مزداك المانوية 10
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويبدو أن المسلمين عرفوا الكتب المانوية وما تتمتع به من جمال في الصور والإخراج، لذا يقول "بابا دوبولو" إن المؤلفين المسلمين كانوا مجمعين على نبوغه في الرسم، مما جعلهم يقولون عن الرسام الماهر "فرشاته تضاهي فرشاة ماني"، ويروي الجاحظ أن إبراهيم السندي قال له إحدى المرات: "وددت لو أن الزنادقة لم يكونو ميالين كثيرا إلى إنفاق نقود كثيرة على ورقة بيضاء نضيفة، وعلى حبر أسود متلألئ، بالإضافة إلى بذل مثل هذا الجهد لإخراج خط مثل هذا الخط، ذلك أنني لم أرى ورقة قط يمكن مقارنتها مع ورقة من كتبهم، ولا أي خط يمكن مقارنته مع الخطوط الموجودة في كتبهم"، والجاحظ نفسه اعترف بهذا أثناء نقد كتبهم والتي ارتبط اتباعها في ذلك الوقت بالزندقة، يقول الجاحظ: "كانت لهؤلاء الزنادقة كتب أجود ما تكون ورقا يكتب عليه بالحبر الأسود البراق ويستجاد له الخط"(16).
ليس الجاحظ فحسب، هناك مفكرون شرقيون آخرون ذكروا مهارة ماني كرسام وفنان، منهم أبو المعالي، الذي وصفه في كتاب الملل والنحل قائلا: "كان هذا الرجل معلما في فن الرسم حتى ليحكى أنه رسم صورة على الحرير الأبيض، بحيث لم يبق عليها أثر ظاهر للصورة عندما سحبت خيوط القطعة واحدا بعد آخر"، وروى ميرخوند في تاريخ الساسانيين أن ماني "كان رساما لا نظير له، حتى إنه تمكن من أن يرسم بإصبعه دائرة قطرها خمسة أذرع، ولدى تفحص هذه الدائرة لم يلاحظ وجود أي شذوذ أو انحراف في الأجزاء المستقلة من محيطها"(17
ثم يقول
أثر الفن المانوي
أجيال كثيرة من الفنانين التشكيليين العرب نشأت وتشربت الثقافة والفن الغربي، فمعظم فنانينا التشكليين على اطلاع جيد بالفكر الجمالي الغربي وتاريخه، لكنهم لا يعرفون الكثير عن ما في الشرق من حضارة فنية ولا عن مكونات وروافد الفكر الفني الشرقي؛ هناك أعلام في الفن الشرقي شكلوا أثرا حقيقيا على الفن، ليس في الشرق فقطن لكن في العالم الغربي بشكل عام، لكنهم مجهولون في بلادنا ولا يكتشفهم إلا من تغرب؛ منهم "ماني الرسام نبي جنان النور"(18).
يتضح أثر الفن المانوي على الفن المسيحي، عند مقارنة المخطوطة المانوية مع المخطوطات المسيحية، يقول جيووايد نغرين: "على الرغم من أن ما يسمي إنجيل رابولا الذي يعود تاريخه إلى عام 586م يعتبر مثالا بارزا بزخرفته الوفيرة، فإن الكتب المانوية قد فاقت عموما الكتب المسيحية المعاصرة ثم الإسلامية في ذلك المجال"، ويؤكد السير توماس أرنولد ارتباط الفن الإسلامي بالفن المانوي، فيقول: "يجب البحث عن أصل المنمنمات الإسلامية ذات المواضيع المرتبطة بالعهدين القديم والحديث خارج الفن المسيحي، وذلك عندما تكون معالجة المواضيع غريبة جدا على التقاليد المسيحية، حيث يفترض وجود نقل بواسطة الديانة المانوية" أي إن الفن المانوي كان حلقة وصل بين التقاليد الفنية الباراثية والفن الإسلامي. ويقول ماسينيون:"العامل الذي سمح للمانوية بأن تلعب دور الجسر بين الفكر الإيراني والإسلام، أنها كانت تملك نسقا مساريا سريا، وفيما بعد تطور إلى التبشير عبر المناظرة"(19
خلال ثلاثين عاما من حكم شاهبور، كان يبدو أن الديانة المانوية على وشك أن تصبح الدين االرسمي للبلاد، إلا أنه وبعد وفاة شاهبور حاك كهنة الزراديشتية الحيل للوقوف أمام ماني، بل سجن الرجل وعذب بالقيود والأغلال حتى الموت، وبعد موته مثل به وصلب. مات ماني رسول جنان النور الذي كان يحلم بدين توافقي يقبل الجميع، مات وكان إلى جواره زراف عازف الملك شاهبور الأثير، جاء بصحبة عوده بوصفه لونا من ألوان الاحتجاج، كان يجلس إلى جوار ماني ويعزف بعض الألحان الشجية، وفي إحدى المرات سمع ماني يقول لاهثا(20):
"اعلم يا زراف أنه في فجر الكون كانت جميع المخلوقات تسبح في نغم علوي، وقد أنسانا إياه سديم الخلق، غير أن عودا مدوزناً مع روح الفنان قادر على بعث تلك النغمات الأصيلة"
(أمين معلوف، حدائق النور)
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ماذا يقصد الكلام؟
هذا المقطع يستعرض:
1. مدى إعجاب بعض الأدباء والمفكرين المسلمين (مثل الجاحظ وأبو المعالي) بجمال الكتب المانوية من حيث الشكل والزخرفة والرسم والخط الجميل.
2. نقل بعض أقوالهم التي تصف مهارة ماني كرسام خارق، حتى أنهم صاروا يقولون عن الرسام الماهر: "فرشاته تضاهي فرشاة ماني".
3. يذكر أن حتى خصوم المانوية (مثل الجاحظ) اعترفوا بجودة إخراج كتبهم، على الرغم من اعتبارهم زنادقة.
هل هذا الكلام شبهة؟
نعم، فيه شبهة خفية وخطيرة، وهذه حقيقتها:
الشبهة التوضيح
الترويج لدين باطل عن طريق الجمال الظاهري التركيز الشديد على جمال كتب الزنادقة (المانوية) وتفوقهم في الزخرفة والتنسيق، يُراد منه إضفاء نوع من الإعجاب والانبهار الذي قد يجر القارئ البسيط إلى تقبّل مَن وراء هذا الجمال، ولو كانوا زنادقة.
الإيحاء بأن الباطل قد يكون أجمل من الحق شكليًا الكلام يُظهر أن كتب المانوية أفضل إخراجًا من كتب المسلمين، فيُوهم البعض بأن الباطل أكثر "أناقة" من الحق، وهذا باب من أبواب الفتنة.
استغلال أقوال علماء المسلمين بطريقة منتزعة من سياقها مثل كلام الجاحظ، الذي ذمّ الزنادقة لكنه اعترف بحسن تنسيق كتبهم – وهذا لا يعني مدحهم، بل قد يكون من باب "وصف الواقع" الذي يزيد من فضيحتهم: كتبهم باهرة ظاهرًا، باطلة باطنًا.
رفع ماني إلى مقام فني أسطوري يعطيه هالة غير مستحقة الوصف بأنه يرسم دائرة بقطر 5 أذرع دون أي انحراف، أو صورة على الحرير لا يظهر لها أثر – أقرب إلى الإعجاز، مما يُلبّس على القارئ البسيط أنه كان نبيًا أو خارقًا، بينما هو مدّعٍ كاذب للنبوة بإجماع المسلمين.
ما هو الرد الصحيح؟
✅ يجب التمييز بين:
المدح الفني المهني: مثل أن نقول "فلان رسام ماهر" – لا إشكال فيه.
والمدح الذي يؤدي إلى تزكية الباطل أو التلبيس العقائدي: مثل إضفاء هالة روحية أو إعجازية على شخص مدّعٍ للنبوة.
والنص أعلاه يتجاوز المهارة الفنية لماني ليجعله أقرب إلى "الرسول الجميل" الذي يجمع بين الفن والدين، وهذا هو جوهر الخطر
الرد العلمي - التاريخي:
صحيح أن الفن المانوي كان مؤثرًا في الفنون الشرقية، ولا ينكر أن الفن الإسلامي استعار بعض التقنيات من حضارات سابقة (كالبارثية، المانوية، المسيحية... إلخ)، وهذا أمر طبيعي في تاريخ الحضارات حيث تتداخل وتتبادل الأفكار والأساليب الفنية.
لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال شرعية أو صحة المانوية كدين أو أن ماني نبي مرسل من الله.
ما هو فن جميل في يد مجرم كذاب يبقى فنًا، ولكن عقيدته باطلة، ويدعو إلى ضلال.
كما أن الإسلام نهى عن التشبه بالديانات الباطلة، والاعتراف بها، ولو كان لفنونها أثر، فلا يعني هذا قبول معتقداتها.
ب. الرد العقيدي:
ماني مدعي نبوة كذب، والدين المانوي فيه شرك وتثنية (ثنائية بين الخير والشر)، وهذا ينافي التوحيد في الإسلام.
معاناة ماني وظلمه لا تعطيه قداسة أو حقًا في أن نوافقه أو نُحيي ذكراه بالدين أو نحاول تصويره كـ"رسول" أو "جسر حضاري".
الإسلام يأمرنا بالعدل والرحمة، ولكن لا يجوز أن نُجمل أو نعطي شرعية لمن كان مدعيًا كذبًا للنبوّة وداعيًا للباطل.
Comments
Post a Comment