الناسخ والمنسوخ.......
النسخ بين القرآن والعلم
علم النسخ لا أساس له في القرآن
من المواضيع القرآنية التي أصبحت مشكلة تقليدية ودائمة في دراسة القرآن موضوع نسخ الآيات القرآنية والمنسوخة، أي موضوع العلوم التقليدية، ويوضح تقليد الناسخ والمنسوخ، وهناك سببان رئيسيان لتطور هذا الموضوع وأهميته: أولاً: تفسير النص القرآني الذي يعتبر مصدر الموضوع وأساسه، والذي يقول:
ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِها نَأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها) (البقرة: 106
"وما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"
أصبحت محاولة شرح وإيجاد غرض ومثال لعملية النسخ الموصوفة في هذا النص مصدرًا لنقاش لا ينتهي حول موضوع النسخ. السبب الثاني هو اختلاف نصوص وآيات القرآن الكريم، مما يُثير نوعًا من التناقض بينها، وخاصةً في المسائل الشرعية، لوجود بعض التعاليم القرآنية بشأنها، وقضايا الأحوال الشخصية، وقضايا أخرى مثل كيفية التعامل مع غير المسلمين.
لسبب الثاني هو اختلاف نصوص القرآن الكريم ونصوصه، مما يُثير نوعًا من التناقض بينها، لا سيما في المسائل القانونية، إذ وردت بعض التعاليم في القرآن الكريم حول قضايا الأحوال الشخصية، وقضايا أخرى ككيفية التعامل مع غير المسلمين، والتي تختلف فيها توجيهات القرآن الكريم: لا تردوهم ولا تُظهروا العنف. ففي فترة المدينة المنورة، حين حشدت الجماعات الإسلامية قواها، كانت التعليمات القرآنية هي: قتالهم والرد عليهم، وعدم المسالمة واللين معهم.
وهكذا نجد في القرآن توجيهات مختلفة ومتناقضة، وإن كانت ظاهرية. أو نجد مبررات وحلولاً. ويدور الحديث عن النسخ، وعن المنسوخ والمنسوخ.
بسم الله الرحمن الرحيم الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
✦ الرد العلمي على شبهة "النسخ في القرآن لا أساس له"
✅ أولًا: ما معنى النسخ في القرآن؟
النسخ في اللغة: الإزالة أو النقل.
وفي الاصطلاح: رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر متراخٍ عنه في النزول، مع بقاء النص أو عدمه.
وهو أداة تشريعية حكيمة، استخدمها الله تعالى لتدرج الأحكام وتربية الأمة.
هل النسخ له أصل في القرآن؟
نعم، النسخ ثابت بنص صريح من القرآن الكريم، في قوله تعالى:
> "ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها" (البقرة: 106)
وهذه الآية نصٌّ محكمٌ في إثبات وجود النسخ، و"الآية" هنا تشمل:
الآيات التشريعية (التي فيها أوامر ونواهي)،
ولا تشمل الأخبار أو العقائد التي لا تُنسخ.
وأجمع جمهور العلماء والمفسرين على أن المقصود بالنسخ هنا رفع الحكم وبقاء التلاوة أو رفع التلاوة والحكم أو أحدهما.
قال الإمام الطبري:
> "وإنما معنى النسخ في هذا الموضع: التحويل من حكم إلى حكم، ومن أمر إلى أمر".
لماذا شُرع النسخ؟ (الحكمة)
1. التدرج في التشريع لمراعاة حال الناس وتدرجهم في الإيمان، كما في:
تحريم الخمر (نزل على ثلاث مراحل).
فرض القتال (جاء بعد الصبر والإعراض).
2. الابتلاء والاختبار: لتمييز المطيع من العاصي.
3. الرحمة والتخفيف: كما نُسخت بعض الأحكام الثقيلة بأخرى أيسر.
4. تبدّل الظروف والأحوال: فشرائع الإسلام جاءت لأمة تمر بمراحل مختلفة.
هل النسخ يناقض كمال القرآن؟
أبدًا. بل هو من دلائل حكمته وواقعيته؛ لأن المجتمع لا يمكن تغييره دفعة واحدة، كما أن الأحوال تتغير، ومراعاة هذه التغيرات من تمام الإعجاز.
النسخ ليس تناقضًا، لأن:
النسخ رفع للحكم السابق لحكمة، وليس إنكارًا له.
والله هو الذي أنزل الحكم الأول والثاني، فلا تعارض بين أوامره.
هل النسخ يدل على تحريف أو عبث؟
الجواب: قطعًا لا. بل هو من سنن التشريع حتى في القوانين الوضعية:
أي دولة تُعدّل قوانينها باستمرار وفق المصلحة.
فهل هذا يُسمى عبثًا؟ أم أنه مرونة وحكمة؟
فما بالك بتشريع الله الذي يعلم المصلحة الحقيقية لعباده؟
هل هناك نسخ بين آيات "تناقضت"؟
القرآن لا يحتوي على أي تناقض، بل هناك:
تدرج في التشريع (وليس تناقضًا).
تفصيل بعد إجمال، أو تقييد بعد إطلاق، أو تخصيص بعد عموم.
وهذا من أساليب البيان المعروفة في اللغة العربية.
> قال الله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" [النساء: 82]
أمثلة على النسخ
الحكم الأول الحكم الناسخ
الصبر وعدم القتال (كف الأيدي) القتال المشروع في سبيل الله
صيام يوم عاشوراء نسخ بصيام رمضان
الوصية للوالدين نُسخت بآية المواريث
هل يوجد نسخ في الأديان السابقة؟
نعم، حتى التوراة والإنجيل فيهما أحكام نُسخت بأخرى.
وفي الإنجيل (متى 5: 17):
> "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض، بل لأكمل."
فالتدرج والنسخ مبدأ إلهي معروف.
لا يوجد في القرآن أي تناقض حقيقي، وإنما توجد:
مراحل تشريعية تختلف باختلاف الزمان والحال.
أو تنوع في الخطاب باختلاف المخاطبين.
أو تفصيل لحالات خاصة وعامة.
> قال الله تعالى:
"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" [النساء: 82]
فالقرآن متناسق ومتكامل، لكن من يقتطع النصوص من سياقها أو يجهل أسباب النزول، يُخيّل إليه وجود تناقض.
ثانيًا: تعامل القرآن مع غير المسلمين – هل فيه تناقض؟
القرآن الكريم فرّق بين أحوال متعددة في التعامل مع غير المسلمين، بحسب:
الحالة الحكم
غير المسلمين المسالمين البر والقسط معهم – "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم..."
غير المسلمين المحاربين الجهاد والقتال – "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..."
المعاهدين الوفاء بالعهد – "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم..."
أهل الذمة تركهم على دينهم مع دفع الجزية
🔹 هذه ليست تناقضات، بل تفصيلات لأحوال مختلفة، كما هو معمول به في كل قانون في العالم:
هناك قوانين في حال الحرب.
وهناك قوانين في حال السلم.
وهناك قوانين خاصة بالمعاهدات، وأخرى بالعدوان.
هل يُعقل أن تطالب دولةٌ ما بعدم معاقبة المعتدين لأنها سمحت بالسلام مع المسالمين؟!
لماذا تغيّرت بعض الأوامر من السلم إلى القتال في المدينة؟
القرآن لم يتغيّر من باب العبث أو التناقض، بل:
كان في مكة المسلمون مستضعفين، فكان الخطاب بالصبر والدعوة بالحكمة.
وفي المدينة صار للمسلمين دولة، فأُذن لهم بالجهاد لرد العدوان، ثم فُرض عليهم القتال عند اللزوم.
وهذا هو عين الحكمة والتدرج:
> "أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" [الحج: 39]
فالتدرج من السلم إلى القتال هو:
شرعي، واقعي، ومنطقي.
مطابق لحال كل دعوة تواجه عدوانًا.
رابعًا: هل النسخ "تغطية" على التناقض كما يدّعون؟
أبدًا. النسخ ليس "ترقيعًا"، بل هو:
مرحلة تشريعية مقصودة من الله سبحانه.
وله أسباب، وحِكم، وضوابط.
وقد وقع في الشرائع السابقة كذلك.
مثال:
> أول الإسلام: "كُفوا أيديكم وأقيموا الصلاة" [النساء: 77]
ثم: "أُذن للذين يقاتلون"
ثم: "وقاتلوا في سبيل الله..."
🔹 هذا التدرج ليس تناقضًا، بل هو نمو طبيعي لحركة التشريع مع نضج الأمة الإسلامية.
ماذا عن قضايا الأحوال الشخصية؟
نفس الأمر، فالتشريعات في القرآن تراعي:
ظروف الواقع.
العادات الجاهلية المتجذرة.
التدرج في الإصلاح (مثل قضية الطلاق، والميراث، وتعدد الزوجات).
وقد تختلف التفاصيل، لكن كلها تؤدي إلى:
العدالة.
حفظ الحقوق.
تنظيم الأسرة.
ولا يوجد أي تناقض جوهري، بل تطور في التشريع برحمةٍ وبصيرةمن تناقض عنده مفهوم "العدل" و"الرحمة"؟
الملحد هنا يقيس القرآن بمنظور ضيق:
يريد أن يُطبّق حكمًا واحدًا على كل الحالات، بغضّ النظر عن اختلاف الظروف.
بينما التشريع الرباني ينظر إلى الواقع، وإلى مصالح العباد، ودرء الفساد.
Comments
Post a Comment