ارثر جفري ٣
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
نقد المراسي التاريخية
إن أكثر ما يلفت النظر في قصص الآباء هو استخدامها «المراس» ذات أبعاد تاريخية حقيقية في نصوص أبعد ما تكون عن التاريخ. الأمر الذي قد يوحي أن هذه القصص تاريخية. لكن التوغل القليل، وربما شبه السطحي، في هذه القصص، يكشف بسهولة أن المراسي التاريخية لم تستعمل من قبل محرري التوراة إلا بهدف الإيحاء بصدقية ما يكتبون أو يحررون.
من أهم العناصر في قصص الآباء، التي تبدو للوهلة الأولى تاريخية الإشارة إلى الجمال المدجنة أو إلى الشعوب الفعلية التي كانت تقطن في المنطقة أو إلى بعض المدن المثبتة تاريخياً أو حتى الإشارات إلى طرق القوافل. وكما أشرنا، فإن مؤلفي التوراة أو محرريها ارتأوا إقحام تلك العناصر التاريخية في
أساطيرهم لإخراج تلك الأساطير من الخانة الميثولوجية إلى خانة الحدث الواقعي. وفي اعتقادنا الذي وقفنا عنده مراراً أن نصوصاً كثيرة في التكوين وغيره، من التي نظر إليها لزمن طويل على أنها وقائع لا يرقى الشك إليها، هي الآن لا تخرج بحثياً عن دائرة الأساطير : كقصص خلق العالم والعائلة البشرية الأولى والطوفان وما شابه؛ فما الذي يبعث على الدهشة حين تصل بحوثنا إلى أن هذا السفر، التكوين، برمته، لا يخرج عن كونه ميثولوجيا مؤرخة ؟
نقد المرساة الأولى: شكل حياة أبراهام الفجوة الحريرة بين حياة النبي والرواية
المكتوبة (1)
نحن بحاجة أولاً لأن يكون بحوزتنا تاريخ دقيق لأقدم المصادر الممكنة المتعلقة بالشخصيات المذكورة في التوراة. يتضح من التوراة أن موسى لا يمكن أن يكون مؤلف كل أسفار الكتاب المقدس العبراني الخمسة الأولى كما تدعي اليهودية التقليدية، أقله أن نص موت موسى لا يمكن أن يكون قد كتبه النبي المفترض والواقع أن هذه الأسفار كتبت بعد موسى المفترض بزمن طويل.
وثمة آية تكشف لنا التاريخ الأقدم الممكن لتوليف النص:
وهؤلاء الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني
إسرائيل».
يتضح من الآية السابقة أن المؤلف كان يكتب حين كان للإسرائيليين ملك على الأقل. لكننا نعرف أن أول ملك مفترض للإسرائيليين كان شاؤول، الذي أضحى ملكاً عام 1025 ق. م. تقريباً. وهكذا فإن أقدم تاريخ ممكن لتوليف التوراة، أو أجزاء منها، هو القرن العاشر ق. م. يختلف الباحثون في تقديراتهم للتاريخ الدقيق لكتابة القسم الأقدم المسمى الوثيقة اليهووية») من الوثائق
(1) منذ بداية الدراسة النقدية للعهد القديم كان التعامل مع قصص الآباء لا يخلو من الشكوكية، فقد برهن يوليوس فلهاوزن (1844 - 1918) أن تلك القصص خلقت في زمن المملكة - إن جاز التعبير وهي بالتالي لا تمتلك أي أساس تاريخي. ويبدو أن عمله الشهير هو الذي أسس لجو البحث في العهد القديم لمن جاء بعده. وحتى اليوم ما يزال كثيرون يجادلون بأن الألف الأولى ق. م. هي أصل تلك القصص.
المصدرية لهذه الأسفار. يرى بعضهم أن الوثيقة كتبت في زمن قديم هو القرن العاشر ق. م. خلال فترة حكم سليمان ابن داود، في حين يعتقد آخرون أنها كتبت في زمن أحدث من السابق هو القرن السادس ق. م. (خلال السبي البابلي). لكن الخوض في تفاصيل هذه التخمينات غير ذي شأن بالنسبة لتحليلنا الحالي. المسألة الوحيدة التي تستأهل الانتباه هنا هي أن الآية السابقة تعتبر الحد الأعلى التاريخ توليف التوراة.
إذا انطلقنا الآن من أفضل جداول الكرونولوجيا الكتابية، نجد أن أبراهام عاش فرضاً في القرن الثاني والعشرين ق. م. إن أفضل دليل على الشك التاريخي المحيط بهذا التاريخ هو تواجد تقديرات متباينة عديدة لهذه التواريخ فالتخمينات تقول إنه عاش في القرن الخامس والعشرين، الحادي والعشرين السادس عشر ق. م. على الرتيب؛ أي أن التخمينات تمتد لتشمل حقبة ألف عام). وإذا ما أخذنا أحدث ما تم تخمينه من تواريخ لهؤلاء الآباء مع أقدم ما تم تخمينه من تاريخ لتوليف الوثيقة اليهووية - بكلمات أخرى، سيناريو الحالة الأفضل» للمؤمنين _ ستظل لدينا فجوة من ستمئة عام بين أبراهام التاريخي وقصته في التكوين والباحث التاريخي روبن لين فوكس ( مولود عام 1946) يضع هذا قبالة عينيه وهو يتحدث عن أثر هذه الفجوة الزمنية في التأثير على تاريخية التوراة: «إن فرصتها [التوراة في أن تكون صحيحة هي في حدودها الدنيا لأن ما من هذه المصادر وثائق التوراة المصدرية كتب من وثائق بينة مبدأية، بل إن تدوينها أستغرق قروناً، ربما ألف عام، بعد الذي يحاولون وصفه. وهنا نتساءل: كيف يمكن لتقليد شفوي الحفاظ على تفاصيله صحيحة خلال فجوة كهذه؟ إن أفضل
ما يمكنه القيام به هو تذكر حدثاً هاماً أو رحيلاً جديداً: مثل... خروج الإسرائيليين من مصر ... أو رحيلاً جديداً ... أما بالنسبة ... إلى مآثر يعقوب أو أبراهام، فما من سبب معقول يوجب الاعتقاد بها».
وهكذا فباستثناء ذكريات اجتماعية نادرة للغاية لحوادث هامة أو نقط تحوّل في تاريخ هذا الشعب علينا تجاهل كل ما تبقى بوصفه أساطير حظيت بالصدقية عبر قرون من التناقل الشفوي. كان لا بد أن نلاحظ هنا أننا لا نتجاهل كل الباقي باعتباره أساطير من دون أي دليل. فالواقع أننا في حالات كثيرة حيث تتم الإشارة إلى حوادث أو أشياء يمكن التحقق منها تاريخياً، نجد أن القصص في الكتاب المقدس العبراني إما مزيفة أو مشوشة.
نقد المرساة الثانية: الجمال المدنية
أبراهام
في مثالنا الأول، نلاحظ أن هنالك إشارتين إلى الجمال المدجنة في قصة
تك14:12 تتك
ولما دخل أبرام مصر، رأى المصريون أن المرأة جميلة جداً، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأخذت المرأة إلى بيته، فأحسن إلى أبرام بسببها فصار له غنم وبقر وحمير وخدام وخادمات وحمائر وجمال.
وأخذ الخادم عشرة جمال من جمال سيده ومضى، وفي يده من خيرات سيده كلها، وقام ومضى إلى آرام النهرين، إلى مدينة ناحور، فأناخ الجمال خارج المدينة، بالقرب من بئر الماء، عند المساء، وقت خروج المسقيات.
كما لاحظنا من قبل، فالتخمينات المتعلقة بتاريخ وجود أبراهام تتراوحبين القرن الخامس والعشرين ق. م. والسادس عشر ق. م. والنص السابق يوحي ضمناً أن الجمل كان مدجنا بل كان قيد الاستعمال في ذلك الوقت. لكن باعتمادنا على أدلة أخرى بين أيدينا، فالجمال المدجنة ببساطة لم تكن معروفة أيام أبراهام والنصوص المصرية من تلك الحقبة لا تذكر شيئا عنهم بل حتى في ماري، المملكة المجاورة للصحراء، والتي ستبدو الأكثر حاجة لاستخدام الجمال، فإن مجموعة وثائقها الضخمة التي هي الآن بين أيدي الأركيولوجيين لا تذكر مرة واحدة الجمال في ما يفترض أنه كتابات من حقبة معاصرة لأبراهام.
بالمقابل، فالواقع يقول إن الإشارات إلى الجمال لم تبدأ في الظهور في النصوص والنقوش المسمارية إلا في القرن الحادي عشر ق. م. وبعد هذا التاريخ راحت الإشارات إلى الجمال تتزايد على نحو ملحوظ. هذا يعني ضمناً أن
تدجين الجمال بدأ حوالي القرن الثاني عشر ق. م. أو قبله بقرن.
إذن، لا يمكن أن تكون هنالك جمال مدجنة حين كان أبراهام على قيد الحياة، ولابد بالتالي أن القصص السابقة إضافات متأخرة على أسطورة أبراهام. نقد المرساة الثالثة: رواية الملوك الأربعة
إن المادة المحتواة في الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين هي الجزء الأكثر إثارة للجدل من أركيولوجيا الآباء.
14 وحدث في أيام أمرافل ملك شنعار وأريوك ملك ألاسار وكدر لعومر ملك عیلام و تدعال ملك جوييم.
:14: 2 أن هؤلاء صنعوا حرباً مع بارع ملك سدوم وبرشاع ملك عمورة وشناب ملك أدمة و شمئيبر ملك صبوييم و ملك بالع التي هي صوغر.
3:14 جميع هؤلاء اجتمعوا متعاهدين إلى عمق السديم الذي هو بحر الملح.
4:14 اثنتي عشرة سنة استعبدوا الكدر لعومر والسنة الثالثة عشرة عصوا عليه.
14 5 و في السنة الرابعة عشرة أتى كدر لعومر و الملوك الذين معه وضربوا
الرفائيين في عشتاروث قرنايم والزوزتين في هام والإيميين في شوى قريتايم.
6:14 والحورتين في جبلهم سعير إلى بطمة فاران التي عند البرية.
7:14 ثم رجعوا وجاءوا إلى عين مشفاط التي هي قادش وضربوا كل بلاد العمالقة وأيضاً الأمورتين الساكنين في حصون تامار.
:14: 8 فخرج ملك سدوم وملك عمورة وملك أدمة وملك صبوييم وملك بالع التي هي صوغر ونظموا حرباً معهم في عمق السديم.
14: 9 مع كدر لعومر ملك عيلام وتدعال ملك جوييم وأمرافل ملك شعار وأريوك ملك الاسار. أربعة ملوك مع خمسة.
:14: 10 وعمق السديم كان فيه آبار حمر كثيرة. فهرب ملكا سدوم وعمورة وسقطا هناك والباقون هربوا إلى الجبل.
14: 11 فأخذوا جميع أملاك سدوم وعمورة وجميع أطعمتهم ومضوا.
14: 12 وأخذوا لوطا ابن أخي أبرام و أملاكه ومضوا، إذ كان ساكناً في سدوم.
14 13 فأتى من نجا وأخبر أبرام العبراني. وكان ساكناً عند بلوطات ممرا الأموري، أخي أشكول وأخي عانر. وكانوا أصحاب عهد مع أبرام.
14: 14 فلما سمع أبرام أن أخاه سبي جرّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مئة و ثمانية عشر وتبعهم إلى دان.
14 15 و انقسم عليهم ليلاً هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التي عن شمال دمشق.
:14: 16 واسترجع كل الأملاك، واسترجع لوطاً أخاه أيضاً، وأملاكه والنساء أيضاً والشعب.
إن ذكر شخصيات وحوادث كثيرة في المقطع السابق والتي كنا نتوقع أن تظهر في روايات أخرى من خارج الكتاب المقدس جعلت من هذا المقطع محط اهتمام خاص، والعديد من الباحثين ينظرون إلى هذه الرواية على أنها من زمن متأخر ولا أساس تاريخي لها؛ وفي بداية القرن العشرين تمت محاولات لتحديد هوية الملوك الأربعة أشهر تلك المحاولات المطابقة بين أمرافل وحمورابي
ملك بابل رفضت الآن عموما على أسس فيلولوجية وتاريخية.
من جهة أخرى، فرواية الملوك الأربعة لا علاقة لها بأي مصدر من مصادر
سفر التكوين؛ وبرأي اليسوعيين في هوا مشهم على القصة في النص العربي، أنها مأخوذة عن وثيقة قديمة نقحت وكيفت لإبراز دور أبراهام البطولي في الحرب. وكنا قد أشرنا، أثناء حديثنا عن فلهاوزن، إلى أن هذا النص مضاف من الزمن الهلنستي.
وحتى لو سلمنا جدلاً بوجود الملوك الأربعة الذين يتحدث عنهم التكوين، فإن ما من دليل على الإطلاق يشير إلى تحالف هؤلاء الملوك الأربعة ضد أبراهام المزعوم، هذا إذا كانوا متزامنين أصلا. كذلك لا يعقل أن يهزم أبراهام، يجيشه المكون من 318 شخصا، كما يقول التكوين، جيوش ملوك أربعة قد يصل تعداد مقاتليها إلى عشرات آلاف البشر !
نقد المرساة الرابعة الختان
التكوين:
سوف نتناول الآن مسألة عرف الختان الواردة في قصة أبراهام، من سفر
وقال الله لإبراهيم: وأنت فاحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك يختن كل ذكر منكم. فتختنون في لحم قلفتكم، ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم.
هذه حتماً إضافة أخرى متأخرة لأسطورة أبراهام. فنحن نعرف أن الختان كان يمارس على نطاق واسع في العصور القديمة في بلاد الهلال الخصيب والمصريون والكنعانيون، أي الشعبان اللذان يفترض أنهما الأكثر احتكاكا مع أبراهام، كانوا يمارسون هذا الطقس. من هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف يمكن " للختان " أن يكون علامة العهد بين الله و أبراهام إذا كان الجميع يمارسونه؟ فقط أثناء السبي البابلي، أي القرن السادس ق. م.، كان باستطاعة هذا العرف أن يميز بين اليهود وغير اليهود فالبابلييون لم يكونوا يمارسونها هذه الشعيرة. إذن فقصة الختان كعلامة للعهد بين الله وأبراهام هي أيضاً ميثولوجية.
نقد المرساة الخامسة: مدينة جرار الفلسطينية
سوف نناقش هنا الفقرة التالية من سفر التكوين (26 (1)، المتعلقة
بإسحق، ابن أبراهام:
وكانت في الأرض مجاعة غير المجاعة الأولى التي كانت في أيام إبراهيم. فمضى إسحق إلى أبيملك ملك الفلسطينيين في جرار !
نلاحظ الآن أن إسحق ولد كما هو مفترض حين كان أبراهام في عامه المئة
تك 5:21). وهكذا فالقصص المروية آنفاً عن ملك جرار هذا لا بد أنها حدثت في مكان ما بين القرنين الرابع والعشرين والخامس عشر قبل الميلاد، اعتمادا اعلى التاريخ الذي نراه الأنسب لموضعة أبراهام في الزمن. لكن الأدلة الأركيولوجية الواضحة تظهر أن الفلسطينيين لم يستوطنوا الشريط الساحلي حتى بعد القرن الثالث عشر ق. م. وتظهر الكشوفات الأركيولوجية في جرار (اسمها الآن تل حرور شمال غرب بئر السبع أن البلد لم تكن أكثر من قرية صغيرة غير ذات أهمية أثناء الاستيطان الفلسطيني البدئي في العصر الحديدي الأول (1150 - 900 ق. م.). ولم تصبح جرار مدينة ذات أهمية إلا في القرن السابع ق. م. من هنا يمكن القول إنه لم تكن هنالك جرار ولا ملك للفلسطينيين يمكنه أن يلتقي مع إسحق وقبله أبراهام خلال الفترة الزمنية التي يقال إنهما عاشا فيها !
من هنا يمكن أن تصل مع توماس تومبسن، أستاذ العهد القديم في جامعة كوبنهاغن إلى النتيجة التي تقول إنه إذا أظهر أن هذه الإشارات النوعية في قصص الأباء ليست أكثر من خلط تشويشي، فهي إذن لا تضيف أي شيء للقصص؛ لكن هذه الإشارات بالذات كانت المراسي التاريخية التي يفترض أنها
هي التي أرست دعائم تلك الحكايا في التاريخ في الموضع الأول. ودونها كيف باستطاعتنا التمييز بين هذه الروايات وأية حكايا فولوكلورية ميثولوجية صرفة؟
__________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
🔴⛔
🧩 أولًا: دعوى أن قصص الآباء (كإبراهيم) "ميثولوجيا مؤرخة" وليست تاريخًا
✅ الرد:
1. نقد ذاتي يخص التوراة لا القرآن: ما يُطرح هنا هو نقد للمصادر التوراتية نفسها، مثل سفر التكوين، وليس للقرآن. والمسلم غير ملزم بما ورد في النصوص التوراتية المحرفة. فادعاء أن قصص الآباء في العهد القديم "ميثولوجيا" لا يُثبت أن إبراهيم عليه السلام شخصية خيالية، بل فقط يشكك في الرواية اليهودية عنه.
2. القرآن لا يعتمد على نفس السرد التوراتي: قصة إبراهيم في القرآن تختلف في الشكل والمضمون عن العهد القديم. فالقرآن يقدمه كنبي موحد لله، دعا قومه لعبادة الله وهاجر لأجل العقيدة، وهو ما لا تركّز عليه التوراة، بل تنشغل بسرد أنساب وأحداث لا تحمل نفس البعد التوحيدي والرسالي.
3. نقاش حول منهجية "المراسي التاريخية" مغلوط: وجود إشارات تاريخية في نصوص قديمة (مثل أسماء مدن أو شعوب) لا يعني أن النص كله "مفبرك"، بل قد يعني أن الكاتب كان يستند إلى واقع تاريخي موجود. حتى النقاد مثل William Dever وKenneth Kitchen أشاروا إلى مصداقية بعض العناصر في قصص الآباء زمن القرن 19–18 ق.م.، خاصة أنماط الحياة، والتنقل، والعلاقات القبلية.
ادعاء أن اسم "إبراهيم" غير مثبت في الأركيولوجيا
✅ الرد:
1. ضعف الحجة السلبية: غياب اسم "إبراهيم" من النقوش لا يعني أنه غير موجود. الغياب الأثري لا يعني العدم التاريخي. فمعظم الشخصيات التاريخية من تلك الحقبة لم تُذكر أسماؤها، لندرة النقوش وصعوبة الحفاظ على الأرشيفات البدوية.
2. اسم "أبوراهاما" وأمثاله تشير إلى وجود اسم مشابه: اسم "أبوراهاما" أو "أبوراهانا" في نصوص ماري (القرن 19 ق.م) أو بعض النصوص المصرية يثبت أن الاسم شائع ومستخدم، مما يدعم إمكان وجود شخصية باسم "أبرام/إبراهيم"، وهو ما يدعمه أيضًا انتشار أسماء من نوع "Abi-…" في أسماء سامية.
3. القرآن لا يتوقف على اسم "إبراهيم" التوراتي: حتى إن شككنا في أسماء التوراة، فالقرآن يثبت وجود شخصية تاريخية لها تأثير عميق على الأنبياء من بعده. وهو ليس مجرد شخصية عابرة، بل أساسٌ لرسالات كثيرة، وشخصية دعوية ثورية في بيئة وثنية.
دعوى أن سفر التكوين كُتب بعد موسى بزمن طويل (بعد الملك شاؤول)
✅ الرد:
1. هذه حجة ضد المصداقية اليهودية لا ضد وجود إبراهيم: هذا الاتهام موجه لتأخر تدوين الأسفار وليس لوجود النبي إبراهيم ذاته. وجود نص متأخر لا يلغي احتمال أن يكون مستندًا إلى نقل شفهي أصيل ومشترك. فاليهود والعرب يروون سِيَر الآباء عبر قرون قبل الكتابة.
2. حتى نقّاد الكتاب المقدس لا يجزمون بعدم وجود إبراهيم: بعضهم يشكك في التفاصيل، ولكن عددًا مهمًا من الباحثين الأكاديميين مثل Richard Hess أو Kenneth Kitchen يدافعون عن إمكانية وجود شخصية تاريخية باسم إبراهيم، مع اعتبار النصوص لاحقة في التدوين.
3. القرآن لم ينقل من التوراة بل صوّب أخطاءها: مثلًا: لا تجد في القرآن أكاذيب التوراة عن إبراهيم (كذبه عن سارة، زواجه منها وهي أخته، إلخ). وهذا يشير إلى مصدر مستقل أو وحي مبرأ من التحريفات التي طالت العهد القديم.
هل كان إبراهيم بدويًا؟ وهل هذا ينافي التاريخ؟
✅ الرد:
1. النمط البدوي لا ينفي التاريخ: أن يعيش إبراهيم في خيام ويرحل مع قطعانه لا يجعله "أسطوريًا"، بل يعكس بدقة نمط الحياة لعشائر "العموريين" و"الآراميين" في القرن 19 ق.م.، وهو ما تؤكده نصوص ماري وأوغاريت.
2. الأنبياء كانوا فعلاً متنقلين حسب البيئات: القرآن لا يناقض هذا، بل يعززه: يقول الله تعالى:
> ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾
أي أنه انتقل من أرض إلى أرض، مما يتماشى مع كونه رحّالًا بدويًا.
اختلاف اسم "إبراهيم" في القرآن (إبرهيم/إبراهيم)
✅ الرد:
1. الاختلافات في الرسم القرآني ليست دليل تحريف: فالرسم العثماني يثبت روايات متعددة في قراءة الاسم، وهذا لا يؤثر في المعنى ولا يدل على اضطراب تاريخي. هذا موجود في أسماء مثل: "إلياس/إليسع" و"هارون/هارونا" أيضًا.
2. اسم إبراهيم له جذور أقدم من العبرية: يُرجّح أن يكون مشتقًا من الأكادية أو الآرامية، ومعناه "أبو الجمهور/الجموع"، وهو ما يتوافق مع المعنى الذي يقدمه القرآن:
> ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
🟥 أولًا: شبهة أن التوراة مزجت مراسي تاريخية بأساطير
الزعم:
استخدام التوراة لعناصر حقيقية (مثل طرق القوافل، المدن القديمة، الشعوب، الإبل) كان فقط لإضفاء "واقعية" على قصص أسطورية لا تمت للتاريخ بصلة.
الرد:
1. استخدام العناصر الواقعية لا يعني أن القصة خيالية:
دمج أحداث تاريخية أو عناصر واقعية (كذكر بابل، أور، حثيين، عموريين...) لا يجعل القصة تلقائيًا خرافة أو "أسطورة مغلفة بالواقعية"، بل على العكس، هي مؤشر على أن القصة نُقلت من بيئة واقعية محددة ذات خلفية تاريخية حقيقية.
2. وجود مراسي تاريخية قوية في سرديات التكوين:
قصة إبراهيم تشير إلى أور الكلدانيين (وهي مدينة حقيقية تم التنقيب عنها).
الإشارات إلى الممالك (كدادان، مصر، جَرشيم، مملكة جرار، حبرون، عمليق...) كلها أسماء موثقة في نقوش أثرية من العصر البرونزي.
3. حتى النقد التوراتي نفسه لا يتفق مع هذا التعميم:
فمدرسة كوبنهاغن المتطرفة (التي تتبنى هذا الطرح) تُخالفها مدارس مثل مدرسة التفسير التقليدي ومدرسة التوافق الأركيولوجي، والتي تؤكد وجود نواة تاريخية حقيقية وراء قصص الآباء.
🟥 ثانيًا: شبهة أن قصص إبراهيم "ميثولوجيا مؤرخة" وليس لها أساس تاريخي
الزعم:
بسبب تأخر تدوين التوراة (القرن العاشر أو السادس ق.م)، وقصة إبراهيم تعود لألف عام قبله على الأقل، فإنها لا يمكن أن تُحفظ بدقة شفوية، لذا يجب اعتبارها أساطير.
الرد:
1. الفجوة الزمنية لا تُبطل المصداقية تلقائيًا:
القصص المحفوظة شفويًا بدقة عبر أجيال ليست شيئًا غريبًا في الثقافات القديمة، خصوصًا في الشرق الأدنى.
التقليد الشفهي في المجتمعات السامية كان قويًا ومنظّمًا (بوجود الرواة والكهّان والحفظة).
2. قصص مشابهة حفظت لقرون ثم دُوِّنت دون أن تُرفض تاريخيًا:
مثل:
ملحمة جلجامش: دُونت بعد قرون من أحداثها المفترضة، ومع ذلك يُقر بوجود نواة تاريخية فيها.
الأساطير الهندية والفارسية حُفظت شفويا لقرون طويلة قبل التدوين، ولم تُنفَ فقط بسبب فجوة التدوين.
3. حتى كتاب العهد الجديد دُوِّن بعد عقود من حياة المسيح (40–70 سنة على الأقل)، ومع ذلك يَعتدُّ النقاد بأن التقليد الشفهي فيها كان فعالًا.
4. القرآن الكريم نفسه أكد على تاريخية إبراهيم:
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} [آل عمران: 67]
وهذه الشهادة تفصل بين الوحي الإلهي وبين التحريفات اللاحقة في التوراة، لكنها لا تنكر النواة التاريخية لشخص إبراهيم.
🟥 ثالثًا: شبهة الجِمال المدجّنة كمرساة تاريخية مزيفة
الزعم:
قصة إبراهيم في التكوين 12: 16 تذكر أن فرعون أعطاه "جمالًا"، ولكن التدجين الواسع للجِمال لم يكن موجودًا بعد، إذ يُعتقد أن تدجين الإبل لم يتم إلا بعد 1000 ق.م.
الرد:
1. الزعم غير دقيق أركيولوجيًا:
تم العثور على عظام إبل مدجّنة في مواقع أثرية تعود إلى الألفية الثالثة ق.م في جنوب شبه الجزيرة العربية وشمالها، وبلاد الرافدين.
في موقع "تل حلف" و"ماري"، وُجدت نقوش وأدلة على استخدام الإبل في التجارة أو الحمل.
2. استخدام الإبل كان موجودًا بشكل محدود قبل أن يُصبح واسع الانتشار:
أي أن وجود إبل في زمن إبراهيم ليس خرافة، بل يعكس مرحلة مبكرة من الاستخدام التجاري، وهو ما يتماشى مع وصف التوراة بدقة.
3. الآية لا تقول إن الإبل كانت شائعة أو مركزيّة، بل إن فرعون أعطى إبراهيم "جمالًا" ضمن الهدايا، وهذا ممكن منطقيًا في ذلك السياق التجاري والملكي.
الرد على هذه الشبهة:
🔹 أولًا: التدجين لا يعني الغياب الكلي
غياب الجمل من الوثائق المصرية أو المسمارية في زمن إبراهيم لا يعني أنه لم يكن موجودًا أو مستخدمًا بأي صورة.
الجمل كان حيوانًا صحراويًا نادرًا وغير شائع في السجلات الرسمية آنذاك، لأنه لم يكن الحيوان الرئيس للنقل أو العمل في تلك الحضارات المستقرة كالمصرية أو الميسوبوتامية، بل ارتبط أكثر ببيئة البدو والقبائل الرعوية.
🔹 ثانيًا: هناك إشارات أثرية مبكرة
عُثر على بقايا جمال في مواقع أثرية تعود إلى الألفية الثالثة ق.م. في شبه الجزيرة العربية ومنطقة شمال غرب الجزيرة، وقد تشير إلى استخدام محدود للجمل قبل تدجينه الواسع.
الباحث الأثري Kenneth Kitchen (من كبار المؤرخين الإنجيليين) يذكر أن الجمل لم يكن مستخدمًا بكثرة في زمن إبراهيم، لكن ظهوره لا يعدّ أمرًا غير معقول تمامًا.
🔹 ثالثًا: تدجين جزئي وتدريجي
تدجين الجمل كان تدريجيًا، وربما بدأ بأعداد قليلة في مناطق معينة قبل أن ينتشر استخدامه. هذا يفسّر لماذا قد يستخدمه إبراهيم كحيوان نادر ومميز.
🔹 رابعًا: لا يقتضي هذا إدراجًا لاحقًا
حتى لو كانت الرواية كتبت لاحقًا، وجود إشارات للجمل لا يثبت أنها أُلفت في تلك الفترة، فقد يكون الكاتب استعمل مصطلح "جمل" للوضوح للقارئ الحديث (كما هو الحال في بعض الترجمات أو التحديثات للنصوص القديمة).
2. قصة الملوك الأربعة ضد الملوك الخمسة (تكوين 14)
الادعاء:
هذه القصة تتحدث عن تحالف ملوك قدامى مثل كدرلعومر ملك عيلام، وأمرافل ملك شنعار (يُعتقد أنه حمورابي)، وغيرهم.
يزعم الملحد أن هذه الرواية أكثر مادة مثيرة للجدل من الناحية الأثرية، ويفترض أنها ملفقة لأن أسماء هؤلاء الملوك وتحالفهم الكبير لا يتوافق مع أي سجلات تاريخية واضحة في تلك الحقبة.
الرد على هذه الشبهة:
🔹 أولًا: لا يوجد نفي قطعي تاريخي
صحيح أن هذه الأسماء لم تُثبت كلها أثريًا، لكن عدم وجود سجل مباشر لا يُعد دليلاً على زيفها، بل قد يكون ناتجًا عن شح المصادر أو ضياع الأرشيفات الملكية.
🔹 ثانيًا: بعض الأسماء قريبة من أسماء معروفة
هناك محاولات لربط "أمرافل" بـ"حمورابي" (ملك بابل)، و"كدرلعومر" باسم إيلامي معروف.
هذه التوافقات ليست حاسمة، لكنها تدل على وجود خلفية تاريخية قد تكون القصة بنيت عليها.
🔹 ثالثًا: لا يوجد تناقض داخلي واضح في الرواية
الرواية تتكلم عن حملة عسكرية لتحصيل الجزية من مدن عصت، وهو ما يتماشى مع عرف الشرق الأدنى القديم، إذ كانت المدن الصغيرة تخضع لملوك أقوياء وتتمرّد أحيانًا.
🔹 رابعًا: الرواية تعكس معرفة جغرافية دقيقة
مثل ذكر "بطمة فاران" و"قادش" و"بحر الملح" (البحر الميت)، وكلها مواقع موثقة جغرافيًا، مما يشير
1. التمييز بين التدجين المحدود والاستخدام الواسع:
صحيح أن الاستخدام الواسع للجِمال كحيوانات للنقل والتجارة بدأ بالظهور بشكل ملحوظ في الألفية الأولى قبل الميلاد، لكن توجد أدلة آثارية على تدجين الجمل المحدود واستعماله في بعض المناطق حتى في الألفية الثالثة ق.م.
مثلًا، وجدت عظام جِمال في مواقع مثل تل الشيخ حمد وتل برك في سوريا ترجع إلى حوالي 2400 ق.م، ويُحتمل أنها كانت مدجّنة.
2. الاستعمال الفردي لا يعني انتشارًا تجاريًا:
كون الجمل لم يكن واسع الاستخدام لا ينفي أن أسرة ثرية مثل أسرة إبراهيم يمكن أن تكون امتلكته. الآية تقول: "أخذ عشرة جمال من جمال سيده"، أي أنها كانت علامة على الثراء، لا على الانتشار الواسع.
تمامًا كما نذكر في التاريخ امتلاك الملوك أو الأغنياء أدوات فارهة لم تنتشر شعبيًا إلا بعد قرون.
3. الكتابات المصرية والسومرية لا تشمل كل شيء:
الغياب من النصوص لا يعني الغياب من الواقع، بل فقط عدم توثيقه. معظم السجلات المعروفة تتحدث عن الماشية والحمير لأنها كانت الأوسع استخدامًا.
4. المنظور النقدي الحديث أصبح أكثر مرونة:
كثير من علماء الآثار اليوم لا يرون في ذكر الجِمال في سفر التكوين دليلاً قاطعًا على التزوير، بل على تدوين لاحق استخدم تعبيرات مفهومة ومعروفة زمن التدوين.
خلاصة الرد:
ذكر الجِمال لا يُعد دليلاً على تلفيق القصة، بل يمكن أن يعكس تدجينًا مبكرًا محدودًا لها، وكون استخدامها شائعًا وقت التدوين لا يعني أن القصة اختُلقت كليًا.
---
الشبهة الثانية: قصة الملوك الأربعة واستحالة التاريخ
ملخص الاعتراض:
الرواية في تكوين 14 تتحدث عن حرب بين أربعة ملوك وخمسة، وتدخل إبراهيم فيها.
الملحد يرى أن القصة ملفقة لأسباب:
لا يوجد أي ذكر لهؤلاء الملوك في نصوص أخرى.
لا يعقل أن يهزم إبراهيم بجيش من 318 رجلاً أربعة جيوش.
القصة تعود لزمن متأخر (ربما العصر الهلنستي) بحسب بعض النقاد.
الرد العلمي والتحليلي:
1. غياب أسماء الملوك من السجلات لا يعني عدم وجودهم:
معظم ملوك المدن في تلك الفترة لا نملك عنهم أي ذكر أصلاً في السجلات، إما لندرة الوثائق أو لضياعها. وأسماء مثل "أمرافل" و"كدُر لعومر" تحمل طابعًا ساميًا أو عيلاميًا متوافقًا مع تلك الفترة.
2. الرقم "318" رمزي أو تقريبي:
قد يكون هذا الرقم رمزيًا أو يشير إلى وحدة نخبوية، وليس إلى جيش كامل. وربما اعتمد إبراهيم على عنصر المفاجأة والتكتيك الحربي، كما في قوله "انقسم عليهم ليلًا"، وهو تكتيك حربي معروف في غارات البدو.
3. احتمال تدوين قديم للقصة:
بعض الباحثين لا يستبعدون وجود مصدر قديم للقصة تم إدماجه لاحقًا في النص، كما يرى بعض المختصين بالتيارات الوثائقية في نصوص العهد القديم.
القول بأنها "من العصر الهلنستي" فيه مجازفة كبيرة ولا يوجد عليه إجماع، بل هو رأي مدرسي متأثر بمدرسة "فيلهاوزن"، التي لم تعد مرجعًا قطعيًا اليوم.
خلاصة الرد:
عدم وجود أسماء الملوك في نصوص أخرى ليس دليلاً كافيًا للنفي، والقصة قد تعكس تقليدًا شفويا حقيقيا أو تمثّل حبكة ذات جذور تاريخية دُمجت ضمن إطار أدبي لاحق.
---
الشبهة الثالثة: الختان كعلامة عهد مع الله
ملخص الاعتراض:
يدعي الملحد أن الختان كان يُمارس في مصر وكنعان قبل إبراهيم، فكيف يُقال إنه كان "علامة العهد"؟
يرى أن جعل الختان علامة عهد إلهي جاء في زمن السبي البابلي، حيث كان يمكن التمييز به بين اليهود والبابليين الذين لم يختتنوا.
الرد التحليلي والتاريخي:
1. نعم، كان الختان يُمارس قبل إبراهيم، لكن:
صحيح أن المصريين وبعض الكنعانيين مارسوا الختان (وثائق من الأسرة السادسة تشير إليه)، لكن طريقة الختان ومغزاه الديني يختلفان جذريًا.
عند المصريين، كان الختان مرتبطًا بطقوس البلوغ أو الطهارة، وليس كـ"علامة عهد إلهي".
2. تميز ديني لا طقسي:
جعل الختان علامة العهد كان نقلة في المعنى الديني والرمزي، لا في الممارسة الجسدية فقط. وهذا التمييز هو ما جعل الختان في اليهودية ذا طابع فريد.
3. السبي البابلي قد يكون أعاد التركيز، لا اخترع الفكرة:
بعض النقاد يرون أن فكرة "العهد بالختان" تم التركيز عليها أكثر أثناء أو بعد السبي، لكنها لا تعني أنها اختُرعت آنذاك. فالعهد قديم منذ إبراهيم، لكن أدبياته وطقوسه برزت لاحقًا في النصوص التوراتية.
خلاصة الرد:
كون الختان كان يُمارس لا ينفي أن الله اختار تحويله إلى "علامة عهد"، كما أن المعنى والنية الدينية في العهد الإبراهيمي تختلف جذريًا عن ممارسات الشعوب الأخرى.
---
الشبهة الرابعة: اختلاق بطولات لإبراهيم
ملخص الاعتراض:
يرى أن قصة انتصار إبراهيم على الملوك الأربعة محاولة لتقديمه كبطل قومي، ومؤشر على كتابة متأخرة (العصر الهلنستي).
أولاً: هل مصطلح "الفلسطينيين" يعني دائمًا شعب "فلستيا" المعروف بعد الغزو البحري (Sea Peoples)؟
لا، وهذا لبّ المغالطة التاريخية التي وقع فيها الكاتب.
في سفر التكوين، "الفلسطينيون" في زمن إبراهيم وإسحق لا يُقصد بهم الشعب الذي جاء من "كريت" واستوطن الساحل الجنوبي للكنعانيين بعد القرن 13 ق.م.
بل هي تسمية لاحقة استخدمها كاتب التوراة بلغة زمنه، وهو أسلوب معروف في التوراة (وحتى في القرآن والحديث) يسمّى الاستعمال الأناكروني (Anachronism) أي استعمال اسم لاحق على وقائع أقدم.
> مثاله في القرآن: "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله" [الحج: 40] رغم أن مكة حينها لم يكن فيها "ديار" بالمفهوم المديني الكامل.
🟨 الخلاصة:
> عبارة "أبيمالك ملك الفلسطينيين" في زمن إبراهيم لا تعني بالضرورة "الفلسطينيين التاريخيين" الذين جاءوا من كريت في العصر الحديدي، بل قد تكون:
1. تسمية لاحقة اعتادها الكتبة.
2. أو اسم محلي لقبيلة أو شعب مختلف حمل لاحقًا نفس الاسم.
ثانيًا: هل كانت "جرار" موجودة فعلًا؟
نعم، والادعاء بأن جرار لم تكن موجودة أو لم تكن ذات شأن قبل القرن السابع ق.م خاطئ جزئيًا.
جرار (تل حرور الحديثة) أظهرت حفريات فيها مستويات سكن تعود إلى العصر البرونزي الوسيط والمتأخر (1800–1200 ق.م)، أي قبل استقرار الفلسطينيين التقليديين وبعد زمن إبراهيم حسب بعض التأريخات.
بل توجد إشارات في النقوش المصرية إلى وجود مراكز كنعانية جنوبية قبل الغزو الفلسطيني، وجرار إحداها.
🟨 الخلاصة:
> مدينة "جرار" كانت موجودة ولو بحجم قرية أو مركز محلي في زمن إبراهيم أو قبله بقليل، وأصبحت أكثر أهمية لاحقًا – وهذا لا يمنع أن تذكرها التوراة في تلك الحقبة.
ثالثًا: من هو "أبيمالك"؟ وهل هو اسم حقيقي؟
"أبيمالك" هو اسم ملك كنعاني على الأرجح، وليس فلسطينيًا بالشكل المعروف لاحقًا.
الاسم "أبي-ملك" (Abi-melek) اسم سامي شائع، ومعناه "أبي ملك" أو "أبي هو ملك".
استُخدم لاحقًا لأكثر من ملك (أمثال "فرعون" في مصر)، وقد يكون لقبًا ملكيًا وليس اسمًا علمًا.
ملخص الرد:
الادعاء الرد
الفلسطينيون لم يكونوا موجودين زمن إبراهيم المقصود في التكوين ليس الفلسطينيين التاريخيين، بل الاسم استخدم لاحقًا للإشارة إلى سكان تلك المنطقة
جرار لم تكن موجودة جرار كانت موجودة كموقع سكني في العصر البرونزي، والآثار تشهد
لا يمكن وجود ملك فلسطيني قبل القرن 13ق.م أبيمالك ليس "ملك فلستيا" بل حاكم محلي كنعاني بلقب شائع في عصره
Comments
Post a Comment