دار الإفتاء ترد على أبرز الشبهات المثارة حول الإسراء والمعراج ٢...
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم يقول
وما بذله المسلمون في شأن توثيق الأخبار بالسند لم يوجد عن غيرهم من الأمم، فشروط صحة الرواية -من اتصال الإسناد، ونقل العدول الضابطين عن مثلهم إلى آخر السند، والحفظ، واليقظة، وعدم الغفلة، ونفي الشذوذ، ونفي العلة- ضمانات كافية؛ لترجح الصدق والصواب ترجيحًا قويًّا على الكذب والخطأ، وترجح الحفظ والضبط على جانب الغفلة والسهو.
ثم إن كان استبعاد هؤلاء المنكرين من جهة تحكيم العقل فقد فاتتهم الحكمة، إذ إن عبادة العقل هي الإيمان بالغيب، والغيب قد يكون مشتملًا على أمور كثيرة مخالفة للعادة لكنها داخل دائرة الإمكان العقلي، فالعقل لا يتسلط على الغيبيات بإنكارها عند أهل الإيمان؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 2-5].
الرد على دعوى أن القرآن لم يذكر المعراج كما ذكر الإسراء
من الشبهات أيضًا: دعواهم أن القرآن لم يذكر حادثة المعراج كما ذكر رحلة الإسراء في فاتحة السورة.
فنقول: إن الإسراء عنوان على هذه الحادثة من بدايتها إلى نهايتها، والمعراج تتمة لها، غاية الأمر أن في الآية إجمالًا فصلته الأحاديث النبوية.
ومتى ذكرت إحدى الرحلتين منفردة دلت على الأخرى؛ لارتباطهما وشهرة ذكرهما معًا؛ يقول الإمام البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص: 233، ط. دار السلام) عند شرحه لقول الناظم: "واجزم بمعراج النبي كما رووا": [وكان على الناظم التعرض للإسراء أيضًا، لكن استغنى عن ذكره بذكر المعراج؛ لشهرة إطلاق أحد الاسمين -أعنى الإسراء والمعراج- على ما يعم مدلوليهما، وهو سَيْرُه صلى الله عليه وآله وسلم ليلًا إلى أمكنة مخصوصة على وجهٍ خارق للعادة، فهذا أمر كلي يشمل مدلوليهما] اهـ.
وعلى هذا: إذا انفرد الإسراء بالذكر كما في محكم التنزيل في فواتح سورة الإسراء، أو انفرد المعراج بالذكر كما في بيت الناظم هنا فإنه يدل على الأمرين معًا، فالرحلة المشتملة عليهما معنونة بالإسراء، ومن هذا أيضًا قول الإمام أبي الحسن الأشعري في الإجماع الثاني والأربعين من "رسالته إلى أهل الثغر" (ص: 291، ط. مكتبة العلوم والحكم): [وعلى أن الإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي إلى السماوات واجب] اهـ.
حيث عبر بالإسراء وعقبه بقوله إلى السماوات، ولم يكن الإسراء إلى السماء، بل كان المعراج؛ فدل على شمول لفظة الإسراء لكل من الرحلتين الأرضية والسماوية.
وكذا بوب الإمام البخاري في "صحيحه" لحديث المعراج بقوله: "باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء"، مع أنها فرضت في المعراج وليس الإسراء، فدل على أن استعمال اللفظ على هذا النحو مشهور عند أهل العلم؛ كما هو الشأن في الإسلام والإيمان.
الرد على دعوى أن سماع النبي عليه السلام صريف الأقلام يعنى أنها مادة وجسم
من الشبهات: ادعاؤهم أن سماع النبي صلى لله عليه وآله وسلم صريف الأقلام يعني أنها مادة وجسم.
والجواب: إن معنى كونه سمع صريف الأقلام: أن الإدراك والحس الروحاني إذا تعلق بالعوالم الروحانية وشؤونها أدرك منها مثل ما يدرك منها في الحس المادي في عالمه.
ومثال ذلك: أن الكلام والتخاطب باللغات لا يُعهَد إلا أنه أصوات هوائية تنبعث من قرع المخارج الحرفية للهواء في الفم، ومنها: الشفة واللسان، في حين أن النائم يتكلم ويجادل في روآه المنامية، ويسمع من يحاوره أو يحادثه، فهو فاعل ومنفعل في هذا التخاطب، أي: إنه يصدر منه خطاب ويسمع خطابًا، وشأنه في ذلك كشأنه في حال اليقظة، لا فرق بينهما، ومع هذا فكلام الرؤيا إنما هو كلام روحاني ما افتقر إلى هواء وما عملت فيه شفة ولا لسان، وإن أدركه النائم على مثل ما يدرك الكلام المادي الذي يخرج من الشفتين واللسان، ولو كان غير ذلك لوجب أن يسمعه اليقظان بجانبه.
الرد على شبهة أن في إثبات المعراج إثبات للجهة قي حق الله تعالى
منها: أن إثبات المعراج إثبات للجهة في حق الله تعالى.
والجواب: أنه قد أجمع علماء المسلمين عبر القرون على أنَّ الله تعالى لا يحويه زمان ولا يحصره مكان، وأنَّ ما ورد من نصوصٍ يُوهِمُ ظاهرها ذلك فهو مؤوَّلٌ باتفاق.
فالعروج إلى الله تعالى إنما هو بالرتبة والمنزلة والمكانة، لا بالمسافة والانتقال؛ لأنَّه تعالى مُنزَّهٌ عن المكان والجهة والنُقلة ودُنوِّ الْمسَافَة؛ قال الإمام الثعلبي في "الكشف والبيان" (25/ 86): [ودُنوّ الله من العبد ودنوّ العبد من الله تعالى بالرتبة، والمنزلة، والمكانة، وإجابة الدعوة، لا بالمسافة؛ لأن المسافة لمن يكون له المكان مشتغلًا به، فيكون بينه وبين المكان الآخر مسافة، وذلك كله من أمارات الأجسام وخواصها، والله عزَّ شأنه يتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنما هو كقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة: 186]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: 85]؛ يعني: بالعلم والقدرة وإجابة الدعوة] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" (11/ 333): [وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» المعنى: فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة] اهـ.
ودُنُوُّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلَّم من ربه سبحانه وتعالى في رحلة المِعراج واختراقه الحجب وبلوغه أعلى المنازل والدرجات، إنَّما هو دنُوُّ تشريف وكرامة، وليس انتقالًا أو قطع مسافة.
الرد على منكري كون السماء ذات طبقات
من المنكرين: من أنكر كون السماء ذات طبقات، ومثل هذا يكفينا في إجابته قول الحق جل جلاله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: 3].
فالإنسان الذي ليس له إلى الواقع غير الحواس الخمس القاصرة عن إدراك الحقائق كما هي في نفس الأمر، وليس له من سبيل إلى المعرفة إلا بالتجربة والمشاهدة والامتحان، كيف يتسنى له أن يجحد وجود السماوات! ويحكم بنفيها أو إثباتها إلا بما يصله من إخبار الخالق العظيم في آياته عن حقيقة السماوات والأرض، وقد جاء في محكم التنزيل ما يشير إلى أن جُل ما وصل له العلم في هذا الجانب لم يعد كونه جزءًا من السماء الدنيا؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: 6].
الرد على من أنكر ما رآه النبي عليه السلام في رحلة الإسراء والمعراج
ومنها: إنكارهم المشاهدات التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الرحلة العظيمة بحجة أن الأمة لا تحتاج إلى معرفة هذه المشاهدات لتزداد إيمانًا واستقامة، كما أنهم يتعجبون من رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الجنة والنار والحال أن القيامة لم تقم بعد.
والجواب عن هذا: أنه لا ينكر عاقل أثر الاطلاع على الغيب في تثبيت الإيمان بالخالق، وأن في هذه المشاهدات حكمًا وفوائد منها: ما ذكره الإمام الرازي في "تفسيره" (20/ 297، ط. دار إحياء التراث العربي): [أن خيرات الجنة عظيمة، وأهوال النار شديدة، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار، أما لمَّا شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة، فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرغ للشفاعة.
الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة، صارت سببًا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم.
الثالث: أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السماوات والكرسي والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين.
واعلم أن قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به، وعائدة إليه على سبيل التعيين] اهـ.
أما حصول رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذه المشاهدات ولما تقم القيامة بعد فهذا راجع إلى أن القيامة وكل ما له علاقة بالمستقبل وإن خفي علينا إلا أنه في علم الله لا فرق بينه وبين ما قد مضى من أوقات وأحداث فلا تعلق بالزمان والمكان إلا بنا نحن المخلوقات الحادثة الأرضية.
وعلق الإمام نور الدين الحلبي في "إنسان العيون" المعروف بـ"السيرة الحلبية" (1/ 543، ط. دار الكتب العلمية) على أن النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء رأى حالَ المجاهدين في سبيل الله؛ فقال: [أي: كُشِف له عن حالهم في دار الجزاء بضرب مثاله] اهـ.
فقد يكون الله تعالى قد رفع عنه حجاب الزمان وكشف له ما هو كائن في الجنة والنار وما تعلق بهما من مشاهدات، وعلى كلٍّ فهذا أمر غيبي يجب على المسلم التسليم فيه والإيمان بما أخبر به الصادق الأمين دون خوض وإعمال للعقول فيما لا طاقة لها به.
الرد على شبهة أن مراجعة النبي عليه السلام لربه في عدد الصلوات فيه تبديل للقول
ومنها: أنهم يقولون: إن مراجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه في عدد الصلوات فيه تبديل للقول، كيف وربنا تعالى يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، كما أن فيه نوع وصاية من نبي الله موسى على رسولنا محمد عليهما الصلاة والسلام.
فنقول: إن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى موسى عليه السلام وكونه طلب منه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ يسأل ربه التخفيف، ثم خفف العدد إلى خمس صلوات، كل هذا قبل إقرار الفرض، وكل هذا مكتوب عند الله في الأزل.
وكونه تعالى جعلها خمس في العبادة وخمسين في الآجر فهذا إظهار لرحمته بعباده الصالحين، كما أنَّ الرجوع لا ينقص من قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يريد أن يمد زمن الصحبة مع الله بالرجوع إليه كما فعل موسى من قبل في قوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18
ثم يقول
وما كان بين النبي محمد وبين موسى عليهما الصلاة والسلام كان من باب التناصح، لا الوصاية؛ يقول الإمام القرطبي في "المفهم" (1/ 392-393): [وأما تخصيص موسى بأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمراجعة الله تعالى في الحط من الصلوات؛ فلعله إنما كان لأن أمة موسى عليه السلام كانت قد كلفت من الصلوات ما لم يكلف غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فخاف موسى على أمة محمد عليهما السلام من مثل ذلك ويشير إلى ذلك قوله: «فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك»] اهـ.
ويقول الإمام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 212، ط. دار المعرفة): [لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى عليه السلام، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة مضاهيًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به] اهـ.
وما كان بين النبي محمد وبين موسى عليهما الصلاة والسلام كان من باب التناصح، لا الوصاية؛ يقول الإمام القرطبي في "المفهم" (1/ 392-393): [وأما تخصيص موسى بأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمراجعة الله تعالى في الحط من الصلوات؛ فلعله إنما كان لأن أمة موسى عليه السلام كانت قد كلفت من الصلوات ما لم يكلف غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فخاف موسى على أمة محمد عليهما السلام من مثل ذلك ويشير إلى ذلك قوله: «فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك»] اهـ.
ويقول الإمام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 212، ط. دار المعرفة): [لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى عليه السلام، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة مضاهيًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به] اهـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
إجابة باذن الله تعالى 🔴
يعني أن المسلمين طوّروا أقوى نظام في العالم لتوثيق الأخبار، وهو علم الحديث، الذي يعتمد على:
اتصال السند: كل راوٍ يجب أن يكون سمع الحديث من الذي قبله حتى نصل إلى النبي ﷺ.
العدالة: يجب أن يكون الراوي مسلمًا عدلًا، لا يكذب ولا يفسق.
الضبط: يجب أن يكون الراوي حافظًا دقيقًا لما يرويه.
عدم الشذوذ والعلة: لا يكون الحديث فيه تناقض ولا خفاء يضعفه.
✅ ما الفائدة من هذا الكلام؟
الفائدة: أنه لا يصح رد أحاديث الإسراء والمعراج بحجة أنها "أحاديث آحاد"، لأن هذه الأحاديث ثبتت بشروط علمية صارمة تفوق توثيق أي علم آخر كالتاريخ أو الطب القديم.
شرح مبسط للنقطة الثانية:
> 🟢 "ثم إن كان استبعاد هؤلاء المنكرين من جهة تحكيم العقل فقد فاتتهم الحكمة..."
📌 ماذا يعني هذا؟
يقول إن بعض الناس ينكرون المعجزات لأن عقولهم لا تستوعبها (مثلاً: كيف يعرج النبي ﷺ إلى السماء في ليلة واحدة؟).
والرد عليهم هو:
الإيمان ليس فقط بالمحسوس، بل بالغيب أيضًا.
📖 قال الله:
> "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" [البقرة: 3]
🔹 أولاً: الرد من حيث اللغة والمعنى:
دار الإفتاء تقول: إن "الإسراء" يشمل "المعراج" ضمنًا، لأن:
الإسراء: هو بداية الرحلة (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى).
المعراج: هو تتمة الرحلة (من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا).
إذًا: الرحلة كلها وحدة واحدة، فإذا ذُكر "الإسراء" وحده كان المعراج ضمنًا جزءًا منه، كما هو الحال في اللغة والشرع.
> الإمام البيجوري يقول:
"إذا قيل الإسراء أو المعراج، فإن أحدهما يشمل الآخر، لأن المقصود هو كل الرحلة الخارقة للعادة".
ثانيًا: الرد من حيث الشرع والدين:
الأحاديث النبوية الصحيحة شرحت المعراج بالتفصيل، وهي مفسرة للقرآن، والقرآن نفسه أمرنا بطاعة النبي ﷺ:
> ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: 7]
الإمام أبو الحسن الأشعري، وهو من أئمة العقيدة الإسلامية، قال بوضوح:
> "الإيمان بالإسراء والمعراج واجب".
🛡️ الرد العلمي:
1. لفظ "الإسراء" في اصطلاح العلماء يشمل الرحلة كلها (من مكة إلى الأقصى ثم إلى السماء).
هذا استعمال لغوي واصطلاحي صحيح مشهور بين العلماء.
كما في تعبير العلماء بـ"الحج" ويقصدون به كل المناسك، وليس فقط الوقوف بعرفة.
2. البخاري وغيره من العلماء استخدموا لفظ "الإسراء" ليشمل الرحلتين معًا (الأرضية والسماوية)، لأن الرحلة واحدة مترابطة، والقرآن نفسه عبّر بالمجمل، وفصّلت السنة.
3. النتيجة:
ليس في استعمال لفظ "الإسراء" وحده أي إشكال، لأنه يُطلق شرعًا على كامل الرحلة، وهذا من لغة العرب المعروفة، وليس من باب الإنكار.
✅ الشبهة الثانية: "سماع النبي لصريف الأقلام يدل على أنها مادة وجسم"
❓ مضمون الشبهة:
> إذا كان النبي ﷺ قد سمع صريف الأقلام، فهل هذا يعني أنها أجسام مادية؟ كيف يسمع أصواتًا في عالم غير مادي؟
🛡️ الرد العلمي:
1. العالم الروحاني يمكن إدراكه إدراكًا يناسب طبيعته، حتى لو كان غير مادي.
كما في الرؤى الصادقة، حيث يسمع النائم ويشعر ويتكلم، رغم أن فمه ولسانه لم يتحركا.
فالإدراك قد يكون "روحانيًا"، لكنه يُدركه الإنسان وكأنه مادي، وهذا أمر ممكن عقلاً ونقلاً.
2. سماع صريف الأقلام لا يلزم منه أنها مادية، بل هو نوع من الإدراك الخاص بالنبي ﷺ في تلك الرحلة، وهو داخل في عالم الغيب، والله قادر على أن يريه ويُسمعه ما شاء.
3. تشبيه دقيق:
الرؤى المنامية فيها سمع وكلام، لكن ليست أصواتًا مادية حقيقية، بل إدراك روحاني.
فكذلك صريف الأقلام في السماء.
1. الله سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والمكان
هذا مجمع عليه بين علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة:
الله ليس جسماً
ولا تحويه الجهات
ولا تحده المسافات
> ❝ ليس كمثله شيء ❞ [الشورى: 11]
❝ وهو العلي العظيم ❞ — علوه ليس علواً مكانياً بل علوّ شأن وقهر وقدرة.
العروج إلى الله كان بالرُّتبة لا بالمسافة
المقصود أن النبي ﷺ اقترب منزلةً وتشريفًا وتكريمًا.
مثلما نقول: "فلان ارتفع عند الملك" أو "اقترب من الرئيس"، أي نال شرفًا، وليس أنه انتقل جسديًّا.
✅ الإمام الثعلبي قال:
> دنوّ النبي ﷺ من الله تعالى في المعراج: "بالرتبة والمكانة، لا بالمسافة"، لأن المسافة خاصة بالأجسام والله منزّه عن الجسمية.
النصوص التي توهم الجهة مؤولة عند العلماء
أي لا تُفهم على ظاهرها المادي.
مثل:
❝ ثم استوى على العرش ❞
❝ إليه يصعد الكلم الطيب ❞
→ معناها مجازي يدل على علو شأن الله، لا على وجوده في مكان.
> الإمام القرطبي نقل قول أبي المعالي الجويني: ❝ لم يكن النبي في سدرة المنتهى أقرب إلى الله من يونس في بطن الحوت ❞
→ يعني أن المكان لا يؤثر في القرب من الله.
القرآن صرّح بأن السماوات سبع طباقًا:
> ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3]
→ "طباقًا" أي بعضها فوق بعض، بنظام مرتب.
2. حدود العقل البشري والحواس:
الإنسان لا يستطيع إدراك كل الحقائق الكونية بحواسه أو بأجهزته.
ما توصّل إليه العلم هو فقط جزء بسيط جدًا من "السماء الدنيا".
3. السماء الدنيا وحدها مملوءة بالكواكب والمجرات:
كما قال تعالى:
> ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: 6]
إذن كل ما نرصده في الفضاء لا يتعدى حدود السماء الدنيا، فكيف ننكر وجود ما وراءها من سماوات طباقًا؟
✅ الخلاصة:
> إنكار طبقات السماء جهل بالوحي، وافتراض على ما لا يُدرك بالعقل والتجربة المحدودة.
المسلم يؤمن بالغيب كما أخبر به الله، سواء أدركته أدوات البشر أو لم تدركه بعد.
الشبهة الثانية: "كيف رأى النبي ﷺ الجنة والنار والمعاد لم يقع بعد؟"
🔺 مضمون الشبهة:
بعض المنكرين يقولون:
❝ الجنة والنار لم تُخلق بعد، أو القيامة لم تقم، فكيف يُقال إن النبي ﷺ رآهما في رحلة المعراج؟ ❞
❝ وما فائدة هذه الرؤى؟ الأمة لا تحتاج لمشاهد غيبية! ❞
الرد الدقيق:
1. رؤية الغيب حقّ ثابت للنبي ﷺ:
الله أطلعه على بعض عوالم الغيب: الجنة، والنار، والملائكة، والأمم السابقة.
هذا ليس مستحيلًا بل من معجزاته ﷺ، وهو منصوص عليه في الأحاديث الصحيحة.
2. القيامة لم تقم، لكن الجنة والنار موجودتان الآن
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة:
> الجنة والنار مخلوقتان الآن، ودل على ذلك القرآن والسنة.
قال تعالى:
> ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]
→ "أُعِدَّتْ" بصيغة الماضي تدل على أنها موجودة الآن.
الفائدة من رؤية النبي ﷺ لهما في المعراج:
كما قال الإمام الرازي:
النبي ﷺ رآهما قبل يوم القيامة حتى لا يفاجأ بهولهما،
فلا ينشغل قلبه بهما يوم القيامة، فيتفرغ للشفاعة الكبرى لأمته.
لا وجود لسبع سماوات طباقًا القرآن أثبتها، والعلم لم ينفِها بل لم يصل إلا للسماء الدنيا فقط
الجنة والنار لم تُخلق بعد بل هما مخلوقتان كما دل القرآن والسنة، ورآهما النبي ﷺ برؤية حق، وفائدتها في الشفاعة وتثبيت الإيمان
كيف رأى النبي ﷺ الجنة والنار، والقيامة لم تقم بعد؟
تم تناولها مسبقًا، وهنا تم التوسع فيها أكثر بذكر أمور مثل:
أن الله أطلعه على مشاهد من الغيب، رُفِع فيها حاجز الزمان.
أن هذا الكشف له تأثير نفسي وروحي يقوي قلب النبي ﷺ في دعوته.
أن الزمان عند الله ليس كزماننا، والمستقبل في علم الله كالماضي سواء.
🟢 هذا اعتراض شائع من الملاحدة أو العقلانيين الماديين، لذا فهو شبهة، ولكن تم الرد عليها بدقة وعمق فلسفي وعقائدي.
الشبهة الثانية:
هل مراجعة النبي ﷺ لربه في عدد الصلوات مخالفة لقوله تعالى: "ما يُبدل القول لديّ"؟
الملحد هنا يثير إشكالًا يقول فيه:
> ❝ إذا كان الله لا يُبدِّل قوله، فلماذا نُقص عدد الصلوات من 50 إلى 5 بعد مراجعات بين النبي ﷺ وموسى؟ ❞
❝ أليس هذا تبديلًا؟ وهل موسى أوصى محمدًا ﷺ بشيء يخص التشريع؟ ❞
الرد العلمي على الشبهة الثانية:
1. قول الله: "ما يُبدل القول لديَّ":
هذا في الأحكام النهائية الجازمة بعد تمامها، وليس فيما لم يُقرّر بعد أو لم يُبلّغ للناس.
2. المراجعات تمت قبل أن يُفرض الفرض على الأمة:
أي أن عدد الصلوات كان لا يزال في "مرحلة التقدير"، ولم يُبلّغ للأمة.
والمقصود من القصة كلها إظهار رحمة الله لا التبديل.
3. كل ما جرى كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ:
فالله تعالى علم أن الأمر سيستقر على خمس صلوات، ولهذا قال:
> "هن خمس في العمل، خمسون في الأجر".
فلا يوجد تبديل، بل تدرج بقصد التعليم والرحمة.
4. لا تُعدّ وصاية من موسى عليه السلام:
بل نصيحة نبي لأخيه النبي، وفيها حكمة، ومحمد ﷺ له مقامه المستقل.
ولم يتخذ القرار بناءً على أمر موسى، بل بعد استئذان ربه.
العنصر هل هو شبهة؟ هل مصدره ملحد؟ نوع الرد
كيف رأى النبي ﷺ الجنة قبل القيامة؟ نعم غالبًا ملحد أو عقلاني غيبي – فلسفي – عقدي
مراجعة الصلوات وتبديل العدد نعم واضح أنه من ملحد أو متشكك عقدي – أصولي – منطقي
1. ما دار بين النبي ﷺ وموسى عليه السلام كان من باب النصيحة، وليس وصاية ولا تدخلًا.
2. الإمام القرطبي قال: موسى عرف من تجربة قومه أن كثرة التكاليف قد تثقل، فأراد النصيحة.
3. الإمام ابن حجر فسر أن العلاقة بين النبيين فيها تكافؤ وتشابه من حيث الشريعة والأتباع، والنصيحة طبيعية بين نبيين عظيمين.
4. لا يوجد في ذلك ما يُخلّ بعصمة النبي محمد ﷺ أو مقامه، بل فيه إظهار لرحمة الله وسنّة الشورى والتناصح حتى بين الأنبياء.
Comments
Post a Comment