عاقلًا، بالغًا، مختارًا.
ألا يكون هناك شبهة في الواقعة.
هذه الشروط تُظهر أن الهدف من العقوبة هو الردع لا التشويه، وأن تطبيقها يتم في حالات محددة لضما
ن العدالة.
ثانيًا: تطبيق العقوبة في العصر الحديث
في المملكة العربية السعودية، تُطبق عقوبة قطع اليد وفقًا للشريعة الإسلامية، ولكن بعد استيفاء الشروط الشرعية والقانونية. وقد صدرت أحكام بقطع اليد في حالات محددة، كما في . ومع ذلك، فإن معظم قضايا السرقة تُعالج بعقوبات تعزيرية مثل السجن أو الغرامة، خاصةً إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لتطبيق الحد .
أما في السودان، فقد تم تنفيذ عقوبات بتر الأطراف في بعض الحالات، مما أثار انتقادات من منظمات حقوق الإنسان . وقد دعت هذه المنظمات إلى مراجعة القوانين لتتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ثالثًا: العدالة في تطبيق العقوبة
الادعاء بأن العقوبة تُطبق على الفقراء دون الأغنياء يُعزى إلى ممارسات بشرية خاطئة، وليس إلى خلل في الشريعة الإسلامية. فالشريعة تُوجب المساواة بين الناس في تطبيق الأحكام، وقد قال النبي محمد ﷺ: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" (رواه البخاري ومسلم).
رابعًا: الأثر الاجتماعي للعقوبة
الادعاء بأن العقوبة تُدمر حياة السارق اجتماعيًا يتجاهل أن الهدف من العقوبة هو حماية المجتمع وردع الجريمة. كما أن الإسلام يُشجع على التوبة ويحث المجتمع على قبول التائب وعدم تعييره بذنبه السابق. وقد قال النبي محمد ﷺ: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (رواه ابن ماجه).
_____________________________
واستمر في نفس المقال
يقولون أن شدة العقوبة تجعل المواطنين لا يفكرون بالسرقة. ولكننا نعلم جميعاً أن الشخص الذي يرتكب السرقة وأي جريمة أخرى لا يتوقع أن يتم القبض عليه، وخاصة السرقة، فهي جريمة سرية، ومعظم السرقات لا يتم الكشف عنها. وقد ذكرنا أمثلة عن من طبق في العصور الإسلامية الماضية (كزمن عمر) وفي العصر الحديث (كالمملكة العربية السعودية) حد قطع يد السارق ولم يستطيعوا القضاء على السرقة، وكان اللصوص كثيرين.
-
يقولون أن العقوبة الإسلامية تجعل الإنسان يتذكر جريمته دائماً، ونحن نقول أن هذه العقوبة تجعل الإنسان يعيش في ألم حتى الموت. هذه العقوبة ليست عقوبة قانونية بل هي إعاقة وسيبقى إرثه حتى الموت ولن يتمكن مرة أخرى من لعب دور الشخص الخيري والأمين في المجتمع.
-
يقولون إن حبس المجرمين واحتجازهم في السجون يفرض الكثير من التكاليف والأعباء على الدولة، لذا من الأفضل معاقبتهم بسرعة ومرة واحدة وإلى الأبد وعدم احتجازهم! أعتقد أن السجن والمؤسسة العقابية هي الأقل عبئا وتكلفة مقارنة بالمناطق الأخرى (لأن السجن بحد ذاته مكان بلا خدمات، وهذه هي فلسفته!)، مع أن الحاجة والدور مهمان أيضا لحماية أمن وممتلكات المواطنين.
إجابة باذن الله تعالى 👇
شدة العقوبة لا تردع لأن السارق لا يتوقع القبض عليه
الرد:
هذا الكلام يتجاهل وظيفة الردع العام والخاص في العقوبات. صحيح أن بعض المجرمين لا يتوقعون القبض عليهم، لكن الشريعة لا تبني العقوبة على شعور السارق، بل على ضمان توازن الردع المجتمعي. فكلما كانت العقوبة أشد وأوضح، قلّت الجرأة على ارتكاب الجريمة، ولو عند فئة كبيرة.
الجرائم السرية (كالسرقة) تزيد كلما ضعف العقاب وتكررت النجاة من العقوبة، لذلك فإن قطع اليد عقوبة صارمة ولكن نادرة، تُطبق في ظروف واضحة ومحددة، وهذا ما يجعلها فعالة رغم محدودية عدد الحالات.
حتى في الدول الغربية التي تعتمد على السجن، تتزايد جرائم السرقة رغم تطور الشرطة والكاميرات، مما يدل أن وجود العقوبة الرادعة لا يعني اختفاء الجريمة، بل يقللها ويحاصرها.
العقوبة تحوّل الإنسان إلى معاق لا يستطيع إعادة الاندماج
الرد:
هذه نظرة سطحية وعاطفية تتجاهل فلسفة العقوبة في الإسلام:
1. القطع ليس تشويهًا للانتقام، بل تطهير وردع، والقرآن وصف الحد بأنه:
{فَقَطَعْنَا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]
أي عبرة للناس، ووسيلة لردع المجتمع عن التمادي في الإجرام.
2. الشريعة تمنع التعيير بعد التوبة، والإسلام يحث على الستر والتوبة، ويمنع من معاملة السارق المعاق بعنصرية أو احتقار، بل يُعامل كإنسان تاب واستقام. والنبي ﷺ قال:
"التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (رواه ابن ماجه).
3. في المجتمعات التي طُبّق فيها الحد، لم تكن النسبة عالية إطلاقًا، بل الحالات كانت نادرة، تدل على قوة الردع والرحمة معًا. على عكس السجن، الذي قد يُعيد المجرم أسوأ مما كان.
السجن أقل كلفة من قطع اليد
الرد:
هذا الادعاء مخالف للواقع الاقتصادي:
1. السجن مكلف جدًا للدولة:
في الدول الغربية، تكلفة السجين الواحد قد تتجاوز 30 ألف دولار سنويًا.
تكاليف الطعام، الحراسة، الرعاية الصحية، الإدارة، كلها تشكل عبئًا طويل الأمد على الدولة، بينما الحد يُنفذ مرة واحدة.
2. السجن يُحوّل المجرمين إلى شبكات إجرامية داخلية، حيث يتم التدريب على الإجرام، وتكوين علاقات مع محترفي الجرائم، ثم يعودون إلى المجتمع أكثر خطرًا.
3. الشريعة لا تُطبّق حد السرقة إلا عند انعدام الحاجة، وجود نصاب، عدم وجود شبهة، فالأغلب أن السارق في الشريعة يُعاقب بـ عقوبة تعزيرية (كالسجن) وليس الحد، إذا لم تتوفر الشروط.
-------------------------------
واستمر في نفس المقال
إن السجن يخلق بيئة مواتية للتأمل والتوبة ومحاسبة الذات، وعندما يتم الإفراج عن الشخص، فإنه يمكن أن يصبح شخصًا طبيعيًا مرة أخرى. لكن عقوبة قطع يده من المرجح أن تجعله مجرمًا فظيعًا. في بعض الأحيان يكون المجرمون الرهيبون أشخاصًا مشوهين ومعقدين عقليًا.
هامِش:
(1) انظر: جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام المفصل. دار الساقي، الطبعة الرابعة، ج. 10، الباب: 58: الملك وتعلقه به، السرقة، ص 10. 276.
(2) انظر: الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب المصنفات في التراجم والأخبار. دار الجيل، بيروت. ج. 3، ص. 346 -
(3) انظر: صخر، محمد، آل سعود، من أي؟ أليس كذلك؟ دار القاسم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، مكتب الحرمين على الإنترنت. ص. 21.
(٤) انظر الطبري، تاريخ الأمة والملوك. دار الكتاب العالمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ. ج. 2، ص. 567.
إجابة باذن الله تعالى
هذا الكلام مبني على فرضية عاطفية غير مدروسة، ويتجاهل الواقع والتاريخ وأسس العقوبة في الإسلام، وفيما يلي الرد المفصل:
أولًا: التأمل والتوبة ليست حكرًا على السجن
التوبة عمل قلبي وسلوكي، لا يعتمد على مكان الحبس أو البيئة. وقد تاب كثير من الناس بعد الحد، وأصبحوا من الصالحين. وفي الإسلام: إقامة الحد كفّارة، كما قال النبي ﷺ:
"من أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له" (رواه مسلم).
وهذا أسمى من السجن الذي يُجبر الإنسان على العزلة لا التوبة، وفي كثير من الحالات يزيد من الكراهية والعنف الداخلي بدلًا من الإصلاح.
ثانيًا: السجن في الواقع الحديث ليس مكانًا للتأمل
نظريًا قد يبدو السجن بيئة تأملية، لكن عمليًا هو مكان تكدس، عنف، شبكات إجرامية، وإدمان في كثير من الدول. السجون الحديثة ليست مراكز إصلاح، بل كثيرًا ما تتحول إلى مدارس للجريمة.
العديد من الدراسات الغربية (مثل تقارير الـ FBI والـ BJS الأمريكية) أثبتت أن معدلات العودة للجريمة بعد السجن (Recidivism) تتجاوز 60% في بعض الحالات.
ثالثًا: القول بأن قطع اليد يُنتج مجرمًا عنيفًا هو مجرد افتراض
تاريخيًا، المجتمعات التي طُبّق فيها الحد كانت آمنة بدرجة عالية، مثلما نقل الجبرتي والطبري عن انعدام السرقة تقريبًا في فترات تطبيق الشريعة.
والشخص الذي أُقيم عليه الحد قد يُصبح أكثر استقامة، لأنه تطهّر شرعيًا، والمجتمع يُعامل التائب بعد الحد كما يُعامل غيره، بخلاف السجن الحديث الذي يضع على المذنب وصمة عار دائمة.
رابعًا: المشوهون نفسيًا ليسوا بالضرورة ضحايا العقوبات
القول إن "المجرمين الفظيعين غالبًا ما يكونون مشوهين" هو تعميم غير علمي. فالأمراض النفسية والاضطرابات الإجرامية ناتجة عن ظروف معقدة (بيئة أسرية، مجتمعية، نفسية) وليس بسبب العقوبة وحدها.
بل إن كثيرًا من الجريمة الحديثة يأتي من مجرمين أصحاء بدنيًا وعقليًا لكن تحركهم شهوات الطمع أو الانتقام أو الإدمان، ولا علاقة لذلك بعقوبة القطع أو غيره.
المصادر التاريخية المذكورة في الهامش:
1. جواد علي: لم يعترض على تطبيق العقوبات الإسلامية، بل ناقش الواقع الاجتماعي للعرب قبل الإسلام؛ وكان يذكر تفشي السرقة قبل أن يُنظمها الإسلام.
2. الجبرتي والطبري: نقلا عن العصور الإسلامية التي قلّت فيها الجريمة عند تطبيق الحدود، ما يدعم نجاعة الردع الإسلامي لا عكسه.
3. محمد صخر، آل سعود: يربط الاستقرار الأمني في السعودية في فترات تطبيق الشريعة، رغم ما في الكتاب من آراء، لكن لا يدعم شبهة فشل العقوبات.
Comments
Post a Comment