نقد دعوى اقتباس القرآن لمفهوم الفصل بين السماء والأرض من الأساطير المصرية والسومرية القديمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أشكرك استاذ العزيز
التاريخ والسير و العقائد
نقد دعوى اقتباس القرآن لمفهوم الفصل بين السماء والأرض من الأساطير المصرية والسومرية القديمة
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾- فصلت: 11 -
وقد فسّر العلماء هذه الآية على أن وصف "الدخان" متعلق بالسماء، لا بالأرض، أي أن السماء، في مرحلة من مراحل خلقها، كانت مكوّنة من مادة شبيهة بالدخان. وأصل هذا الدخان، كما ورد عند المفسرين، يعود إلى بخار الماء، كما قال ابن كثير في تفسيره : "وهو: بخار الماء المتصاعد منه حين خُلقت الأرض" . انتهى
وقد أكد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذا المعنى في التحرير والتنوير بقوله: "ومعنى ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أن أصل السماء هو ذلك الكائن المشبّه بالدخان، أي أن السماء كُوّنت من ذلك الدخان" . انتهى
وبحسب النص القرآني، فإن السماء كانت في تلك المرحلة الأولية متّصلة بالأرض، ثم وقع الانفصال بينهما، كما أشار إليه قوله تعالى: " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا" - الأنبياء: 30-
وهذا الفتق لا يُفهم على أنه مجرد انفصال مادي مباشر بين الأرض والسماء كما ورد في الأساطير القديمة، وإنما هو توصيف لمرحلة من التحوّل الكوني الذي سبق تشكّل السماوات السبع، والتي خلقها الله في يومين كما في الآيات الأخرى.
وعليه، فإن الخطاب القرآني لا يقر الأساطير القديمة، بل يصحّح مفاهيمها، خاصة تلك التي ظهرت في الموروثات السومرية والمصرية القديمة. فقد زعمت الأساطير السومرية، على سبيل المثال، أن السماء (آن) والأرض (كي) كانتا ملتصقتين في كتلة مادية غير متمايزة تُعرف بجبل السماء والأرض، و من هذا الاندماج ولد الهواء (إنليل).
أما في الأسطورة المصرية القديمة، فيزعمون بحسب معتقدهم أن رع أنجب شو ، إله الهواء، وتفنوت، آلهة الرطوبة، اللذين أنجبا بدورهما جيب، إله الأرض، و نوت آلهة السماء، وكانا في حالة عناق دائم حتى قام شو برفع السماء عن الأرض.
وبالنظر إلى هذه الروايات، يتبيّن أن ثمة تشابهًا في البناء بين القصص الديني والأسطوري، غير أن القرآن لم يعيد إنتاج تلك الأساطير، بل قدّم قصة مخالفة في جوهرها، تؤسس لفهم توحيدي منضبط لتكوين الكون، يخلو من الأبعاد الوثنية، ويعكس تصورًا عقديًا متماسكًا يتناسق مع بقية مبادئ التوحيد.
ومن هنا، يُفهم أن هذه الأساطير قد تكون حاملة لبقايا مشوّهة من قصص دينية أصلية جاء بها أنبياء سابقون، ثم عمدت المجتمعات الوثنية إلى تحريفها بما يتناسب مع تصوراتها الميثولوجية، مما يعزز من الفرضية القائلة بأن التوحيد سابق زمنيًا على الشرك، وأن الشرك جاء نتيجة لتحريف الدين الحق لا العكس.
Comments
Post a Comment