خلق جزء الثالث
واستمر في نفس المقال ملحد
بهذه الطريقة، تُستخرج جميع المفاهيم والصور والأفكار المتعلقة بخلق الكون، وكذلك دماره ونهايته، ذهنيًا من مشاهد النظام الكوني. بهذه الطريقة، يُمكننا تحليل جميع المفاهيم من مصادرها وخلفياتها.
أستخدم هذا المنهج التحليلي لتحليل جميع مفاهيم علم الكونيات في الأساطير والأديان، ويُمكنه تحليل هذه المفاهيم بكفاءة، وتحليلها إلى أنواعها الأولية وكيفية تشكلها ونشوئها. بالنسبة للقرآن، فهو أيضًا منهج ناجح لتحليل مفاهيمه وأفكاره حول خلق الكون ودماره (علم نشأة الكون).
ولإنجاح هذه الطريقة أعتمد على مقارنة المفاهيم القرآنية مع مفاهيم مشابهة من الأساطير أي القصص الدينية القديمة مما يجعل طبيعة المفاهيم القرآنية أكثر وضوحاً وأسهل فهماً، بالإضافة إلى ذلك أحاول جمع كل النصوص القرآنية والإسلامية ذات الصلة في إطار واحد من أجل إعادة بناء الصورة القرآنية والإسلامية كما هي حتى أتمكن من إنجاح بحثها المقارن والتحليلي.
واستمر في نفس المقال ملحد
سنحلل بعد ذلك مفاهيم نشأة الكون في القرآن الكريم واحدًا تلو الآخر بالمنهج الذي عرضناه، وذلك لعرض نشأة الكون في القرآن الكريم في عدة مواضيع، وهي مراحل الخلق وفقًا للقرآن الكريم، والتي سنناقشها هنا بالترتيب القرآني:
1. الماء الأزلي (غير المخلوق):
الماء غير المخلوق: هذا هو المشهد الأول من نشأة الكون في القرآن الكريم، وهو وجود الماء قبل خلق السماوات والأرض. يقول النص القرآني:
وهو الذي خلق السماوات والأرض فی ستة أیام، وكان عرشه علی الماء) (هود: ٧
هذا النص يعني أن الماء كان موجودًا قبل خلق السماوات والأرض. يُذكر الماء بطريقةٍ تُفهم منها أن الخلق آنذاك لم يكن سوى الماء. ثم خُلقت بقية الأشياء (السماوات والأرض). ولما خُلقت السماوات والأرض، لم يكن هناك سوى الماء، وكان عرش الله عليه.
وكان عرشه علی الماء كان عرش الله على الماء، وهذا يشير إلى الماضي قبل خلق السماوات والأرض.
يخبرنا الأمر (كان) بذلك. لا يوجد ذكر لخلق الماء في أي نص إسلامي. تقول جميع النصوص أنه كان هناك ماء أولاً ثم خلق الله السماوات والأرض. ـه لذلك يستخدم الفيلسوف الإسلامي ابن رشد في فصل المقال هذا النص كدليل على اعتقاد الفلاسفة بأن الخلق أزلي من خلال وجود مادة أولية هي الأبدية، والتي وفقًا للمصطلح الفلسفي اليوناني العربي هو الوحش (هَيُولى) (Hile ληὝ)، ظهر الأبدي (الماء) لابن رشد كوحش. لذلك يعتقد ابن رشد، مثل الفلاسفة الذين سبقوه، أن الوجود أزلي، أي أنه لم يكن هناك زمان لم يكن فيه كائن، بل يعتمد وجوده كليًا
على وجود الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
الرد التفصيلي:
أولًا: خلط بين "الأداة التحليلية" و"النتيجة النهائية"
الملحد يتبنى منهجًا اسمه: "التحليل البنيوي الثقافي للمفاهيم الدينية"، وهذا المنهج ليس محايدًا، بل:
يعتمد على فرضية أن كل تصور ديني هو إسقاط ذهني من الواقع أو البيئة أو الخيال الجمعي.
لا يعترف بإمكانية وجود وحي أو علم فوق بشري.
> ✅ هذا ليس استنتاجًا علميًا، بل فرضية فلسفية مسبقة. فمن الطبيعي أن تنتهي مقارناته إلى أن كل المفاهيم الدينية "مصنوعة" ما دام ينطلق من أن الوحي لا وجود له أصلًا.
ثانيًا: هل فعلاً يمكن تفكيك المفاهيم القرآنية إلى عناصر أسطورية؟
> ✳️ الرد: لا، والقرآن يتميز بمنهج مختلف نوعيًا عن الأساطير القديمة، وأمثلة ذلك:
1. في الأساطير:
الخلق يتم عادة عن طريق التزاوج بين آلهة (مثال: أنو وأنليل في السومرية).
يبدأ الكون من جسد إله مقتول أو من مادة أبدية.
الآلهة تتصارع، وتُحكم الأرض بنظام هرمي بين آلهة الخير والشر.
2. في القرآن:
الله واحد، لا شريك له، لم يُولد ولم يلد.
الخلق يتم بأمر إلهي مباشر:
> ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
لا يوجد مادة أزلية، بل:
> ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]
الخلق له غاية أخلاقية وروحية، لا عبث فيه ولا فوضى:
> ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: 27]
✅ الاختلاف هنا نوعي لا كمي. فالقرآن لا يعيد صياغة الأساطير، بل ينقضها من جذورها.
ثالثًا: المقارنة النصية ليست دليلًا على الاقتباس
> ✳️ الملحد يحاول الاستفادة من "تشابه الألفاظ" أو "توازي الصور" بين بعض النصوص الدينية والأسطورية ليقول إن القرآن مستمد منها.
لكن:
1. وجود بعض التشابه في الصور الكونية لا يعني أن أحدًا اقتبس من الآخر.
الماء كمبدأ سابق للخلق موجود في كثير من التقاليد، لأنه فعليًا عنصر مشترك في الحياة الكونية كلها، فذكره لا يعني نقلًا.
وصف السماء بالشَّق أو الانفطار أو الجبال بالذوبان موجود في الثقافات لأنه تعبير إنساني مشترك عن الدمار الكوني.
2. القرآن نفسه يقر بأن بعض أهل الكتاب تلقوا وحيًا سابقًا:
> ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ...﴾ [النساء: 163]
إذن، فالتشابه لا يدل على النقل الأسطوري بل على وحدة المصدر الإلهي مع تحريف في بعض النسخ السابقة.
> ✅ فالمقارنة النصية لا تثبت شيئًا إلا إذا ثبت أن الأسبق زمنيًا هو الأساس، وأن الآخر نسخه دون اختلاف جوهري — وهو غير حاصل هنا.
رابعًا: لماذا تختلف بنية المفاهيم القرآنية جذريًا عن الأساطير إن كانت مأخوذة منها؟
> ❓لو كان القرآن قد استقى مفاهيمه من الأساطير السابقة، فلماذا:
لا يوجد فيه أي تعدد آلهة؟
لا يستخدم الأنسنة (Anthropomorphism) أو تشخيص القوى الكونية؟
لا يقدم تصويرًا دراميًا لصراع الخير والشر؟
لا يكرر الحكايات الأسطورية دون نقد، بل ينقضها (مثال: قصة آدم والشيطان تخالف جلجامش وأنوما إليش جذريًا)؟
> ✅ الاختلاف البنيوي والنقدي يدل على وحي مستقل، لا على تراث بشري متكرر.
الرد التفصيلي:
أولًا: ❗️خطأ في فهم النص القرآني واللغة
الآية:
> ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: 7]
لا تقول إن الماء أزلي أو غير مخلوق، بل:
تخبر عن زمن وقوع فعل الخلق للسماوات والأرض، وتصف حال العرش آنذاك.
كلمة "كان" تفيد الماضي وليس الأزل، كما أن الماء غير موصوف بأنه غير مخلوق.
> 💡 نفي ذكر الخلق ≠ إثبات الأزلية.
السكوت عن "خلق الماء" لا يعني أنه غير مخلوق، لأن القرآن لا يذكر كل شيء في موضع واحد، بل يفرق البيان.
ثانيًا: ✅ نصوص أخرى تؤكد أن الماء مخلوق
القرآن واضح في أن الله خلق كل شيء، بلا استثناء:
> ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]
> ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]
> ﴿وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
أي أن الماء نفسه داخل ضمن الخلق، بل هو وسيلة لخلق الحياة، لا أصل وجود أزلي.
ثالثًا: ❌ سوء استخدام لابن رشد وتحريف لموقفه
الملحد اقتبس ابن رشد ليقول إن الوجود أزلي، وإن الماء يشير إلى مادة أزلية (هيولى). لكن هذا فهم مبتور وساقط سياقيًا.
📚 ابن رشد يفرق بوضوح بين:
الخلق عند الفلاسفة: تصريف الأزل لمادة أزلية.
والخلق عند الشريعة (الإسلام): إيجاد من العدم بإرادة الله.
> ✳️ صحيح أن ابن رشد ناقش مفهوم "الخلق الأزلي" عند الفلاسفة، لكنه لم يقل إن القرآن يثبت أزلية الماء أو المادة.
بل قال في فصل المقال:
> "نحن نعلم من الشرع أن الله خالق كل شيء، فلا يوجد قديم معه في الوجود، وإنما يسبق وجوده كل ما سواه."
✅ بل وأكثر من ذلك: ابن رشد ينفي التشبيه بين الماء والهيولى في المعنى القرآني، ويقول إن عبارة "وكان عرشه على الماء" لا تعني أن الماء أصل أو مادة بديلة للخلق.
رابعًا: 💡 ما المعنى الصحيح لعبارة (وكان عرشه على الماء)؟
في تفاسير السلف والعلماء (الطبري، القرطبي، ابن كثير، الأشعري، الرازي)، نجد ما يلي:
🔹 "العرش على الماء" ≠ أن الماء غير مخلوق.
بل:
"العرش على الماء" يعني أن أول مخلوق كان الماء ثم خلق الله العرش فوقه، كما جاء في الحديث الصحيح:
قال رسول الله ﷺ: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء" [رواه البخاري].
أي أن الماء مخلوق سابق لبقية الخلق، لكنه ليس أزليًا، بل خُلق أولًا ثم كان عليه العرش.
خامسًا: ❌ القياس على الهيولى الفلسفية قياس فاسد
📌 الهيولى عند أرسطو:
مادة أزلية بلا صورة.
لا تُعدم ولا تخلق، بل تتشكل.
بينما:
القرآن يقول إن الله خلق كل شيء بإرادته.
لا يعترف بمادة أزلية.
مفهوم الخلق القرآني = إيجاد من عدم + خلق بقدرة وإرادة.
📌 إذًا: الماء في القرآن ليس "الهيولى"، لأنه:
مخلوق.
محدود.
مقيد بالزمان والمكان.
لا أصل لكل شيء، بل مخلوق من مخلوقات الله.
Comments
Post a Comment